- الدكتور أحمد أبوهولى: مخطط منظم لتقويض حق العودة وإنهاء الشاهد الدولى على النكبة
- شبح التوقف يطارد خدمات الإغاثة والتعليم والصحة.. آخر خطوط الحماية مهددة بالانهيار
قدّم الدكتور أحمد أبوهولى، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس دائرة شؤون اللاجئين، قراءة شاملة ومقلقة للوضع المالى والإنسانى لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، محذرا من أن الوكالة تمر بأخطر أزماتها المالية منذ تأسيسها، بما يهدد استمرارية خدماتها الأساسية لملايين اللاجئين الفلسطينيين فى مناطق العمليات الخمس.
أوضح «أبوهولى» فى حوار لـ«اليوم السابع» أن العجز المالى المتفاقم فى موازنة «الأونروا» لم يعد مجرد أزمة أرقام، بل تحول إلى تهديد مباشر لبنية الخدمات التعليمية والصحية والإغاثية، مشيرا إلى أن تقليص التمويل الدولى انعكس بشكل حاد على قدرة الوكالة فى الوفاء بالتزاماتها تجاه أكثر من ستة ملايين لاجئ فلسطينى، فى وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بشكل غير مسبوق، خاصة فى قطاع غزة ومخيمات اللجوء.
أكد المسؤول الفلسطينى أن استمرار هذا التراجع فى التمويل، بالتوازى مع الضغوط السياسية، يضع «الأونروا» أمام تحدٍ وجودى، محذرا من محاولات استبدالها أو تقليص دورها تمهيدا لإنهاء ولايتها الأممية، وهو ما وصفه بأنه مساس مباشر بحقوق اللاجئين وبالقرار الدولى رقم 194، مشددا على أن بقاء «الأونروا» يمثل «خط الدفاع الأخير» عن قضية اللاجئين الفلسطينيين إلى حين تحقيق حق العودة.. وفيما يلى نص الحوار:
كيف تُقيّمون الوضع الحالى لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» فى ظل الأزمة المالية المستمرة؟
التقييم المالى الحالى لوكالة الأونروا يكشف عن وضع حرج وخطير للغاية، حيث استنزفت الوكالة جميع احتياطاتها المالية وتدابيرها التقشفية، وباتت تعيش عجزًا بنيويًا يهدد بانهيار عملياتها بالكامل نتيجة غياب التمويل الكافى والمستدام.
وعند الحديث بلغة الأرقام والمؤشرات الفعلية، فإن الأزمة تتجسد فى الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات والتمويل، إذ كان من المفترض أن تبلغ ميزانية «الأونروا» 957 مليون دولار للعام 2026 لتغطية الحد الأدنى من الخدمات، إلا أنها خُفِّضت لتصل إلى 750 مليون دولار فقط، أى بتراجع حاد قيمته 207 ملايين دولار.
ورغم نجاح الوكالة فى توفير 157 مليون دولار إضافية عبر تدابير تضمنت اقتطاعات فى الأجور وساعات العمل والخدمات، لا يزال هناك عجز مالى فعلى يبلغ 100 مليون دولار، وهو عجز مكشوف لا توجد له أى تغطيات أو تعهدات مالية من الدول المانحة حتى الآن.
خطورة هذا الوضع لا تكمن فقط فى الرقم، بل فى تعطيل القدرة على التخطيط والتشغيل، والوفاء بالالتزامات الأساسية تجاه الموظفين واللاجئين على حد سواء، وهو ليس مجرد أزمة مالية طارئة، بل نتاج تراجع سياسى من بعض القوى الدولية يستهدف تقويض الاستقرار المالى لـ«الأونروا»، تمهيدًا لتقليص دورها أو إنهائه، وهو ما نرفضه بشكل قاطع.
ما مدى تأثير تعليق أو خفض التمويل الدولى على الخدمات المقدمة للاجئين؟
انعكاسات هذا العجز باتت تمسّ بشكل مباشر الخدمات الأساسية فى قطاعات التعليم والصحة والإغاثة فى مناطق العمليات الخمس.
ففى قطاع التعليم، الذى يخدم أكثر من نصف المليون طالب وطالبة، بات هناك تهديد حقيقى بتجميد التوظيف، وزيادة الكثافة الصفية، وتأجيل أو تعطيل العام الدراسى.
أما فى القطاع الصحى، فتواجه العيادات الطبية نقصًا حادًا فى الأدوية والمستلزمات الحيوية، إضافة إلى ضغط كبير على الكوادر الطبية.
وفى القطاع الإغاثى والاجتماعى، تراجعت المساعدات النقدية والغذائية المقدمة للعائلات الأكثر فقرًا، ما ينعكس سلبًا على الأمن الاجتماعى للاجئين.
نؤكد أن المساس بهذه الخدمات أو مواءمتها مع حجم التبرعات المتراجع يمثل خطًا أحمر، لأنه يعنى عمليًا تفكيكًا تدريجيًا لدور «الأونروا»، وهو ما لن نقبل به.
يشكّل التعليم نحو 60% من ميزانية «الأونروا» وهو البرنامج الأكبر فيها، وتواجه العملية التعليمية تهديدًا مباشرًا يمسّ أكثر من نصف المليون طالب وطالبة فى المخيمات، من خلال تجميد التوظيف، وإلغاء بعض البدلات، وتعطيل أعمال الصيانة فى المدارس.
يوجد أكثر من 140 منشأة صحية تابعة لـ«الأونروا» تعمل تحت ضغط شديد بسبب نقص التمويل المخصص للأدوية والمستلزمات الطبية.
كما أدى تجميد التوظيف إلى نقص فى الكوادر التمريضية والطبية، ما يطيل فترات الانتظار ويؤثر على جودة الخدمات، إضافة إلى تحديات فى التحويلات الطبية للمستشفيات الخارجية، وهو ما يهدد حياة مرضى الأمراض المزمنة.
تتراجع شبكات الحماية الاجتماعية لما يزيد على 1.7 مليون لاجئ فلسطينى، من بينهم 1.1 مليون فى قطاع غزة داخل مراكز الإيواء.
كما تم تقليص المساعدات النقدية والدورات الغذائية، وتراجع برامج الدعم النفسى وخدمات النظافة، ما يزيد من مخاطر انتشار الأوبئة وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
هل هناك بدائل مطروحة حال تعرض «الأونروا» لمزيد من الضغوط؟
لا توجد أى بدائل قانونية أو سياسية مطروحة يمكن أن تحل محل الأونروا، وكل ما يُطرح فى هذا السياق، سواء من قبل الاحتلال أو بعض الأطراف الدولية، هو بدائل تصفوية مرفوضة بالكامل.
تتمثل أبرز هذه المخططات فى ثلاثة مسارات، نقل الصلاحيات إلى الدول المضيفة وهو طرح نرفضه، لأنه يحوّل قضية اللاجئين من قضية سياسية دولية إلى ملف داخلى، بما يمهد لتصفية حق العودة.
إسناد المهام لمنظمات دولية أخرى مثل اليونيسف وبرنامج الغذاء العالمى، وهذه منظمات إغاثية طارئة لا تمتلك التفويض السياسى والقانونى الخاص بالأونروا، المرتبط بقرار 302 وحق العودة وفق القرار 194، بدائل محلية أو شركات خاصة وهى مشاريع مرفوضة تمامًا، أثبتت فشلها، وتهدف إلى تفكيك البنية السياسية لقضية اللاجئين وتحويلها إلى إدارة خدمية.
كما نحذر من محاولات تمرير تقارير «تصفوية» تحت عنوان إعادة الهيكلة أو التقييم الاستراتيجى، والتى تسعى عمليًا إلى إنهاء ولاية الأونروا تدريجيًا.
ما الرسالة التى توجهونها للدول المانحة؟
رسالتنا واضحة.. الأونروا لم تعد بحاجة إلى تعاطف سياسى أو بيانات دعم، بل إلى تمويل حقيقى مستدام وقابل للتنبؤ.
الدعم الدولى يجب أن يتحول إلى التزام مالى فعلى، يضمن استمرار الخدمات الأساسية لملايين اللاجئين.
ونؤكد أن دعم الأونروا ليس عبئًا، بل استثمار فى الاستقرار الإقليمى، وفى منع الانفجار الاجتماعى والإنسانى فى المنطقة.
ندعو الدول المانحة إلى تقديم تمويل عاجل، وتوقيع اتفاقيات متعددة السنوات، لضمان استقرار عمل الوكالة، وحماية تفويضها الأممى، باعتبار ذلك مسؤولية دولية جماعية لا تحتمل التأجيل.
ما أحدث الإحصائيات الخاصة باللاجئين الفلسطينيين؟
يبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين نحو 6.2 مليون لاجئ، أى ما يقارب 40% من إجمالى الشعب الفلسطينى، يعيش ثلثهم فى 58 مخيمًا رسميًا فى الأردن ولبنان وسوريا والضفة الغربية وقطاع غزة، بينما يقيم الباقون فى المدن والبلدات المحيطة بالمخيمات.
كيف أثرت الحرب فى غزة على أوضاع اللاجئين؟
أدت الحرب إلى تدمير واسع فى البنية التحتية للمخيمات، ونزوح قسرى لنحو 1.9 مليون شخص، بينهم 1.7 مليون لاجئ.
كما تضرر قطاع التعليم بشكل كبير، حيث دُمّرت 75% من منشآت الأونروا أو تعطلت، بينما يعيش مئات الآلاف فى خيام ومراكز إيواء تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
كيف تنظرون إلى أوضاع النازحين فى غزة؟
الأوضاع فى غزة تجاوزت الكارثة الإنسانية إلى مستوى الانهيار الكامل، حيث يعيش نحو 1.9 مليون نازح فى ظروف قاسية داخل مراكز إيواء مكتظة وخيام غير صالحة للعيش.
كما أن تدمير شبكات المياه والصرف الصحى أدى إلى انتشار واسع للأمراض المعدية والجلدية، فى ظل نقص حاد فى الأدوية والمستلزمات الطبية.
ما أبرز التحديات التى تواجه المخيمات؟
أبرز التحديات تتمثل فى البطالة المرتفعة، وانهيار الخدمات التعليمية والصحية، وتراجع قدرة الأونروا على تقديم الدعم، إلى جانب تدهور البنية التحتية فى المخيمات.
هل هناك مخاوف من تصفية قضية اللاجئين؟
نعم، هناك مخاوف حقيقية من محاولات تستهدف تقويض حق العودة وتفكيك الأونروا، سواء عبر تقليص التمويل أو إعادة تعريف وضع اللاجئ.
لكن هذه المحاولات ستفشل، لأن حق العودة حق ثابت وغير قابل للتصرف أو التقادم.
