قبل أيام قليلة من خروج ملايين المصريين إلى الشوارع فى 30 يونيو، وبينما كانت الجماعة الإرهابية تواجه حالة غير مسبوقة من الغضب الشعبى بسبب فشلها فى إدارة الدولة ومحاولاتها المستمرة للسيطرة على مؤسساتها، لجأت إلى واحدة من أكثر أوراقها إثارة للجدل، فيما عُرف بـ«مؤتمر نصرة سوريا» في الصالة المغطاة باستاد القاهرة يوم السبت 15 يونيو 2013، والذى تحول من فعالية تحمل عنوانًا إنسانيًا إلى منصة سياسية صاخبة كشفت طبيعة تفكير الجماعة وأولوياتها الحقيقية.
ففى الوقت الذى كان المواطن المصرى يبحث عن حلول لأزمات معيشية وسياسية متفاقمة، كانت الجماعة منشغلة بفتح أبواب الصراعات الإقليمية وإطلاق خطابات حماسية وتصعيدية، فى مشهد اعتبره كثيرون انعكاسًا واضحًا لعقلية التنظيم التى تضع مصالحها وأهدافها فوق مصالح الدولة الوطنية.
المتاجرة بالقضايا العربية.. وصفة إخوانية قديمة
لم يكن مؤتمر «نصرة سوريا» حدثًا استثنائيًا فى تاريخ الجماعة، بل جاء امتدادًا لنهج طالما اعتمد على استغلال القضايا العربية والإسلامية لتحقيق مكاسب سياسية وتنظيمية، فعلى مدار عقود، قدمت الجماعة نفسها باعتبارها المتحدث باسم قضايا الأمة والمدافع عنها، بينما كانت تستخدم تلك الملفات وسيلة للحشد والتجنيد وتوسيع النفوذ. وجاء الملف السورى ليشكل فرصة جديدة لاستثمار مشاعر الغضب والتعاطف مع معاناة الشعب السورى فى خدمة مشروع الجماعة وأهدافها السياسية.
منصة للتعبئة ومغازلة التنظيمات العابرة للحدود
ما جرى خلال المؤتمر تجاوز حدود التضامن السياسى والدبلوماسى، حيث طغت عليه لغة التعبئة والاستقطاب، بما اعتبره كثيرون آنذاك غطاءً سياسيًا ومعنويًا لكل من أراد الانخراط فى الصراع الدائر على الأراضى السورية.
وكشف المؤتمر مجددًا عن طبيعة العلاقة التى تربط الجماعة بمفهوم التنظيمات العابرة للحدود، إذ بدا المشهد وكأن الجماعة تتحرك بمنطق التنظيم الدولى لا بمنطق الدولة الوطنية، واضعة الحسابات الأيديولوجية فوق اعتبارات الأمن القومى والمصالح الوطنية.
الهروب من أزمات الداخل
جاء المؤتمر فى توقيت بالغ الحساسية، حيث كانت الدعوات إلى تظاهرات 30 يونيو تتسع بصورة غير مسبوقة، بينما تتزايد الانتقادات الشعبية لأداء الجماعة فى الحكم، وبدلًا من تقديم حلول حقيقية للأزمات المتراكمة أو طرح مبادرات لاحتواء حالة الاحتقان السياسى، اختارت الجماعة تصدير الاهتمام نحو الخارج، فى محاولة واضحة لتحويل الأنظار بعيدًا عن المشكلات الداخلية التى كانت تعصف بالبلاد.
ورأى كثيرون أن المؤتمر لم يكن منفصلًا عن المعركة السياسية الدائرة فى الداخل، بل جاء كجزء من محاولة استعراض القوة وحشد الأنصار فى مواجهة موجة الرفض الشعبى المتصاعدة.
عندما غابت الدولة وحضر التنظيم
أحد أخطر ما كشفه المؤتمر كان الفارق الكبير بين عقلية الدولة وعقلية التنظيم. فبينما تدار السياسة الخارجية للدول وفق حسابات دقيقة تتعلق بالأمن القومى والمصالح الاستراتيجية، بدا أن الجماعة تدير هذا الملف بعقلية الحشد والتعبئة الأيديولوجية.
ولهذا اعتبر المؤتمر لدى قطاعات واسعة من المصريين نموذجًا واضحًا لكيفية توظيف القضايا الخارجية لخدمة أهداف سياسية داخلية، بعيدًا عن أى رؤية متوازنة أو حسابات وطنية مسؤولة.
رقصة أخيرة قبل السقوط
بعد سنوات من انعقاد المؤتمر، لا يزال «مؤتمر نصرة سوريا» حاضرًا باعتباره أحد أكثر المشاهد إثارة للجدل فى فترة حكم الجماعة الإرهابية. فالمؤتمر الذى رُفع خلاله شعار نصرة الشعب السورى تحول فى نظر كثيرين إلى محاولة لاستثمار مأساة إنسانية فى معركة البقاء السياسى.
ولعل المفارقة الأبرز أن المؤتمر الذى أرادت الجماعة من خلاله استعادة زمام المبادرة وإظهار قدرتها على الحشد، جاء قبل أيام قليلة فقط من خروج ملايين المصريين فى 30 يونيو، ليصبح واحدًا من آخر مشاهد حكم سقط تحت وطأة الغضب الشعبى، بعدما أدرك المصريون أن الجماعة كانت منشغلة بمشروعاتها وأجنداتها أكثر من انشغالها بمشكلات الوطن ومصالح المواطنين.