ياسمين الفردان تكتب: بعد تجربتين مكتملتين.. هكذا فهمت معنى أن تكون سيناريست

الأربعاء، 24 يونيو 2026 01:55 م
ياسمين الفردان تكتب: بعد تجربتين مكتملتين.. هكذا فهمت معنى أن تكون سيناريست ياسمين الفردان

0:00 / 0:00

لطالما تلقيت، خلال الشهر الماضي، أكثر من دعوة للحديث عن تجربتي في كتابة السيناريو، بعد أن أعلنت صحيفتا «اليوم السابع» المصرية و«سبق» السعودية توثيق عدد من سيناريوهاتي لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية في أبريل الماضي.

وكان من المفترض أن أجيب فورًا، وأن أتحدث بثقة عن البدايات والرحلة والإنجازات، لكنني في كل مرة كنت أتريث. لم يكن التردد نابعًا من الخجل، بل من سؤال ظل يطاردني: هل هذه هي تجربتي الأولى حقًا؟ أم أن ذاكرتي تخفي في أعماقها تجربة أقدم لم تبح لي بها بعد؟

تركت السؤال معلقًا، وأغلقت الصفحة مؤقتًا، وانشغلت بأعمال أخرى، منتظرة أن تأتي الإجابة من ذلك المكان الغامض الذي نسميه اللاوعي؛ المكان الذي يعرف عنا أحيانًا أكثر مما نعرف نحن عن أنفسنا.

وجاءت الإجابة.

تذكرت خبرًا نُشر لي قبل عشرين عامًا في صحيفة «الرياضية»، كنت أقول فيه إنني أتجه إلى كتابة الدراما التلفزيونية من خلال مسلسل يحمل عنوان «أنا حرة». ثم شاءت المصادفة، أو ربما شاء القدر، أن أفتش في أدراجي القديمة، فأجد سيناريو يعلوه الغبار بعنوان «بياعة الورد»، وإلى جواره أوراق متناثرة لحلقات لم تكتمل من عملين آخرين هما «أمينة» و«عزة وحسن».

عندها فقط أدركت أن الحكاية أقدم مما كنت أظن.

كانت تلك الأعمال آخر محاولاتي الجادة في عام 2019، لكنها بقيت حبيسة الورق. لم ترَ النور، ولم تجد طريقها إلى الشاشة، وظلت ترافقها غصة خفية؛ لأنها كانت قصصًا لم تكتمل، وتجارب لم تنضج بعد بما يكفي لتقف على قدميها.

لكن الغريب أنني، حين كنت أكتبها، لم أكن أفكر في الشهرة، ولا في النشر، ولا في أن تتبناها جهة إنتاجية. كنت أكتب لأن شيئًا ما في داخلي كان يدفعني إلى الكتابة. كانت الشخصيات تستدعيني، وكانت الحكايات تأمرني بالجلوس أمام الورق، فأستجيب لها طائعة، وأمنحها من وقتي وفكري ما تطلبه دون حساب.

ثم جاء أبريل 2026.

وأستطيع أن أقول، دون مبالغة، إنه كان قمة تجربتي حتى الآن.

خلال شهر واحد فقط أنجزت عملين مختلفين تمامًا. الأول سباعية «مهيرة وأميرة وتختخ»، وهو عمل كوميدي خرج من رحم الخيال ومن بنات أفكاري. ثم تبعته سداسية «حوبة وكوبة»، وهي حلقات منفصلة، تخللتها أربع حلقات مستوحاة من قصة حقيقية لامرأة تُدعى جليلية، استطاعت أن تهدم عش زوجي، لتنشأ من وراء ذلك امرأة جعلت من تدمير النساء الناجحات مشروعًا لحياتها.

حين أنظر اليوم إلى هذه الرحلة، أكتشف أن تجربتي في كتابة السيناريو لم تولد فجأة، ولم تكن ابنة يوم وليلة. إنها تشبه طفلًا بدأ خطواته الأولى في المهد، ثم ظل يكبر ببطء حتى بلغ أشده.

أتذكر أنني كنت أشاهد أعمال نجيب محفوظ وأسأل نفسي بدهشة: كيف يستطيع كاتب واحد أن يخلق هذا العدد الهائل من الشخصيات؟ كيف يمنح كل شخصية روحًا وصوتًا ومصيرًا مختلفًا؟

اليوم أعرف جزءًا من الإجابة.

فالسيناريو ليس مهنة فقط، وليس مجموعة قواعد وتقنيات يمكن تعلمها في دورة تدريبية. إنه موهبة أولًا، ثم قدرة على رؤية ما لا يراه الآخرون، ثم خبرة طويلة في مراقبة البشر والحياة. إنه فن يحتاج إلى عين تلتقط التفاصيل التي تمر على الناس عابرة، وقلب يحتفظ بها حتى يحين موعد تحويلها إلى حكاية.

واليوم أيضًا أستطيع أن أفهم لماذا لم تكتمل بعض تجاربي السابقة، ولماذا اكتملت تجاربي الحالية.

الفرق لم يكن في الفكرة وحدها، ولا في الحماس وحده، بل في العمر والخبرة والنضج. فهناك مهن كثيرة يستطيع الإنسان أن يتقنها بالدراسة، أما كتابة الدراما فهي من المهن القليلة التي تحتاج إلى حياة كاملة تُعاش قبل أن تُكتب.

ولهذا أؤمن الآن أن السيناريست الحقيقي ليس مجرد كاتب يجلس أمام الورق، بل خبير بالحياة، وموهوب بالأدب، وقادر على أن يرى في الناس والأحداث ما لا يراه غيره، ثم يعيد تقديمه للأجيال في صورة حكاية تبقى أطول من أصحابها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة