دخلت ليبيا في أزمة سياسية مفاجئة عقب قرار المجلس الرئاسي الليبي إعفاء رئيس جهاز المخابرات العامة، حسين العائب، من منصبه، أمس الأحد، وسط انقسامات حادة داخل المجلس، ورفض من مجلس النواب الليبي للقرار، الذي أثار ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية والإعلامية.
شرارة الأزمة
أعلن نائب رئيس المجلس الرئاسي الليبي، موسى الكوني، الأحد، فشل المجلس في التوافق على تعيين رئيس جديد لجهاز المخابرات العامة ورئيس للأركان العامة في المنطقة الغربية، مؤكدًا أن المشاورات لا تزال جارية بين أعضاء المجلس للتوصل إلى توافق بشأن هذه المناصب.
وفجّر الكوني مفاجأة بإعلانه رفضه القاطع للبيان الصادر باسم المجلس الرئاسي، والذي نص على إعفاء رئيس جهاز المخابرات العامة، مؤكدًا أن ما نُشر تضمن "وقائع غير صحيحة ومنافية للواقع"، ولم يحظَ بأي توافق أو إجماع قانوني داخل المجلس.
تفاصيل الاجتماع الخلافي

موسى الكوني
وأوضح الكوني، في بيان رسمي أصدره مساء الأحد، أنه شارك في الاجتماع الذي عُقد في تمام الساعة الواحدة ظهرًا عبر تقنية الاتصال المرئي (فيديو كونفرانس)، نافيًا ما ورد في البيان المنشور بشأن غيابه عن الاجتماع.
وأشار إلى أن الاجتماع شهد مناقشات مستفيضة بشأن تسمية رئيس جهاز المخابرات العامة ورئيس الأركان العامة، مضيفًا: "رغم طرح مقترحات في هذا الشأن والإصرار على تمريرها، لم يتم التوصل إلى أي اتفاق أو توافق بشأن القرارات المعروضة، ولم أوافق على أي من تلك المقترحات، كما لم يصدر عن المجلس أي قرار محل توافق أو إجماع وفقًا للآليات القانونية المنظمة لعمل المجلس الرئاسي".

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي
اتهامات بالتضليل ومخالفة الإجراءات
ووصف الكوني الادعاء بأن الاجتماع انتهى إلى اعتماد قرارات جماعية بأنه "سرد غير صحيح لمجريات الاجتماع"، مشددًا على أن المجلس الرئاسي يمارس اختصاصاته مجتمعًا باعتباره سلطة جماعية وفقًا للاتفاق السياسي.
وأكد أن القرارات المتعلقة بالوظائف والمناصب السيادية لا تكتسب أي أثر قانوني أو مؤسسي إلا بعد مناقشتها واعتمادها بصورة جماعية، وإقرارها وفقًا للإجراءات القانونية السليمة، وإثباتها رسميًا في محضر معتمد.
واعتبر أن إصدار بيان باسم المجلس يتضمن موافقات لم تصدر عنه يمثل "مخالفة جسيمة لمقتضيات المسؤولية المؤسسية"، ويؤدي إلى تضليل الرأي العام، والإضرار بمصداقية المجلس الرئاسي، وتقويض الثقة في مؤسسات الدولة.
مجلس النواب الليبي يرفض قرار الإعفاء
في السياق ذاته، أصدر رئيس مجلس النواب الليبي، المستشار عقيلة صالح، بيانًا رسميًا شديد اللهجة علّق فيه على التحركات المتعلقة بتغيير رؤساء الأجهزة الأمنية والسيادية في ليبيا، محذرًا من تداعيات هذه الخطوات على الاستقرار السياسي والمسار الانتخابي.

رئيس البرلمان الليبي المستشار عقيلة صالح
دعوة لتحييد الأجهزة السيادية
وأكد عقيلة صالح أن رئاسة مجلس النواب تتابع باهتمام بالغ ما يُثار خلال الأيام الأخيرة بشأن تغيير رؤساء الأجهزة السيادية، وما رافق ذلك من تجاذبات ومناكفات سياسية، مشددًا على ضرورة النأي بهذه المؤسسات عن الصراع السياسي.
انتقاد توقيت القرار
واعتبر رئيس مجلس النواب أن إثارة هذا الملف في هذا التوقيت الحساس لا تخدم الصالح العام، واصفًا الأمر بأنه محاولة واضحة لخلط الأوراق، وإرباك المشهد السياسي، وخلق أزمات جديدة، وتعميق حالة الانقسام، وعرقلة الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار، وتوحيد مؤسسات الدولة، وتهيئة المناخ المناسب لإجراء الانتخابات.
خطاب ليبي إلى أجهزة المخابرات بالدول الصديقة
ووجّه المستشار عقيلة صالح خطابًا رسميًا إلى رؤساء ومديري أجهزة المخابرات في الدول الشقيقة والصديقة، استعرض فيه التطورات القانونية والمؤسسية المتعلقة بالمؤسسات السيادية في ليبيا، وفي مقدمتها جهاز المخابرات العامة.
وأوضح أن مجلس النواب أقر خلال السنوات الماضية تعديلات جوهرية على التشريعات المنظمة للجهاز، استجابة للتحديات الأمنية التي شهدتها البلاد، وما رافقها من محاولات للتأثير في القرارات السيادية أو توظيفها لخدمة مصالح ضيقة.
شروط إعفاء رئيس جهاز المخابرات الليبية
وأكد رئيس مجلس النواب أن تعيين أو إعفاء رئيس جهاز المخابرات العامة لا يصبح نافذًا إلا بعد عرضه على مجلس النواب واعتماده في جلسة رسمية مكتملة النصاب القانوني، بحضور ما لا يقل عن 120 نائبًا، باعتبار ذلك ضمانة لصدور القرارات السيادية بإرادة وطنية واسعة.
وأشار إلى أن التعديلات القانونية تضمنت أيضًا ضمانات تتعلق بإجراءات المساءلة والتحقيق، بهدف منع استخدامها لأغراض كيدية أو سياسية، وتعزيز استقلالية المؤسسة وحمايتها من الضغوط والتجاذبات.
تحذير من الترتيبات غير القانونية
ولفت رئيس البرلمان الليبي إلى ما تعرض له جهاز المخابرات خلال الفترة الماضية من تحديات أمنية، شملت اعتداءات على مقاره، ووقائع مرتبطة بتهريب سجناء، إضافة إلى محاولات لفرض ترتيبات خارج الإطار القانوني من قبل أطراف مسلحة وجهات غير خاضعة للسلطة الشرعية.
وأكد تمسكه بسيادة القانون ورفض أي محاولات لفرض الأمر الواقع، مشددًا على أن الشرعية المؤسسية لجهاز المخابرات تستند إلى التشريعات النافذة والإجراءات الدستورية المعتمدة.
واختتم خطابه بالتأكيد على استمرار جهاز المخابرات في أداء مهامه من أي موقع داخل الأراضي الليبية إلى حين استكمال بسط سلطة الدولة على كامل البلاد.