كشفت مسيرة جماعة الإخوان الإرهابية، منذ نشأتها وحتى سقوط حكمها في ثورة 30 يونيو، عن اعتمادها على الكذب السياسي، والتدليس الفكري، وصناعة المظلومية، وإنكار الجرائم، وتوظيف الدين لتحقيق أهداف تنظيمية ضيقة، في إطار مشروع قام على التضليل وإعادة صياغة الوقائع بما يخدم بقاء التنظيم، ليس هذا فحسب بل أن منهجية التنظيم تعتبر أن سفك الدماء جهاد في سبيل الله، وذلك وفقًا لما أكد أحمد بان، الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة.
محمد حبيب وصف الإخوان بـ«جماعة الكذب»
وقال بان إن وصف جماعة الإخوان بأنها "جماعة الكذب" لم يكن جزءًا من الدعاية المضادة التي أعقبت سقوطها في 30 يونيو، بل جاء على لسان أحد أبرز قياداتها، وهو الدكتور محمد حبيب، نائب المرشد العام الأسبق، الذي دخل في خلاف مع المجموعة القطبية التي أحكمت سيطرتها على التنظيم منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وعززت نفوذها داخل الجماعة عام 2009، بعدما استبعدت كل من لا ينتمي إلى خطها الفكري والتنظيمي.
وأكد أن هذا الوصف كان دقيقًا إلى حد بعيد، لأن الكذب ظل سمة ملازمة للجماعة في تعاملها مع أعضائها والمجتمع والدولة، واستخدمته وسيلة لتحقيق أهدافها السياسية والتنظيمية.
الجماعة أنكرت جرائم «النظام الخاص» رغم تورطه في الاغتيالات والتفجيرات
وأوضح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أن جماعة الإخوان لم تكتفِ بالصمت تجاه الاتهامات التي طالتها، بل أنكرت على مدار تاريخها جرائم "النظام الخاص"، ذلك الجهاز السري الذي أنشأه حسن البنا تحت دعوى حماية الدعوة، بينما امتدت عملياته إلى تنفيذ أعمال عنف وتفجيرات واغتيالات طالت المجتمع والاقتصاد المصري.
وأشار إلى أن التنظيم تجاهل وقائع دامية، من بينها مقتل السيد فايز، أحد قيادات النظام الخاص، بعد وضع عبوة متفجرة داخل علبة حلوى بواسطة عناصر من التنظيم نفسه، في حادثة كشفت حجم الصراعات الداخلية ووحشية الجهاز السري.
مأمون الهضيبي: «نتقرب إلى الله بأعمال النظام الخاص»
وأضاف بان أن الجماعة لم تتبرأ من النظام الخاص أو ممارساته العنيفة، بل إن بعض قياداتها أضفت على تلك الأعمال غطاءً دينيًا، مستشهدًا بتصريح المستشار مأمون الهضيبي، المرشد السادس للجماعة، الذي قال نصًا: «إننا نتقرب إلى الله بأعمال النظام الخاص».
وأكد أن هذا التصريح يعكس طبيعة العلاقة بين الجماعة وجهازها السري، ويؤكد أن العنف لم يكن انحرافًا عارضًا داخل التنظيم، وإنما جزء من بنيته الفكرية والتنظيمية.
الاغتيالات والعنف كانا جزءًا أصيلًا من مشروع الجماعة
وأشار الباحث إلى أن اغتيال القاضي أحمد الخازندار في مارس عام 1948 لم يكن حدثًا منفصلًا، بل جاء بالتزامن مع الذكرى العشرين لتأسيس الجماعة، وهو ما يطرح تساؤلات حول دلالة هذا التوقيت، ويؤكد أن الجماعة دخلت بالفعل مرحلة "التنفيذ" التي تحدث عنها حسن البنا ضمن مراحل عمل التنظيم.
وأوضح أن حسن البنا قسم مسيرة الجماعة إلى ثلاث مراحل: التعريف، والتكوين، ثم التنفيذ، وهي المرحلة التي شهدت انطلاق موجة الاغتيالات والتفجيرات التي ارتبطت باسم الجماعة.
حسن البنا أنكر الجرائم عندما انقلبت نتائجها على الجماعة
وأكد بان أن حسن البنا لجأ إلى التنصل من منفذي اغتيال القاضي الخازندار عندما تحولت الجريمة إلى عبء على الجماعة، فوصفهم بأنهم "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين"، رغم أن التنظيم هو الذي كلفهم بهذه المهام.
وأضاف أن هذا الموقف يعكس نمطًا متكررًا لدى الجماعة، يتمثل في إنكار الأفعال والتنصل منها عندما لا تحقق النتائج المرجوة، في صورة واضحة من صور الكذب السياسي والتنظيمي.
الجماعة رفعت شعارات الوطنية وتحالفت مع قوى أجنبية
وقال الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة إن حسن البنا أعلن أن هدف الجماعة هو تحرير الوطن من كل سلطان أجنبي، بينما تكشف الوقائع التاريخية عن تحالفات متناقضة مع قوى خارجية، سواء مع البريطانيين أو مع الألمان خلال الحرب العالمية الثانية.
وأضاف أن الجماعة سعت في مراحل مختلفة إلى كسب دعم قوى أجنبية بما يخدم أهدافها التنظيمية والسياسية، في تناقض واضح مع شعاراتها المعلنة حول الوطنية والاستقلال.
«المعرفة على قدر الحاجة».. وسيلة لخداع أعضاء التنظيم
وأوضح بان أن الإخوان مارسوا الخداع حتى داخل تنظيمهم، من خلال مبدأ "المعرفة على قدر الحاجة"، حيث لم تكن قواعد الجماعة على دراية كاملة بتاريخ التنظيم أو تحالفاته أو طبيعة تحركاته السياسية.
وأكد أن هذا الأسلوب مكّن القيادات من السيطرة على الأعضاء وتوجيههم وفقًا لرؤية التنظيم، مع إخفاء الكثير من الحقائق عنهم.
الإخوان نكثوا وعودهم السياسية بعد ثورة يناير
وأشار الباحث إلى أن الجماعة أعلنت بعد ثورة 25 يناير أنها لن تنافس على جميع مقاعد البرلمان ولن تدفع بمرشح رئاسي، لكنها تراجعت عن تعهداتها سريعًا وخاضت السباقين البرلماني والرئاسي، في تأكيد جديد على أن الالتزام بالعهود لم يكن جزءًا من ثقافتها السياسية.
وأضاف أن الجماعة لم تتردد في تغيير مواقفها متى اقتضت مصلحتها التنظيمية ذلك، حتى لو جاء الأمر على حساب تعهداتها المعلنة أمام الرأي العام.
المظلومية المصنوعة كانت أداة للتجنيد والاستقطاب
وأكد بان أن جماعة الإخوان اعتمدت بشكل كبير على صناعة المظلومية في عمليات الاستقطاب والتجنيد، حيث تم تقديم التنظيم باعتباره ضحية دائمة للاضطهاد والاستهداف.
وأشار إلى أن بعض قيادات الجماعة اعترفت صراحة بأن هذه المظلومية تم توظيفها في إطار من الكذب والخداع والتزوير لإثارة التعاطف واستقطاب عناصر جديدة.
الجماعة قدمت التنظيم على الوطن وقسمت المجتمع
وأوضح الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أن الإخوان تحدثوا كثيرًا عن وحدة الأمة وجمع شملها، بينما أدت ممارساتهم إلى تعميق الانقسامات داخل المجتمع، بل امتدت إلى داخل الأسرة الواحدة، حيث تم تقديم الولاء للتنظيم على روابط الدم والمواطنة.
وأضاف أن الجماعة عملت على تربية عناصرها باعتبارهم "طائفة" منفصلة عن المجتمع، ترى نفسها فوق الآخرين، وتقدم مصلحة التنظيم على مصلحة الوطن.
وأكد أحمد بان، في ختام حديثه، أن تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية يثبت أن الكذب والخداع وإنكار الجرائم وصناعة المظلومية لم تكن ممارسات استثنائية، وإنما أدوات تأسيسية صاحبت التنظيم منذ نشأته، وشكلت جزءًا من بنيته الفكرية والتنظيمية، وهو ما يفسر استمرار الجماعة في تبني الأساليب ذاتها حتى اليوم.