تحولت معركة استعادة الدولة المصرية بعد ثورة 30 يونيو من خيار سياسى إلى معركة وجود وبقاء وطن، حيث أدرك المصريون، قيادةً وشعبًا، بوعيهم الجمعى، حجم المخاطر التى كانت تحيط بالدولة المصرية، فنجحت الثورة، بفضل إرادة الشعب المصرى ومؤسسات الدولة الوطنية، فى وقف مسار الانهيار والتفكك، وإعادة البلاد إلى طريق الاستقرار والبناء.
وأولت القيادة السياسية اهتماما بإعادة رسم مسار الوطن فى واحدة من أخطر المراحل التى واجهتها الدولة الحديثة، ففى وقت كانت فيه المنطقة العربية تشهد انهيار دول وتفكك مؤسسات، وظهور جماعات تهدد فكرة الدولة الوطنية ذاتها، خرج ملايين المصريين دفاعا عن هويتهم الوطنية ومؤسسات دولتهم، رافضين مسارا يفرغ مفهوم الدولة من مضمونه التاريخى باعتباره كيانا وطنيا جامعا لكل أبنائه، وإذا كان يوم 30 يونيو 2013 يمثل يوم الإنقاذ، فإن ما تلاه كان بداية الانطلاق نحو بناء الدولة بروح 30 يونيو.
كيف نجت مصر من أخطر مراحلها؟
وبقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى أدرك خطورة اللحظة التاريخية وتحمل مسؤولية وطن كان يقف على حافة المجهول، وانحيازه إلى إرادة الشعب المصرى، بدأت الدولة رحلة استعادة مؤسساتها الوطنية وحمايتها من السقوط والانهيار.
ووسط هذا المشهد المضطرب، تمكنت مصر من عبور واحدة من أخطر المراحل فى تاريخها الحديث، فبعد إعلان خارطة الطريق فى 3 يوليو 2013، بدأت الدولة عملية شاملة لاستعادة الأمن والاستقرار وإعادة بناء مؤسساتها، وشهدت البلاد سلسلة من الإجراءات السياسية والدستورية، بدأت بصياغة دستور 2014، مرورا بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بما أسهم فى استعادة عمل المؤسسات الدستورية وترسيخ الاستقرار السياسى.
وكان التحدى الأكبر أمام الدولة هو مواجهة التنظيمات الإرهابية، خاصة فى شمال سيناء، بالتزامن مع محاولات استهداف مؤسسات الدولة وزعزعة الاستقرار. وفى المقابل، نفذت القوات المسلحة والشرطة عمليات واسعة لملاحقة البؤر الإرهابية، فيما نجحت أجهزة الدولة فى تفكيك البنية التنظيمية لجماعة الإخوان، واستعادة تماسك الدولة واستقرارها.
مواجهة الإرهاب ضرورة وجودية ومعركة بقاء
ودفعت الدولة ثمنا باهظا فى مواجهة الإرهاب، إلا أن تلك المواجهة كانت ضرورة وجودية لمصر، وبعد أكثر من عقد أصبحت مصر واحدة من أكثر دول المنطقة أمنا واستقرارا، رغم التحديات الإقليمية الهائلة.
وأكد الرئيس عبدالفتاح السيسى، أن الدولة دفعت تكلفة كبيرة فى مواجهة الإرهاب خلال السنوات الماضية، مشيرا خلال لقائه بعدد من أسر ضحايا العمليات الإرهابية فى مارس 2026، إلى أن تكلفة جهود مكافحة الإرهاب بلغت 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، مؤكدا أن مصر لم تتخلَّ فى الوقت ذاته عن خيار التنمية والبناء رغم التحديات الأمنية الكبيرة.
كما سبق للرئيس السيسى استعراض حجم التحديات التى واجهتها الدولة خلال تلك الفترة، خلال مشاركته فى القمة العالمية للحكومات بدبى عام 2023، قائلا: «التجربة المصرية لها خصوصية.. بنتكلم فى 2011 فوضى كاملة.. 2011 و2012 و2013 الدولة قائمة وفيه فصيل عاوز يهد الدولة.. الشعب تغير.. تفجير مدارس وكنائس ومساجد وبنية تحتية.. كان المصريون يقولوا ادونا الأمان ومش عاوزين ناكل.. النهارده الإرهاب بقى تاريخ.. كادت مصر أن تضيع فى 2011 وكانت الناس بتقف طوابير على محطات الوقود.. التحديات كلها كانت على خط واحد.. حالة الفوضى دى كلفت مصر 450 مليار دولار فى وقت كانت فيه الظروف الاقتصادية صعبة».
ولم تقتصر المواجهة على الجانب الأمنى فقط، بل خاضت الدولة حربا متكاملة ضد الفكر المتطرف عبر ثلاثة مسارات رئيسية، تمثلت فى المسار الأمنى والعسكرى من خلال العمليات المستمرة ضد التنظيمات الإرهابية وتأمين الحدود، والمسار التشريعى عبر تجفيف منابع تمويل الإرهاب، إلى جانب المسار الفكرى والثقافى من خلال تجديد الخطاب الدينى، ودعم المؤسسات الدينية الوطنية، وعلى رأسها الأزهر الشريف، والتصدي لمحاولات تغلغل الأفكار المتشددة داخل المدارس والجامعات ووسائل الإعلام.
الانطلاق نحو الإصلاح الاقتصادي.. وطفرة غير مسبوقة في مشروعات البنية التحتية
وعلى الصعيد الاقتصادى، أطلقت الدولة برنامجا واسعا للإصلاح الاقتصادى، بالتوازى مع تنفيذ مشروعات قومية كبرى، وشهدت مصر طفرة غير مسبوقة فى مشروعات البنية التحتية، وإنشاء مدن الجيل الرابع، وتطوير شبكات الطرق والمحاور، فضلا عن التوسع فى مشروعات الطاقة والكهرباء التى أنهت أزمة الانقطاعات المزمنة، كما أطلقت الدولة مبادرات اجتماعية وتنموية واسعة، أبرزها المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، التى استهدفت تطوير الريف المصرى.
وأسهمت تلك الجهود فى استعادة الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وترسيخ الاستقرار السياسى والأمنى، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز كفاءتها، واستعادة الدور الإقليمى والدولى لمصر.
وأكدت تجربة 30 يونيو أن وعى الشعوب وقوة مؤسسات الدولة يمثلان خط الدفاع الأول فى مواجهة الفوضى والتفكيك، وبينما تواصل مصر مسيرة البناء والتنمية، لا تزال آثار الثورة حاضرة فيما تحقق من استقرار سياسى وأمنى واقتصادى خلال السنوات الماضية.
