اعتادت جماعة الإخوان الإرهابية في الدعاية وكتاباتهم النظرية، منذ التأسيس، على دغدغة مشاعر البسطاء، والحديث المستمر عن الانحياز للفقراء والمهمشين. ورغم استعارة الجماعة لمفردات "العدالة الاجتماعية" وتذويب الفوارق بين الطبقات، فإن الواقع التنظيمي كشف عن فصام حاد يعكس بنية طبقية راسخة في الداخل. وفي هذا السياق، يوضح الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، أحمد بان، كيف تحولت شعارات الجماعة إلى مجرد أداة براجماتية للحشد والتمكين، بينما ظلت القيادة حكرًا على "طبقة مخملية" تدير التنظيم بعقلية النفوذ والمال.
ثنائية الخطاب والسلوك
أكد أحمد بان على المفارقة الصارخة بين أدبيات الجماعة وممارساتها؛ ففي الوقت الذي أبدى فيه مؤسس التنظيم، حسن البنا، عداءً نظريًا للطبقية في رسالته "مشكلاتنا الداخلية"، مطالبًا بالتقريب بين الفئات، كشفت مذكراته عن رؤية مغايرة تمامًا. فقد اعتمد البنا خطة واضحة للنفاذ إلى المجتمع بدأت منذ عام 1927، ارتكزت على استهداف أربعة عوامل رئيسية للتأثير، كان "الأعيان والوجهاء" في صدارتها.
هذا جعل الجماعة تتماهى مع النموذج الشيوعي السوفيتي؛ حيث استُخدمت شعارات المساواة لجذب الجماهير وتحويلهم إلى "وقود للحركة"، في حين استأثرت قيادات الحزب بالمزايا الاقتصادية والسياسية كافة. ويؤكد "بان" أن هذا الفصام تجسد تاريخيًا في صعود أسماء من خلفيات أرستقراطية وميسورة لتصدر المشهد، مثل حسن العشماوي، ومنير الدلة، وحسن الهضيبي، وعمر التلمساني، وصولًا إلى العصر الحديث الذي شهد هيمنة خيرت الشاطر على مقدرات الجماعة، حيث تحول رأس المال إلى سلطة تنظيمية مطلقة تجاوزت الشرعيات التاريخية والتربوية للمرشدين.
عصر التمكين.. بيزنس الجماعة وتحالف المصالح
رأى أحمد بان اباحث في شؤون الجماعة الإرهابية؛ أن مرحلة وصول الإخوان إلى السلطة عام 2012 كانت المحطة الكاشفة لزيف شعارات العدالة الاجتماعية. فلم تتجه الجماعة لمعالجة أزمات الطبقات المهمشة، بل سارعت إلى تأسيس لوبي اقتصادي عبر جمعية "بداية" التي قادها رجل الأعمال الإخواني حسن مالك.
وتابع؛ الجمعية دشنّت شراكة وتحالفات مع رجال المال التابعين للنظام السابق، والذين سعى الإخوان لعزلهم سياسياً مع الاحتفاظ بامتيازاتهم اقتصاديًا لدمج أموالهم في الماكينة التنظيمية. هذا السلوك أكد بوضوح أن الدعاية الإخوانية حول "تقريب الطبقات" لم تكن سوى واجهة براجماتية لتجنيد ولاءات الفئات البسيطة، بينما كان الهدف الفعلي هو مأسسة رأسمالية الجماعة.
مذكرات الأخوات.. شهادات تفضح أسر و الأثرياء
وأضاف"بان" أنه لا يتوقف الفصام الطبقي عند المستوى القيادي، بل يمتد ليشمل القواعد التنظيمية والاجتماعية في أدق تفاصيلها. وينقل التقرير شهادات حية وثقتها الروائية المستقيلة من التنظيم، انتصار عبد المنعم، في كتابها "مذكرات أخت سابقة"، والتي كشفت فيها عن "مأسسة الطبقية" داخل ما يُعرف بنظام الأسر والشعب؛ حيث فوجئ أعضاء وافدون من قاع المجتمع بأن التنظيم يفصل جغرافيًا وطبقيًا بين "شعب الفقراء ومحدودي الدخل" و"شعب القيادات وأبنائهم الأثرياء" حتى وإن كان يفصل بينهما شارع واحد.
وأكد الباحث في الشؤون الاخوانية؛ أن الشهادات تؤكد أن الترقية والصعود الإداري داخليًا لم يخضعا يومًا للاستحقاق أو الموهبة، بل كانا محكومين بنفوذ العائلة وميراث الاعتقال. وامتد التمييز الطبقي ليشمل العلاقات المصاهرية؛ حيث كانت الفرص الزواجية "الذهبية" تُحجز حصرياً لبنات القيادات البارزة وفقاً للمكانة المالية والإدارية للوالد، مما خلق حالة من التنافس المرير بين "الأخوات" على تولى قيادة الأسر للحصول على التلميع الإداري والاقتراب من مجتمع "الحرس القديم".
وأشار أحمد بان إلى أن البنية الهيكلية للإخوان حملت جينات طبقية صارمة ناقضت تمامًا شعارات الأخوة والمساواة المرفوعة. لقد نجح الشعب المصري في اختبار الوعي، ولم يحتج سوى لعام واحد من حكم الجماعة ليكتشف عمق الفجوة بين الدعاية الشفهية والواقع المخملي لقيادات التنظيم.