لم يكن بقاء جماعة الإخوان الإرهابية لعقود طويلة قائمًا على العمل السياسي وحده، بقدر ما ارتكز على قدرتها في بناء منظومة تنظيمية مغلقة نجحت في إعادة تشكيل وعي أعضائها وصياغة هويتهم الفكرية والنفسية بما يخدم أهداف التنظيم واستمراريته.
فالجماعة لم تتعامل مع العضو باعتباره مشروعًا تنظيميًا متكاملًا يخضع لعملية طويلة من التربية والتوجيه والتلقين، تبدأ بغرس الأفكار وتنتهي بتكوين حالة من الولاء العميق تجعل التنظيم حاضرًا في تفاصيل حياة الفرد وقراراته ومواقفه.
ويرى باحثون في شؤون الحركات الإسلامية أن أحد أخطر ما ميز تجربة الإخوان هو نجاحها في بناء ما يمكن تسميته بـ"الهوية التنظيمية البديلة"، حيث يصبح الانتماء للجماعة مرجعية تتقدم على كثير من دوائر الانتماء الأخرى، بما في ذلك الدولة والمجتمع، وهو ما ساعد التنظيم على الحفاظ على تماسك قطاعات من أعضائه حتى في فترات التراجع والانقسام والأزمات.
إعادة تشكيل الوعي
تعتمد الجماعة على منظومة تربوية ممتدة تبدأ منذ المراحل الأولى لانضمام العضو، عبر الأسر التنظيمية واللقاءات الدورية والمناهج الفكرية التي تهدف إلى بناء رؤية موحدة للعالم والواقع السياسي والاجتماعي.
ومع مرور الوقت، لا يعود التنظيم مجرد إطار للعمل العام، بل يتحول إلى مرجعية فكرية وأخلاقية شاملة، يتم من خلالها تفسير الأحداث وتقييم الأشخاص وتحديد المواقف. ويؤكد متخصصون أن هذه الآلية تؤدي تدريجيًا إلى تضييق مساحة التفكير المستقل، لصالح تبني رؤية الجماعة باعتبارها التفسير الأكثر صحة للواقع.
كما تسهم هذه العملية في خلق شعور دائم بالتمايز عن المجتمع المحيط، عبر خطاب يرسخ فكرة أن أعضاء الجماعة يمثلون "النواة الصلبة" للمشروع الإسلامي، وهو ما يعزز حالة الانغلاق الفكري والتنظيمي ويجعل الانفصال عن الجماعة بالنسبة للبعض أشبه بفقدان الهوية والانتماء.
البيعة والطاعة
يُعد نظام البيعة من أبرز الأدوات التي اعتمدت عليها الجماعة لترسيخ الانضباط الداخلي وضمان ولاء الأعضاء للقيادة.، ففي "رسالة التعاليم"، وضع مؤسس الجماعة حسن البنا ما عُرف بأركان البيعة العشرة، والتي تضمنت مفاهيم مثل الطاعة والثقة والثبات والجهاد والتجرد، فيما تضمنت صيغة البيعة الالتزام بالسمع والطاعة لقيادات التنظيم في مختلف الظروف.
ويرى خبراء أن هذا النموذج نقل مفهوم البيعة من إطاره الديني العام إلى إطار تنظيمي خاص، بما منح القيادة سلطة واسعة على الأعضاء، ورسخ ثقافة الامتثال للقرارات التنظيمية باعتبارها جزءًا من الالتزام العقائدي.
ولم تقتصر البيعة على المستويات التنظيمية التقليدية، بل شهد تاريخ الجماعة وجود ما عرف بـ"البيعة الخاصة" داخل التنظيم الخاص، الذي اتسم بدرجة أكبر من السرية والانضباط، بما عكس الطبيعة الهرمية المغلقة التي حكمت البناء الداخلي للجماعة منذ نشأتها.
من البنا إلى قطب.. تطور الخطاب من التنظيم الدعوي إلى الانغلاق الأيديولوجي
على مدار سنوات طويلة، حاولت بعض الأطروحات التمييز بين أفكار حسن البنا وأفكار سيد قطب، باعتبار الأول مؤسسًا دعويًا والثاني صاحب خطاب أكثر تشددًا، إلا أن قطاعًا من الباحثين يرى أن هذا الفصل لا يعكس حقيقة التطور الفكري داخل الجماعة.
فوفق هذا الاتجاه، فإن سيد قطب لم ينشئ مسارًا منفصلًا عن الإخوان، بل جاء امتدادًا للبنية الفكرية والتنظيمية التي أسسها حسن البنا، مع إعادة صياغة بعض المفاهيم بصورة أكثر حدة، خاصة ما يتعلق بالحاكمية وجاهلية المجتمع والعزلة الشعورية.
وأصبحت هذه الأفكار لاحقًا جزءًا من الجدل الواسع حول أثر أدبيات الجماعة في إنتاج بيئات فكرية استندت إليها تنظيمات أكثر تطرفًا وعنفًا، وهو ما دفع كثيرًا من الباحثين إلى اعتبار أن أزمة الجماعة لا تقتصر على الممارسة السياسية، وإنما تمتد إلى بعض الأسس الفكرية التي لم تخضع لمراجعات جادة حتى الآن.
لماذا ترفض الجماعة مراجعة تراثها الفكري؟
عاد هذا الجدل إلى الواجهة مع النقاشات المتعلقة بإعادة نشر بعض مؤلفات سيد قطب، وعلى رأسها كتاب "في ظلال القرآن"، حيث أثارت محاولات تنقيح بعض المضامين المثيرة للجدل اعتراضات من داخل أوساط الجماعة وأنصارها.
ويعتبر مراقبون أن هذا الموقف يكشف عن أزمة أعمق تتعلق بعدم استعداد التنظيم لإجراء مراجعات فكرية حقيقية لعدد من الأدبيات التي تعرضت لانتقادات واسعة على مدار العقود الماضية.
ففي الوقت الذي خضعت فيه حركات وتنظيمات أخرى لمراجعات فكرية شاملة بعد تجارب الصدام والفشل، ظل خطاب الإخوان أسيرًا إلى حد كبير للموروث الفكري ذاته، وهو ما يفسر استمرار الجدل حول طبيعة المشروع الفكري للجماعة وقدرته على التكيف مع متغيرات الدولة الوطنية الحديثة.
إشكالية الانتماء.. حين يتقدم التنظيم على الدولة
وتعد أحد أخطر نتائج البناء التنظيمي المغلق يتمثل في إعادة ترتيب أولويات الولاء لدى العضو، بحيث تصبح مصلحة التنظيم وقرارات قيادته مرجعية تتقدم على الاعتبارات الوطنية والمؤسسية.
ومع مرور الوقت، يتشكل لدى بعض الأعضاء شعور بأن الجماعة تمثل الكيان الأجدر بالطاعة والالتزام، وهو ما يخلق حالة من التوتر بين الانتماء التنظيمي ومفهوم المواطنة القائم على الولاء للدولة ومؤسساتها وقوانينها.
وقد انتقلت هذه الفكرة بدرجات متفاوتة إلى عدد من التنظيمات المتشددة التي تبنت بدورها مفاهيم البيعة والطاعة المطلقة، وإن اختلفت الأهداف والوسائل والسياقات بين هذه التنظيمات.
أكثر من تنظيم سياسي
لذلك تكشف تجربة جماعة الإخوان أن فهمها لا يمكن أن يقتصر على كونها فاعلًا سياسيًا يسعى إلى الوصول للسلطة، وإنما باعتبارها تنظيمًا عقائديًا يمتلك منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الهوية وإنتاج الولاء للحفاظ على التماسك الداخلي.
وفي ضوء ما سبق، تبقى القضية الأهم هي أن التنظيمات العقائدية لا تستمد قوتها فقط من حجم أعضائها أو نفوذها السياسي، وإنما من قدرتها على تشكيل وعي الأفراد وصياغة انتماءاتهم، وهي الآلية التي أتقنتها جماعة الإخوان لعقود طويلة، وجعلتها تتجاوز في نظر كثير من أتباعها حدود التنظيم السياسي إلى ما يشبه الهوية البديلة التي تنافس الدولة والمجتمع على ولاء الفرد وانتمائه.