لم يكن صباح الخامس من يونيو 2026 مختلفا عن غيره بالنسبة للشاب الفلسطيني إسماعيل طميزي، استيقظ مبكرا كعادته، متجها إلى أرضه الزراعية في منطقة الجلاطية غرب بلدة إذنا بمحافظة الخليل، حاملا هموم الحياة اليومية وأحلاما بسيطة تشبه أحلام آلاف الشباب الفلسطينيين الذين يتمسكون بأرضهم رغم كل الظروف.
إسماعيل يعمل في أرضه
كان إسماعيل يعرف تفاصيل أرضه كما يعرف ملامح وجهه، حيث يعرف الأشجار التي غرسها بيديه، والطرق الترابية التي اعتاد السير فيها، والمواسم التي ينتظرها عاما بعد عام، لم يكن يتوقع أن يتحول ذلك اليوم العادي إلى لحظة فاصلة تقسم حياته إلى ما قبل وما بعد، فبينما كان يعمل في أرضه، تعرض لإطلاق نار مباشر من أحد المستوطنين الإسرائيليين، دون أي مبرر، لم يكن يحمل سلاحا، أو يشكل خطرا على أحد، كان فقط يمارس عمله في أرضه، قبل أن تخترق الرصاصات جسده وتغير مصيره إلى الأبد.
إسماعيل طميزي
يتذكر أفراد أسرته تلك الساعات الثقيلة التي أعقبت الحادثة، حين وصلت الأخبار متلاحقة ومربكة، كانت الدقائق تمر ببطء قاتل، فيما كان إسماعيل يصارع الإصابة التي تعرض لها، وبعد محاولات العلاج والفحوصات الطبية، جاءت الصدمة الأكبر، فقد تسببت الإصابة في إصابته بشلل نصفي، ليجد نفسه فجأة عاجزا عن ممارسة أبسط تفاصيل حياته التي كانت بالأمس القريب أمرا بديهيا.
المستوطنون يصيبون إسماعيل
منذ ذلك اليوم، لم تعد حياة إسماعيل كما كانت، الشاب الذي اعتاد العمل في الحقول والحركة المستمرة أصبح أسير العلاج وجلسات المتابعة الطبية والألم المزمن، وبين سرير العلاج وكرسيه المتحرك، يقضي أيامه محاولا التأقلم مع واقع لم يختره لنفسه.

المستوطنون يعتدون على إسماعيل طميزي
وتقول أسرته إن الإصابة لم تسلبه القدرة على الحركة فقط، بل سرقت منه الكثير من أحلامه وخططه المستقبلية، فكل تفصيل صغير في حياته أصبح يحتاج إلى جهد مضاعف ومساعدة مستمرة، بينما يبقى الأمل معقودا على تحسن حالته الصحية واستكمال رحلة العلاج.
ولا تنفصل معاناة إسماعيل عن واقع بلدته إذنا، التي تعيش منذ سنوات تحت وطأة الحصار والإغلاق المتواصل من قبل الاحتلال، فالبلدة تواجه قيودا مشددة وبوابات عسكرية وإجراءات تحد من حركة السكان وتؤثر على تفاصيل حياتهم اليومية، وعلى مدار نحو ثلاث سنوات، انعكست هذه الأوضاع على قدرة الأهالي في الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل، لتصبح الحياة أكثر صعوبة وتعقيدا.
وفي ظل هذه الظروف، تبدو رحلة العلاج أكثر قسوة، فالوصول إلى المراكز الطبية والخدمات المتخصصة لم يعد أمرا سهلا، بينما تزداد الأعباء النفسية والاجتماعية التي تتحملها الأسرة يوما بعد يوم، ورغم كل ما حدث، لا يزال إسماعيل يتمسك بخيط رفيع من الأمل، فداخل جسده المثقل بالإصابة، ما زالت هناك إرادة للحياة تتحدى الألم. أما أسرته، فتواصل الوقوف إلى جانبه، محاولة تعويض ما سلبته الرصاصة من طمأنينة وأمان.
في بلدة إذنا، لا تُروى قصة إسماعيل باعتبارها حادثة فردية فقط، بل باعتبارها صورة مكثفة لمعاناة يعيشها كثير من الفلسطينيين الذين يجدون أنفسهم فجأة ضحايا للعنف وهم يمارسون تفاصيل حياتهم اليومية، وبين أرض زراعية خرج إليها بحثا عن الرزق، وسرير علاج بات يقضي عليه معظم وقته، تمتد حكاية هذا الفلسطيني كشهادة إنسانية مؤلمة على حياة تغيرت في لحظة واحدة، وما زالت تبحث عن فرصة للشفاء واستعادة ما يمكن استعادته من الأحلام.
تفاصيل الاعتداء الإسرائيلي
ويروي شقيق إسماعيل طميزي تفاصيل الحادثة التي غيرت حياة أخيه إلى الأبد، قائلا إن أخيه كان شابا نشيطا يقضي معظم وقته في العمل بأرضه الزراعية، قبل أن تتحول لحظة واحدة إلى مأساة ما زالت العائلة تعيش آثارها حتى اليوم، مضيفا : "أصيب برصاصة اخترقت بطنه وخرجت من ظهره، ما تسبب في أضرار خطيرة بالعمود الفقري والحبل الشوكي، ومنذ ذلك اليوم لم يعد قادرا على تحريك الجزء السفلي من جسده، وأصبح يعاني من شلل أفقده القدرة على ممارسة حياته الطبيعية كما كان يفعل سابقا".
المتسطونون يحرقون المزرعة
ويتابع في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": "ما يزيد من وجعنا أن إصابته لم تحدث خلال مواجهة أو اشتباك، بل أثناء محاولته إنقاذ أرضه، كان يحاول إخماد النيران التي أشعلها مستوطنون في المحاصيل الزراعية، لكنهم قابلوا ذلك بإطلاق النار عليه بشكل مباشر".
ويشرح الواقع الذي تعيشه العائلة في بلدة إذنا غرب الخليل قائلا: "نحن نعيش في بلدة أصبحت محاصرة من كل الجهات، ومن الغرب يمتد جدار الفصل الذي التهم مساحات واسعة من أراضينا الزراعية، ومن الشرق تحاصرنا المستوطنات التي تتوسع باستمرار، وفي كل فترة تظهر بؤر جديدة ومستوطنة جديدة، ويأتي المستوطنون المسلحون تحت حماية الجيش الإسرائيلي".
ويضيف أن معاناة المزارعين لا تقتصر على مصادرة الأراضي فقط، بل تمتد إلى التضييق اليومي عليهم ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم، متابعا: "يأتون بأغنامهم إلى حقول المواطنين لتدمير المحاصيل الزراعية، ويحاولون منع أصحاب الأرض من الوصول إليها. نشعر أن هناك محاولات مستمرة لدفعنا إلى ترك أراضينا والرحيل عنها، رغم أنها مصدر رزقنا وارتباطنا الوحيد بهذه الأرض".
ويستعيد شقيق إسماعيل تفاصيل يوم الإصابة قائلا: "في ذلك اليوم، وكان يوم جمعة، توجه أخي كعادته إلى أرضه، كان المستوطنون يحاولون منع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم، وأشعلوا النار في محاصيل القمح، عندما وصل إسماعيل ورأى النيران تلتهم الزرع، حاول إخمادها وإنقاذ ما يمكن إنقاذه".
ويتابع: "بينما كان منشغلا بإطفاء الحريق، أطلق أحد المستوطنين النار عليه بشكل مباشر، الرصاصة أصابته إصابة بالغة، كما أصيب شخص آخر كان يقف بالقرب منه برصاصة في قدمه، وخلال دقائق تغيرت حياة أخي بالكامل، وانتقل من شاب يعمل في أرضه ويعيل نفسه إلى شخص يحتاج إلى الرعاية والعلاج بشكل دائم".

جانب من اعتداءات المستوطنين
ويؤكد أن الأسرة تعيش اليوم بين ألم الإصابة وقلق المستقبل، فإسماعيل لا يزال يخضع للعلاج ويواجه تحديات يومية بسبب الشلل الذي أصابه، بينما تحاول العائلة التكيف مع واقع جديد فرضته رصاصة واحدة أنهت سنوات من العمل والحياة الطبيعية.
ويقول: "أخي لم يكن يحمل سوى إرادته للدفاع عن أرضه ومحصوله الزراعي، كل ما فعله أنه حاول إخماد حريق يلتهم رزقه، لكن الثمن كان إصابة سترافقه طوال حياته، ما نتمناه هو أن يحصل على العلاج والدعم الذي يحتاجه، وأن تصل قصته إلى العالم ليعرف الجميع ما يعيشه المزارعون الفلسطينيون كل يوم في سبيل البقاء على أرضهم".