تشهد أمريكا اللاتينية واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا خلال السنوات الأخيرة، مع تزامن أزمات أمنية وسياسية واقتصادية في عدد من دول المنطقة، ما يثير مخاوف متزايدة من اتساع دائرة عدم الاستقرار خلال الأسابيع المقبلة.
هايتى
وفي مقدمة هذه الأزمات تأتي هايتي، حيث حذرت الأمم المتحدة من تفاقم غير مسبوق في أعمال العنف المرتبطة بالعصابات المسلحة. ووفق أحدث التقديرات، قُتل أكثر من 2300 شخص منذ بداية العام الجاري، بينما تستمر الجماعات المسلحة في فرض نفوذها على مناطق واسعة من البلاد، وسط عجز حكومي واضح وصعوبات تواجه القوة الأمنية الدولية المدعومة من الأمم المتحدة في استعادة السيطرة على الوضع.
بوليفيا
أما في بوليفيا، فقد بدأت حدة الاحتجاجات التي شلت البلاد خلال الأسابيع الماضية في التراجع نسبيًا بعد 46 يومًا من الإضرابات وقطع الطرق. لكن الأزمة لا تزال بعيدة عن الحل النهائي. فقد اندلعت الاحتجاجات بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة ونقص الوقود والإجراءات الاقتصادية التقشفية التي تبنتها حكومة الرئيس رودريغو باز، قبل أن تتطور إلى مطالب سياسية وصلت إلى حد المطالبة باستقالته.
بلغت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الاحتجاجات نحو 2.8 مليار دولار، أي ما يعادل 5.5% من الناتج المحلي الإجمالي لبوليفيا، وفقًا للغرفة الوطنية للصناعات. تسببت الاضطرابات في تعطيل تدفق الإمدادات إلى لاباز، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية وطوابير انتظار تمتد لكيلومترات في محطات الوقود، حيث انتظر بعض السائقين حتى أسبوع للحصول على الوقود. كما اضطرت بعض الشركات إلى الإغلاق، بينما منحت أخرى إجازات قسرية لعمالها.
وخلال ذروة الأزمة، تسببت الحواجز التي أقامها المحتجون في نقص الغذاء والوقود والأدوية في عدة مدن رئيسية، كما دفعت الحكومة إلى دراسة فرض حالة الطوارئ وإمكانية نشر الجيش لإعادة فتح الطرق. وشهدت البلاد أيضًا استقالات وزارية بارزة، من بينها وزير الدفاع، في مؤشر على حجم الضغوط التي تواجهها الحكومة.
كولومبيا فوضى الانتخابات الرئاسية
وفي كولومبيا، تتزايد المخاوف الأمنية قبل جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية المقررة خلال أيام. وتشير تقارير أمنية إلى تصاعد الاشتباكات بين الفصائل المسلحة المتنافسة على طرق تهريب المخدرات، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى خلال الأسابيع الأخيرة. ويحذر مراقبون من أن التوتر السياسي قد ينعكس على الشارع إذا جاءت نتائج الانتخابات محل نزاع بين القوى المتنافسة.
كوبا ونقص الوقود وتدهور الأوضاع المعيشية
كما تشهد كوبا حالة من التوتر الاجتماعي المتزايد بسبب نقص الوقود والسلع الأساسية وتدهور الأوضاع المعيشية. وخلال الأسابيع الماضية خرجت احتجاجات متفرقة في عدة مناطق للمطالبة بتحسين الظروف الاقتصادية، بينما كثفت السلطات إجراءاتها الأمنية لاحتواء الغضب الشعبي. ويرى محللون أن القاسم المشترك بين معظم أزمات المنطقة يتمثل في الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في المؤسسات السياسية، وهي عوامل تغذي موجات الاحتجاج وعدم الاستقرار. وبينما تختلف أسباب الأزمات من دولة إلى أخرى، فإن المشهد العام يشير إلى أن أمريكا اللاتينية تدخل مرحلة دقيقة قد تشهد مزيدًا من التوترات الاجتماعية والسياسية خلال النصف الثاني من عام 2026، ما لم تنجح الحكومات في احتواء الأزمات الاقتصادية والأمنية المتفاقمة.