مع انتخاب رئيس جديد فى الولايات المتحدة، تمر عملية اختيار مرشح أيا من الحزبين الرئيسين، الديمقراطي والجمهوري، بمراحل عديدة فى مختلف الولايات الخمسين، فيما يعرف باسم الانتخابات التمهيدية، والتي قد تبدأ بالعديد من المتنافسين، لتنتهى بإعلان اسم مرشح واحد فقط للحزب فى الانتخابات الرئاسية، قبل أشهر قليلة من موعد إجرائها.
ومع انتظار البيت الأبيض لساكن جديد فى يناير 2029، عندما تنتهى فترة رئاسة ترامب الثانية، يبدو السباق الجمهوري مختلفًا هذه المرة، ومحصوراً بشكل كبير فى منافسة قوية بين اسمين من أقرب المقربين لترامب، وهما بين نائبه جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو.
يقول تقرير لموقع يورو نيوز عن المنافسة بينهما، إن كل من فانس وروبيو يسعى إلى ترسيخ مكانته كخليفة طبيعي لترامب، مع تجسيدهما لرؤيتين مختلفتين تماماً لما يمكن أن تصبح عليه حركة MAGA أو "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" التي أسسها ترامب.
يرى محللون أن فانس يظل حتى الآن الأوفر حظاً، فى ظل ما يمتلكه من مزايا تجعل عادةً من الصعب التغلب على "نائب الرئيس" في الانتخابات التمهيدية الرئاسية. وتشمل هذه المزايا قربه من السلطة، وظهوره الدائم، وادعاؤه شبه التلقائي بالاستمرارية.
تجلى ذلك في مؤتمر "العمل السياسي" المحافظ في فبراير الماضي، عندما فاز فانس بسهولة في استطلاع رأي غير رسمي للمرشحين الجمهوريين المحتملين لانتخابات 2028، بنسبة 61%.
وقال جيم ماكلولين، خبير استطلاعات الرأي الذي أجرى الاستطلاع ليورو نيوز، إن فوز فانس يعود إلى أنه "يُنظر إليه على أنه أقرب شخصية إلى دونالد ترامب"، وهذا التصور أساسي لدى مؤيدي حركة ماجا. فضلاً عن ذلك، يتمتع فانس بنفوذ كبير في جمع التبرعات بصفته رئيس الشؤون المالية للجنة الوطنية الجمهورية، مما يمنحه دوراً محورياً في تدفق أموال الحزب.
وكان ترامب قد ألمح مرارًا وتكرارًا إلى أن جيه دي فانس هو الوريث الأنسب لحركة "ماجا"، دون أن يُعلن تأييده رسميًا. ويرى كايل كونديك، الذي يُتابع السباق الجمهوري في مركز السياسة بجامعة فرجينيا، أن فانس أصبح الوريث المحتمل عندما اختاره ترامب نائبًا له في انتخابات 2024.
لكن ترامب قد يُغيّر رأيه في لحظة. فكما أدرك العديد من أعضاء الكونجرس الجمهوريين الذين خسروا بعد أن فقدوا حظوتهم لدى ترامب، فإن تأييد الرئيس لا يزال قادراً على حسم مصير أي مرشح في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري.
تقدم فانس فى استطلاعات الرأي
وتُشير استطلاعات الرأي المبكرة للجمهوريين واستطلاعات رأي النشطاء المحافظين إلى تقدم فانس على روبيو بفارق كبير.
ويُحاكي أسلوب نائب الرئيس غريزة ترامب في خوض المعارك السياسية. ففي ظهوره الأخير في البيت الأبيض، انخرط فانس في نقاشات حادة مع الصحفيين ودافع عن سياسات ترامب الأكثر إثارة للجدل دون تردد.
ويرى العديد من النشطاء الشعبيين أن هذا يجعله الوريث الحقيقي: شخص يؤمن بنهج ترامب وليس مجرد تبنيه.
وتكمن نقطة ضعف جيه دى فانس الأساسية في أنه أقل شعبية حتى من ترامب نفسه، ورغم ذلك، ووفقًا لاستطلاع رأي أجرته مؤسسة بيو في وقت سابق من هذا العام، لا يزال فانس أكثر شهرة لدى الناخبين الأمريكيين من معظم الشخصيات الأخرى في إدارة ترامب، ولا يتفوق عليه في الشهرة سوى ترامب نفسه ووزير الصحة والخدمات الإنسانية روبرت ف. كينيدي الابن.
صعود روبيو
يشير تحليل "يورو نيوز" إلى أن صعود روبيو خلال العام الماضي حول ما كان يبدو لوهلة وكأنه تتويج محتوم لفانس إلى منافسة حقيقية.
وبصفته وزيرًا للخارجية، أصبح روبيو أحد أبرز الشخصيات في الإدارة، لا سيما خلال أزمة إيران وفترات التوتر الجيوسياسي الأوسع.
وفقًا لاستطلاع أجرته شبكة ABC News، يناقش المانحون والاستراتيجيون الجمهوريون، الذين كانوا يعتقدون سابقًا أن جيه دي فانس هو الخليفة الحتمي، روبيو بشكل متزايد كبديل جدي.
وقد زاد دونالد ترامب نفسه من حدة التكهنات بإشادته العلنية بالرجلين، بل وطرحه فكرة "قائمة الأحلام" التي تجمعهما.
لكن السؤال الأعمق ليس ببساطة من سيفوز، بل أي نوع من الحزب الجمهوري سينبثق بعد ترامب.
فانس، من جانبه، أيديولوجية "جعل أمريكا عظيمة مجددًا" في أنقى صورها. فهو يتحدث لغة التظلم الثقافي والقومية الشعبوية والمشاعر المعادية للنخبة بطلاقة تفوق تقريبًا أي شخص آخر في الحزب الجمهوري. في المقابل، يمثل روبيو محاولة لوضع الحركة السياسية على أسس مؤسسية أكثر اعتدالًا.
قبل 10 سنوات، كان يُنظر إلى روبيو على أنه جمهوري تقليدي ذو نزعة دولية، وأحد أشرس منافسي ترامب خلال الانتخابات التمهيدية لعام 2016، حينما سخر ترامب من السيناتور آنذاك عن ولاية فلوريدا ووصفه بـ"ماركو الصغير".
لكن مع مرور الوقت، تأقلم روبيو مع التحالف الجمهوري الجديد، وأصبح داعمًا رئيسيًا لأجندة ترامب في السياسة الخارجية.
يقدم الآن نهجًا مختلفًا عن نهج جيه دي فانس، يتمثل فى قومية على طريقة ترامب، لكن بأسلوب أكثر هدوءً ورصانة.
ومن نقاط قوة روبيو أنه يحظى بشعبية واسعة بين المانحين، وأنصار السياسة الخارجية المتشددين، والجمهوريين الذين يدعمون أجندة ترامب لكنهم قلقون من الإرهاق الانتخابي والفوضى السياسية.
ويرى ويت آيرز، خبير استطلاعات الرأي الجمهوري الذي عمل في حملة ماركو روبيو لمجلس الشيوخ عام 2010 أن وزير الخارجية سياسي قادر على استقطاب شريحة كبيرة من الجمهوريين الذين أيدوا ترامب لكنهم لم يكونوا متحمسين له بشكل مفرط.
وتكمن مشكلة روبيو في أنه أقل شعبية من ترامب، وجزء كبير من الناخبين الأمريكيين لم يسمعوا به قط.
مسار ولاية ترامب الثانية سيحسم الصراع
في النهاية، قد يتوقف الأمر على كيفية سير النصف الثاني من ولاية دونالد ترامب الأخيرة.
فإذا غادر ترامب منصبه وهو يتمتع بقوة سياسية - مع اقتصاد مستقر، وتضخم تحت السيطرة، وقاعدة جمهورية لا تزال متحمسة للقضايا الثقافية - فمن المرجح أن يكون فانس هو المستفيد الأكبر.
وقد يستنتج ناخبو الحزب الجمهوري في الانتخابات التمهيدية أن على الحركة أن تبقى متمسكة بأيديولوجيتها ومواجهةً ثقافياً. في هذه الحالة، يُخاطر روبيو بالظهور بمظهر الحذر المفرط، وبصورة تُذكّر بالمؤسسة الجمهورية السابقة لترامب، المرتبطة بجورج دبليو بوش وميت رومني.
لكن إذا انتهت ولاية ترامب الثانية وسط ضعف اقتصادي، أو تجاوزات في السياسة الخارجية، أو فتور في حماس الناخبين، فإن حجة روبيو ستتعزز بشكل ملحوظ. وبإمكانه أن يُقدّم نفسه كشخص حافظ على أولويات ترامب الشعبوية مع استعادة الانضباط والكفاءة وجاذبية انتخابية أوسع.
ويرى بعض الاستراتيجيين الجمهوريين بالفعل أن روبيو قد يكون أقوى من جيه دي فانس في الانتخابات العامة ضد منافس ديمقراطي.
هناك أيضًا ما يتعلق بالتواصل. حيث يرتبط فانس ارتباطًا وثيقًا باليمين الشعبوي على الإنترنت - المدونات الصوتية، ووسائل الإعلام البديلة، والمؤثرين المحافظين، والطاقة الأيديولوجية لحركة "ماجا". في المقابل، يشعر روبيو براحة أكبر في الأوساط السياسية والدبلوماسية التقليدية، على الرغم من أنه أصبح أكثر فعالية في وسائل الإعلام المحافظة.
كما أصبحت لقاءاتهما الأخيرة في غرفة الإحاطة الإعلامية بالبيت الأبيض، في بعض الأحيان، أشبه باختبارات أداء غير رسمية لرؤيتين متنافستين للحزب الجمهوري.
وقالت صحيفة واشنطن بوست إن المؤتمر الصحفي الذي عُقد في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، أتاح لنائب الرئيس جيه دي فانس فرصةً لإثبات قدرته ليس فقط على تولي مهام السكرتيرة الصحفية كارولين ليفيت، التي بدأت مؤخراً إجازة أمومة، بل أيضاً على تقديم نفسه كقائدٍ مُحتمل للحزب الجمهوري. وجاءت كلمة فانس بعد كلمة وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي أثارت كلمته قبل أسبوعين موجةً من التقارير الإخبارية حول طموحاته، وحظيت بإشادةٍ واسعة من بعض الجمهوريين الذين أشاروا إلى أنه يمتلك المؤهلات الرئاسية.
وفى النهاية، يظل هناك عاملاً واحداً يتفوق على جميع العوامل الأخرى فى المنافسة بين فانس وروبيو، وهو ترامب نفسه الذي لا يزال الحزب الجمهوري متعلقاً به بشدة.
فعلى عكس الرؤساء السابقين، لم يُبدِ ترامب اهتمامًا يُذكر بتحديد خليفة واضح له، على الأقل في الوقت الراهن. ويبدو أنه يُحافظ بدلا منذ لك على نفوذه من خلال إبقاء الورثة المحتملين معتمدين على موافقته، والتنافس على نيل رضاه.
ويرى تحليل يورو نيوز أن هذا الغموض يفيد ترامب سياسيًا، إذ يُساعده على الحفاظ على هيمنته على الحركة حتى مع بدء معركة الخلافة.
ويعرف عن الرئيس ترامب نفوره الشديد من أي شخص - صديقًا كان أم عدوًا - يُشتت الانتباه عنه أو يُهيمن على التغطية الإعلامية، وهو أمر لا مفر منه لأي مرشح رئاسي جمهوري مُستقبلي.
فى ضوء ذلك، قد تُصبح الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري عام 2028 بمثابة استفتاء على معنى شعار ماجا بعد ترامب: هل ستكون ثورة شعبوية دائمة بقيادة جيه دي فانس، أم نسخة أكثر انضباطًا وذات توجه دولي بقيادة ماركو روبيو؟.