مشهد عبثى اختصر عقلية جماعة الإخوان الإرهابية فى التعامل مع السياسة والدين معًا؛ جماعة اعتبرت نفسها الممثل الحصرى للإسلام، ونصّبت قياداتها أوصياء على عقائد الناس واختياراتهم السياسية، حتى تحولت المنافسة الديمقراطية إلى معركة بين «أهل الجنة» و«أهل النار»، وأصبح التصويت على الدستور أو الانتخابات أقرب إلى اختبار للإيمان منه إلى حق سياسى يكفله الدستور للمواطنين.
خلف الشعارات البراقة والخطابات العاطفية، مارست الجماعة واحدة من أخطر عمليات توظيف الدين فى الصراع السياسى، فاختلط المقدس بالمصالح التنظيمية، وتحولت الفتاوى إلى أدوات للحشد والضغط، بينما جرى تصوير كل معارض باعتباره خصمًا للدين أو متآمرًا على المشروع الإسلامى. وهكذا سعت الجماعة إلى مصادرة حق المصريين فى التفكير والاختيار الحر، عبر خطاب قائم على التخويف الدينى وتوزيع صكوك الوطنية والإيمان.
«نعم» للجنة و«لا» للنار.. عندما تحول الاستفتاء إلى معركة عقائدية
خلال الاستفتاءات والانتخابات التى أعقبت أحداث 2011، انتشرت خطابات ودعايات ربطت التصويت بـ«نعم» بالجنة والرضا الإلهى، بينما جرى تصوير التصويت بـ«لا» باعتباره موقفًا معاديًا للدين أو خروجًا على الشريعة.
وبدلًا من مناقشة المواد الدستورية وآثارها القانونية والسياسية، تم دفع المواطنين إلى الاختيار تحت ضغط عاطفى ودينى هائل، فى محاولة لإضفاء قداسة على قرار سياسى بطبيعته قابل للاختلاف والنقاش. ولم يكن الهدف إقناع الناخبين بقدر ما كان توجيههم نفسيًا عبر استغلال المشاعر الدينية لدى البسطاء.
ديكتاتورية التعديل الدستورى.. دستور على مقاس الجماعة
عندما امتلكت الجماعة نفوذًا سياسيًا واسعًا، تعاملت مع الدستور باعتباره وسيلة لترسيخ مشروعها التنظيمى، لا باعتباره عقدًا اجتماعيًا يضم جميع المصريين. وسرعان ما تحولت عملية صياغة الدستور إلى ساحة صراع، بعدما تصاعدت الاتهامات للجماعة بالسعى إلى فرض رؤيتها الخاصة وتجاهل الاعتراضات الواسعة من القوى السياسية والمجتمعية المختلفة.
واعتمدت الجماعة على منطق الأغلبية المؤقتة، متجاهلة أن الدساتير لا تُبنى بمنطق المغالبة، وإنما بالتوافق الوطنى. وهنا ظهر الوجه الحقيقى للتنظيم الذى رفع شعارات الديمقراطية طالما كانت تخدم مصالحه، ثم تعامل معها باعتبارها مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة.
فتاوى التكفير.. السلاح الأسرع فى مواجهة المعارضين
بدلًا من الرد على الانتقادات بالحجة والمنطق، لجأت دوائر محسوبة على الجماعة إلى نشر خطاب يقوم على التخوين والتكفير والتشكيك فى النوايا والولاءات. فالمعارض للجماعة لم يكن خصمًا سياسيًا يمكن الاختلاف معه، بل جرى تصويره أحيانًا باعتباره عدوًا للدين أو خصمًا للشريعة.
هذا الخطاب أسهم فى تعميق الانقسام داخل المجتمع، وحول الخلافات السياسية إلى معارك عقائدية خطيرة، بعدما أصبح الانتماء السياسى معيارًا للحكم على الأشخاص بدلاً من أفكارهم ومواقفهم.
فنجد أن يوسف القرضاوي أحد أبرز الأسماء المرتبطة بالمرجعية الدينية للجماعة، بسبب الفتاوى المثيرة للجدل التي أصدرها على مدار سنوات، فقد أجاز القرضاوي تنفيذ عمليات انتحارية تحت ما وصفه بـالتدبير الجماعي، معتبرًا أن للجماعة الحق في تحديد الحاجة إلى مثل هذه العمليات، وهي الفتوى التي تحولت لاحقًا إلى واحدة من أهم المبررات التي استندت إليها التنظيمات الإرهابية في تجنيد الشباب وتبرير العمليات التفجيرية.
كما أصدر القرضاوي تصريحات تحريضية عقب عزل مرسي، دعا خلالها إلى دعمه باعتباره الرئيس الشرعي، واستخدم لغة تصعيدية في التعامل مع خصوم الجماعة ومعارضيها.
وذلك بالإضافة إلى أكرم كساب، الذي أثار جدلًا واسعًا بعدما أفتى بجواز تفخيخ المنازل وتفجيرها، كما أصدر تصريحات تحريضية ضد قوات الأمن.
كما روجت الجماعة لاحقًا لفكرة أن "بيعة مرسي" ما زالت واجبة، في خطاب سعى لإضفاء طابع ديني على الصراع السياسي وإبقاء الأتباع داخل دائرة الولاء التنظيمي.
احتكار الحقيقة.. الجماعة التى أرادت الحديث باسم السماء
جوهر الأزمة لم يكن فى استفتاء أو دستور أو انتخابات، بل فى العقلية التى حكمت أداء الجماعة طوال عقود. فالتنظيم اعتاد تقديم نفسه باعتباره صاحب الفهم الصحيح للدين، بينما يُنظر إلى الآخرين باعتبارهم أقل التزامًا أو أقل فهمًا أو حتى خصومًا للمشروع الإسلامى.
ومن هنا جاءت محاولات احتكار المجال الدينى والسياسى فى آن واحد، حيث جرى توظيف النصوص والشعارات لخدمة أهداف تنظيمية بحتة، بينما تم تجاهل حقيقة أن السياسة مجال للاجتهاد البشرى وليس ساحة لتوزيع صكوك الإيمان والكفر.
فضيحة لا تسقط بالتقادم
تبقى واحدة من أخطر فضائح جماعة الإخوان أنها سعت إلى استغلال قدسية الدين لتحقيق مكاسب سياسية، وقدمت نفسها باعتبارها الطريق الوحيد إلى الحق، بينما تعاملت مع معارضيها باعتبارهم خصومًا للعقيدة قبل أن يكونوا خصومًا فى السياسة.
ومع مرور السنوات، انكشفت هذه الممارسات أمام الرأى العام، وتأكد أن الجماعة لم تكن تمتلك مفاتيح الجنة ولا النار، بل كانت تمتلك مشروعًا سياسيًا حاول الاحتماء بالدين كلما واجه الرفض أو النقد. وهى فضيحة تكشف كيف تحولت الشعارات الدينية فى يد التنظيم إلى وسيلة للهيمنة والتأثير، لا إلى قيم أخلاقية تدعو إلى الحوار واحترام إرادة الناس.