لم يكن ظهور جماعة الإخوان الإرهابية عام 1928 حدثًا عابرًا فى التاريخ السياسى للمنطقة، بل شكل نقطة تحول كبرى أسست لظهور ما بات يُعرف لاحقًا بـ«الإسلام السياسى» بمفهومه الحديث. فمنذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا، تحولت من تنظيم محلى محدود إلى المرجعية الفكرية والتنظيمية الأبرز لعشرات الحركات والتنظيمات التى نشأت لاحقًا فى العالم العربى والإسلامى، سواء خرجت من رحم الجماعة مباشرة أو تأثرت بأفكارها ورؤيتها.
وفى كتابه «مرجعيات الإسلام السياسى» يربط الكاتب التونسى عبد المجيد الشرفى نشأة الإسلام السياسى الحديث بالتحولات الكبرى التى شهدها العالم عقب سقوط الخلافة العثمانية وظهور الدولة الوطنية الحديثة ذات الحدود الجغرافية الواضحة. ويرى أن تأسيس جماعة الإخوان جاء ضمن موجة ردود الفعل على قرار مصطفى كمال أتاتورك إلغاء الخلافة عام 1924، ليصبح التنظيم لاحقًا النموذج الأبرز للحركات الإسلامية السياسية فى القرن العشرين.
الإسلام السياسى.. ابن الدولة الحديثة لا وريث الإمبراطوريات
بحسب الشرفى، فإن الإسلام السياسى بصورته الحالية لم يظهر فى العصور الإسلامية القديمة، وإنما نشأ داخل الدولة الوطنية الحديثة، أى فى ظل الحدود السياسية والمؤسسات الجديدة التى أعقبت انهيار الإمبراطوريات التقليدية.
ويرى أن الإخوان المسلمين مثلوا «الحركة الأم» لمعظم التنظيمات الإسلامية السياسية التى ظهرت لاحقًا، سواء كانت فروعًا رسمية للجماعة أو تنظيمات انشقت عنها أو تبنت رؤيتها الفكرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويضع الباحث نشأة الجماعة ضمن المناخ السياسى العالمى الذى شهد صعود الحركات الأيديولوجية الشمولية فى أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين، حيث برزت الفاشية والنازية والشيوعية كنماذج تنظيمية قائمة على مركزية القيادة والانضباط الصارم وتعبئة الجماهير.
ثلاث ركائز صنعت التنظيم
يشير الشرفى إلى أن الحركات الشمولية التى سادت فى تلك الفترة اعتمدت على ثلاث ركائز رئيسية هى: الشعبوية، وعصمة الزعيم، والانضباط الكامل للقاعدة التنظيمية تجاه القيادة.
ويرى عدد من الباحثين فى شؤون الإسلام السياسى أن هذه العناصر انعكست بدرجات متفاوتة على بنية الجماعة التنظيمية، خاصة فيما يتعلق بمفهوم السمع والطاعة، والتراتبية الصارمة، وقدرة القيادة على توجيه القواعد وفق قرارات مركزية ملزمة.
هزيمة 1967.. نقطة التحول الكبرى
ورغم أن الجماعة تأسست فى عشرينيات القرن الماضى، فإن الانتشار الأوسع لأفكار الإسلام السياسى جاء خلال سبعينيات القرن العشرين، وهى المرحلة التى أعقبت هزيمة يونيو 1967 وما صاحبها من تراجع للمشروعات القومية العربية وصعود التيارات الدينية فى المنطقة وهذه الهزيمة شكلت بيئة مناسبة لانتشار الخطاب الإسلامى السياسى، بعدما اتجهت قطاعات من الشباب إلى البحث عن بدائل فكرية جديدة فى ظل حالة الإحباط التى أعقبت النكسة.
النازية والإخوان.. روايات تثير الجدل
واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل فى تاريخ الجماعة تتعلق بالروايات التى تحدثت عن وجود قنوات تواصل بين الإخوان وألمانيا النازية خلال فترة الحرب العالمية الثانية.
ففى كتاب «الدور الخليجى فى العراق.. دراسة حالة أحداث الموصل 2014»، ينقل الدكتور جاسم يونس الحريرى عن الكاتب الأمريكى جون لوفتوس روايات تشير إلى إعجاب حسن البنا بصعود أدولف هتلر وسعيه إلى التواصل مع ألمانيا النازية، فى وقت كانت فيه برلين تبحث عن أدوات نفوذ داخل الشرق الأوسط.
وتذهب بعض الدراسات إلى أن أجهزة الاستخبارات الألمانية رأت فى الجماعة تنظيمًا يمتلك امتدادًا عابرًا للحدود وقدرة على التحرك داخل المجتمعات العربية، ما جعله محل اهتمام فى إطار الحسابات الاستراتيجية للحرب العالمية الثانية.
«شرفة القصر».. ملف يفتح أبواب الأسئلة
ويأتى كتاب «عملية شرفة القصر.. أسرار حسن البنا فى الرايخ الثالث» للكاتب توحيد مجدى ليطرح روايات أكثر إثارة، إذ يتحدث عن وثائق وتقارير تزعم وجود خطط ألمانية لتجنيد حسن البنا والتعاون معه خلال الحرب العالمية الثانية.
وبحسب ما أورده الكتاب، فإن المشروع لم يكن يقتصر على تبادل المعلومات أو الاتصالات السياسية، بل وصل إلى الحديث عن تجنيد عناصر من الجماعة لخدمة أهداف الرايخ الثالث فى المنطقة.
ورغم الجدل الواسع الذى أحاط بهذه الروايات واختلاف الباحثين حول بعض تفاصيلها، فإنها ظلت حاضرة بقوة فى الدراسات التى تناولت العلاقات المحتملة بين الجماعة وبعض القوى الدولية خلال تلك المرحلة المضطربة من التاريخ العالمى.
بين التنظيم والوطن
القاسم المشترك فى كثير من الدراسات النقدية التى تناولت الجماعة يتمثل فى اتهامها بتقديم الولاء للتنظيم على حساب مفهوم الدولة الوطنية. ويستند أصحاب هذا الرأى إلى طبيعة المشروع الإخوانى الذى تجاوز الحدود الجغرافية التقليدية واعتمد فكرة التنظيم العابر للدول.
وهذه الرؤية أسهمت فى فتح الباب أمام علاقات وتحالفات مع أطراف خارجية مختلفة كلما اقتضت مصلحة التنظيم ذلك، بينما تؤكد الجماعة وأنصارها فى المقابل أن نشاطها كان جزءًا من مشروع سياسى وفكرى ذى طابع إسلامى واسع.
أسئلة لا تزال مطروحة
بعد ما يقرب من قرن على تأسيس جماعة الإخوان، لا يزال تاريخها محل جدل واسع بين الباحثين والدارسين. فبين من يراها نقطة الانطلاق الرئيسية للإسلام السياسى الحديث، ومن يعتبرها نموذجًا للتنظيم الأيديولوجى العابر للحدود، تبقى الوثائق والدراسات والشهادات المتعددة مصدرًا لأسئلة لم تُحسم بصورة نهائية.
لكن المؤكد أن الجماعة التى بدأت فى مدينة الإسماعيلية عام 1928 تحولت إلى ظاهرة سياسية وفكرية تجاوزت حدود مصر، وأثرت فى مسارات عدد كبير من التنظيمات والحركات التى أعادت تشكيل المشهد السياسى فى المنطقة على مدار عقود طويلة.