سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 19 يونيو 1953.. طه حسين يقرأ خبر إلغاء النظام الملكى وحكم أسرة محمد على أثناء وجوده فى إيطاليا ويعلق: احتملت مصر وقاست دون أن تفقد شخصيتها وكرامتها

الجمعة، 19 يونيو 2026 10:00 ص
سعيد الشحات يكتب: ذات يوم.. 19 يونيو 1953.. طه حسين يقرأ خبر إلغاء النظام الملكى وحكم أسرة محمد على أثناء وجوده فى إيطاليا ويعلق: احتملت مصر وقاست دون أن تفقد شخصيتها وكرامتها طه حسين

سعيد الشحات

جلس عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين مع زوجته السيدة سوزان لتناول الإفطار فى فندق صغير يقع فى الطريق من روما إلى مدينة فلورنسا بإيطاليا صباح 19 يونيو، مثل هذا اليوم 1953، حسبما يذكر الدكتور محمد حسن الزيات وزير خارجية مصر أثناء حرب أكتوبر 1973، وزوج ابنة طه حسين، فى كتابه «ما بعد الأيام».

كان الوقت مبكرا، وطلب عميد الأدب العربى من زوجته أن تقدم له صحيفة الصباح مع إفطارهما، ووفقا للزيات: «السيدة سوزان تلقى نظرة على الصحيفة فتقول: لقد أعلنت الجمهورية فى مصر، أعلنت الجمهورية أمس، الثامن عشر من يونيو 1953»، ويرد طه حسين مندهشا: «أُعلنت الجمهورية؟»، فتقول سوزان: هذا هو الخبر».

كان الخبر يتضمن بيان مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952، والذى وجه أعنف نقد إلى عائلة محمد على التى تحكم مصر منذ سنة 1805، قائلا: «إن تاريخ أسرة محمد على فى مصر كان سلسلة من الخيانات التى ارتكبت فى هذا الشعب، وكان من أولى هذه الخيانات إغراق إسماعيل فى ملذاته وإغراق البلاد بالتالى فى ديون  عرضت سمعتها وماليتها للخراب، حتى كان ذلك سببا تعللت به الدول الاستعمارية للنفوذ إلى أرض هذا الوادى الآمن الأمين، ثم جاء «توفيق» فأتم هذه الصورة من الخيانة السافرة فى سبيل محافظته على عرشه، فدخلت جيوش الاحتلال أرض مصر لتحمى الغريب على العرش الذى استنجد بأعداء البلاد على أهلها، وفاق «فاروق» كل من سبقوه من هذه الشجرة فأثرى وفجر، وطغى وتجبر، وكفر فخط لنفسه نهايته ومصيره، فآن للبلاد أن تتحرر من كل أثر من آثار العبودية التى فرضت عليها نتيجة لهذه الأوضاع».

وذكر البيان قرارات الثورة، وأولها: «نعلن اليوم باسم الشعب إلغاء النظام الملكى وحكم أسرة محمد على مع إلغاء الألقاب من أفراد هذه الأسرة»، ثانيا، إعلان الجمهورية وتولى الرئيس اللواء أركان حرب محمد نجيب قائد الثورة رئاسة الجمهورية مع احتفاظه بسلطاته الحالية فى ظل الدستور المؤقت الصادر فى 10 فبراير 1953، ثالثا، يستمر هذا النظام طوال فترة الانتقال ويكون للشعب الكلمة الأخيرة فى تحديد نوع الجمهورية واختيار شخص الرئيس عند إقرار الدستور الجديد».

يصف الزيات حالة «العميد» بعد سماعه الخبر، قائلا: «طه حسين لم يعد يسمعها «سوزان»، إنه يفكر فيما بينه وبين نفسه «ما أعظم الفرق بين حياتنا التى نحياها منذ اليوم، وحياتنا التى كنا نحياها من قبل والتى كان آباؤنا وأجدادنا يحيونها منذ الآلاف المؤلفة من السنين، المصريون القدماء كانوا يعبدون ملوكهم ويتخذونهم آلهة مقدسين، يرفعون إليهم الصلوات والقرابين، المصريون القدماء كانوا يخضعون للولاة والملوك الأجانب الذين كانوا يأتونهم من أقطار الأرض المختلفة، كانوا يعبدون قياصرة روما.

المصريون القدماء كانوا يشترون ملوكهم بالمال، يجلبونهم من بلاد الشركس والقوقاز رقيقا أطفالا يخطفهم النخاسون، المصريون تقطعت الصلة بينهم وبين العالم الخارجى بغزو الترك العثمانيين تستيقظ أوربوا وهم نيام، يستيقظون فى القرن الماضى يقظة مقيدة بسلطان الترك العثمانيين الذين يأتيهم من الخارج، وبهذه الولاية المتوارثة التى استقرت فيهم، ثم بهذا الملك المتوارث الذى فرضته عليهم حماية الإنجليز، وهاهم يتخلصون من هذا كله، وسيرفعون إلى رياسة الدولة المصرية رجلا لا يمتاز عن سائر المصريين بمولد، ولا بثروة ولا بقوة أجنبية تسنده».

كان طه حسين غارقا فى التفكير، وسوزان تقرأ وتتحدث إليه حتى سألته: «أين أنت؟ إننى أقرأ وأتحدث إليك وأنت غائب، غائب عنى وعن كل ما حولك»، يرد طه: «كنت أفكر فى مصر، وأعجب، احتملت مصر ما احتملت وقاست من الخطوب ضروبا وألوانا، دون أن تفقد شخصيتها ودون أن تنسى كرامتها، ودون أن تفتر لحظة واحدة عن الجهاد فى سبيل تلك الشخصية وهذه الكرامة، ودون أن تقصر لحظة عن المشاركة فى ترقية الحضارة الإنسانية، فاستيقنت أثناء هذا التفكير أن مصر هى المثل الرائع للوطن الأصيل الذى لم يخلق ليفنى فى غيره، والذى لم يخلق ليذعن لغيره، وإنما خٌلق ليفرض نفسه على الدهور ولتعيش أمته خالدة كما أنه هو خالد، كريمة كما أنه كريم، عزيزة كما أنه عزيز، قاهرة للأحداث والخطوب، كما أنه قاهر للأحداث والخطوب، قادرة على أن تنفذ من المشكلات مهما تكن، وتقهر الصعاب مهما تعظم».

تسأله سوزان: «فكرت أنت فى هذا كله، وأنا أقرأ لك خبرا فى صحيفة على عمود، فى عدة سطور؟ أبحرت بعيدا عنى وأنا أحاول أن أقرأ لك الأخبار؟ أنت ترى أننى لا أستحق أن تستمع إلىّ؟»، يضيف «الزيات»: «يأخذ طه حسين يديها فى يده، ويقول: «لا، كنت أستمع إليك، كان صوتك العذب يساعدنى - كعهده دائما - على التفكير»، تقول سوزان: المهم، أتركك الآن، وسأعود لنسمع معا نشرة الأخبار التالية، ثم يجب أن نغادر هذا الفندق سريعا لنذهب إلى فلورنسا، ومبارك على جمهورية مصر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة