اجتمع الوزير المفوض لإحدى الدول الملاحية المهمة، التى تستخدم قناة السويس مع الدكتور مصطفى الحفناوى، يوم الجمعة 25 يونيو، مثل هذا اليوم، 1954، واستمع منه كلاما خطيرا حول مستقبل شركة القناة، فرفع «الحفناوى» الأمر فى مذكرة إلى الحكومة، يكشف عنها فى الجزء الرابع من كتابه «قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة»، وهو رسالته للدكتوراه من جامعة باريس فى يونيو 1951، وأثارت ضجة كبيرة فى حينها لمطالبتها بضرورة تأميم شركة القناة، لأنها لم تسلم لمصر بعد انتهاء فترة الالتزام عام 1968.
اجتمع «الحفناوى» بالوزير المفوض بصفته عضو بمكتب القناة، الذى تشكل بقرار جمهورى من جمال عبدالناصر فى نوفمبر 1954 برئاسة الدكتور حامد سلطان، وفى عضويته الدكتور على الغتيت، ويكشف «الحفناوى» فى مذكرته للحكومة حقائق مذهلة طرحها هذا الوزير، الذى لم يذكر اسمه ولا اسم بلده، قائلا: «قال الوزير إن حكومة بلادى فى مقدمة حكومات الغرب المعنية بالإدارة المشرفة على قناة السويس، ومصير هذه الإدارة عند انتهاء أجل الالتزام فى 16 نوفمبر سنة 1968»، ولذلك فإنه تحدث إلى فى هذا الموضوع بهذه الصفة، والذى أعرفه أن«...» هى الدولة الأوربية الوحيدة الممثلة بعضو فى مجلس إدارة شركة قناة السويس إلى جانب فرنسا وإنجلترا وأمريكا، ثم إن شركات الملاحة التابعة لهذه الدولة تحتل مكانا مهما، يعتبر الثالث فى كثير من الأحيان بالنسبة للسفن التابعة للدول البحرية».
بعد هذا الاستهلال، يكشف «الحفناوى» كلام الوزير المفوض، قائلا: «قال الوزير، نحن لا ننازعك فى أن شركة قناة السويس يجب أن تصفى، ونسلم معك بأنها ستنتهى عند انتهاء عقد الالتزام ونوافقك على ما تقول من أنها عالجت الأمور بعقلية القرن التاسع عشر، ونحن نعيش الآن فى عصر آخر، ولكن نرجوك أن تنظر إلى المسألة من زاوية أخرى، فمصالح الغرب متوقفة على استمرار الملاحة وسلامتها فى قناة السويس، ولا بد من وجود هيئة تستطيع أن تدير الحركة الملاحية إدارة سليمة، ويؤسفنا أن نقرر أن الأربعة عشر عاما المتبقية من أجل الالتزام لا تكفى لإعداد إدارة مصرية تقوم بإدارة الملاحة فى القناة مستقبلا، وليس من السهل إعداد هذه الإدارة، والدول الغربية لا تستطيع أن تتهاون فى مصالحها الملاحية».
يكشف «الحفناوى» أن الوزير المفوض اقترح، قائلا: «من غير المساس بعواطفك الوطنية، نرجوك أن تعالج المسألة فى أفق دولى، والحل هو أن تشكل قبل نهاية الالتزام «16 نوفمبر 1968» لجنة دولية شبيهة بلجنة الدانوب، تحل محل شركة قناة السويس، وننتظر أن تتقدم مصر بإرادتها واختيارها، وتدعو الدول لاتفاق تعقده لتنظيم هذا الأمر، ومما لا شك فيه أن مصر تستطيع فى هذه اللجنة أن تكون صاحبة كلمة مسموعة، كما أنها تستطيع أن تحصل على أكبر نصيب من الفوائد المالية، وهناك مسائل كبرى يجب أن تسوى على بساط البحث الدولى، فنهر النيل يسوى أمره باتفاق بين مصر والسودان، ولا شأن لغير المنتفعين بمياه النيل بهذا الاتفاق، ونهر الرين تسوى أموره باتفاق بين الدول المنتفعة به، وكذلك قناة السويس تسوى مسائلها وإدارة الملاحة فيها بمعونة جماعة الدول الملاحية وباتفاقها مع مصر، وطلب منى محدثى أن أفكر عمليا بهذا الحل، لأن الوقت قصير ولا بد من عمل شىء».
يكشف «الحفناوى» أنه رد بأن هذا الكلام ليس جديدا، وأن «شارل رو»، «رئيس مجلس إدارة شركة القناة» عرضه عليِه فى شتاء سنة 1950 كحل وحيد، وأضاف إليه اقتراحا آخر بجلاء القوات البريطانية عن منطقة قناة السويس، وحلول قوات دولية محلها تخضع لإشراف الأمم المتحدة، ويوضح «الحفناوى» أن اقتراح «شارل رو» كان فى لقائهما بصفته مستشارا صحفيا بالسفارة المصرية فى باريس، أثناء إعداده لرسالة الدكتوراه، ووفر وزير الخارجية الدكتور محمد صلاح الدين له هذه الوظيفة لتعطيه صفة شرعية لدخول مقر شركة القناة فى باريس، وبعد أن استمع إلى كلام «شارك رو» أرسل مذكرة به إلى مصطفى النحاس باشا رئيس الحكومة.
يضيف «الحفناوى» فى مذكرته للحكومة سنة 1954، أنه شرح الرأى القانونى للوزير المفوض، من حيث ملكية مصر للقناة والسيادة عليها، ويكشف: «كان محدثى من المرونة واللف بحيث راح يقول لى إن كل دولة تتنازل الآن عن قسط من سيادتها لخدمة المصالح العالمية، ونحن نتنازل عن جانب من سيادتنا، وليس ثمة ما يمنع مصر أن تتنازل عن قدر من سيادتها على القناة».
يعلق «الحفناوى» للحكومة على كلام الوزير المفوض، قائلا: «الاستعماريون يشتد قلقهم كما قربنا من انتهاء أجل الالتزام، وكلما شعروا بأننا جادون فى إصرارنا على إجلاء تلك الشركة»، ويؤكد: «قلت للوزير إن حكم القانون يحتم إدارة هذا المرفق بمعرفة الدولة لأنه لصيق بسيادتها وبالعلاقات الدولية، وبالمسائل العسكرية وغير ذلك، ولذلك لا نجد إلا حلا واحدا هو أن تدار القناة بمعرفة الحكومة المصرية».