طالما سمعنا الحكمة القديمة التي تقول: "الكلمة لك تملكها، فإذا خرجت منك ملكتك". لكن في زمن أصبحت فيه مفردات مثل "التريند" و"الريتش" و"اللايف" جزءًا من الحياة اليومية، وباتت مشاركة المحتوى لا تستغرق أكثر من جزء من الثانية، سعياً وراء المزيد من المشاهدات أو الإعجابات أو المشاركات، أصبح التوقف للتفكير في أثر الكلمات نادرًا. فكثيرون يكتبون أو يتحدثون دون أن يدركوا أن كلمة واحدة قد تترك أثرًا يمتد لسنوات، أو تتسبب في تكريس وصمة اجتماعية، أو تزيد من معاناة شخص يواجه بالفعل ظروفًا صعبة.
ومن هذا المنطلق جاء مؤتمر "الكلمة بتفرق" الإعلامي لمناهضة وصم المرض النفسي والعنف ضد المرأة، بالمركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة، بالتعاون مع السفارة الفرنسية في مصر، ومهرجان ميدفست، والمركز الثقافي الفرنسي، ومركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ).
وشهد المؤتمر حضور نخبة من المسؤولين والخبراء والإعلاميين والمهتمين بقضايا الصحة النفسية، حيث ناقش المشاركون دور الإعلام في تشكيل الوعي المجتمعي تجاه المرض النفسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وأهمية بناء خطاب إعلامي أكثر مسؤولية وإنسانية، يساهم في تعزيز الفهم والدعم بدلاً من الوصم والأحكام المسبقة.
قوة تشكل الوعي أو وصمة تضاعف الألم
في الجلسة الافتتاحية، أكد السفير علاء يوسف، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، أن الكلمات لا تمثل مجرد وسيلة للتواصل، وإنما تعد قوة مؤثرة في تشكيل الوعي العام وصياغة المفاهيم المجتمعية وتوجيه السلوك، مشددًا على أن الإعلام المهني لا يقتصر دوره على رصد القضايا وتغطيتها، بل يمتد ليكون شريكًا فاعلًا في مواجهة الصور النمطية السلبية وكسر الوصم والتمييز.

السفير علاء يوسف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات
كما استعرض جهود الدولة في حماية المرأة وتمكينها، مشيرًا إلى عدد من الاستراتيجيات الوطنية والتشريعات التي استهدفت مكافحة العنف ضد المرأة وختان الإناث والتحرش، إلى جانب إنشاء وحدات لمناهضة العنف داخل الجامعات وعيادات آمنة لدعم الناجيات. كما دعا إلى تطوير الخطاب الإعلامي تجاه قضايا الصحة النفسية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وتأهيل الإعلاميين وصناع المحتوى للتعامل معها بحساسية ومهنية تراعي الأبعاد النفسية والاجتماعية للمتضررين.

جانب من حضور المؤتمر
وهو ما أكدته السفيرة نبيلة مكرم، رئيس مجلس أمناء مؤسسة "فاهم" للدعم النفسي موضحة أن الكلمة قد تكون دعمًا وتشجيعًا، لكنها قد تتحول إلى أداة قاسية للوصم تضاعف الألم النفسي إذا استُخدمت بشكل خاطئ، محذرة من خطورة التعليقات السريعة في العصر الرقمي والتي قد تدفع الأشخاص إلى الصمت والانعزال.
ومن جانبه، أكد لوكا روليه، نائب مدير المعهد الفرنسي، أن اللغة هي الأداة التي تعزز الفهم ومواجهة التمييز، فيما أشار فردريك لاجرانج، مدير مركز (CEDEJ)، إلى أن الصحة النفسية لم تعد قضية فردية، بل اجتماعية وثقافية، موضحًا أن وسائل الإعلام تلعب دورًا محوريًا إما في تكريس الصور النمطية أو تشجيع الأفراد على طلب المساعدة.
الإعلاميون وصناع السينما شركاء في التأثير
أما مينا النجار، مؤسس ومدير مهرجان "ميدفست مصر"، فاستعاد بدايات الفكرة التي انطلقت من تساؤلات حول كيفية رؤيتنا لآلام الآخرين والتعبير عنها، مؤكدًا أن المهرجان يسعى لاستخدام السينما كأداة لفتح نقاشات حول قضايا الصحة النفسية التي غالبًا ما يتم تجاهلها. ووجه النجار رسالة مباشرة للإعلاميين وصناع الصورة، مشددًا على أن دورهم يتجاوز تغطية الحدث، فهم شركاء في صناعة أثره، لأن كلماتهم تصل لآلاف الأشخاص وتؤثر في تصوراتهم.

مينا النجار مؤسس ومدير مهرجان ميدفست مصر
وفي السياق ذاته، أضافت الباحثة ياسمين الشافعي أن الصحفيين وصناع المحتوى ليسوا مجرد مراقبين للواقع الاجتماعي، بل مساهمون في تشكيله، وأن الطريقة التي نروي بها القصص ونختار بها العناوين تسهم بشكل مباشر في فهم المجتمع لهذه القضايا.
وعي متزايد بالصحة النفسية وتحذيرات من "التشخيص الذاتي"
تحت عنوان "كيف تشكل اللغة الإعلامية وصم الصحة النفسية"، ناقشت الجلسة الأولى التطور المجتمعي في النظرة للمرض النفسي. وأوضح الإعلامي بشير شوشة أن المجتمع انتقل من وصم المريض بـ"الجنون" إلى حالة من الانفتاح والوعي الأكبر.
وببساطة شديدة، فرقت الدكتورة منى الرخاوي، أستاذ الطب النفسي، بين الصحة النفسية والمرض، مؤكدة أن الصحة النفسية لا تعني غياب الحزن أو الألم، بل القدرة على التعايش معها وإدارة الحياة بشكل متوازن.

الجلسة الأولى في مؤتمر الكلمة بتفرق
على الجانب الفني، تحدثت الفنانة هنا شيحة والمخرجة مريم الباجوري عن دور الدراما في طرح القضايا النفسية بعيدًا عن الوعظ المباشر. وأكدت المخرجة مريم الباجوري رفضها التام لاستخدام المرض النفسي كمادة لـ"الإفيهات" والسخرية، مشيرة إلى أنها تعمدت في أعمالها إظهار خطورة لجوء الشباب إلى تطبيقات مثل "شات جي بي تي" للبحث عن إجابات لمشكلاتهم. وهو ما حذر منه الإعلامي شريف نور الدين، مؤكدًا أن سهولة الوصول للمعلومات أدت إلى لجوء البعض لـ"التشخيص الذاتي" دون الرجوع للمتخصصين، مما ينتج عنه فهم خاطئ وخطير للحالات النفسية.
قصة الناجية ليست "سبقًا صحفيًا"
الجلسة الثانية فتحت نار النقد على استغلال المنصات الرقمية لقصص الضحايا. حيث انتقدت صانعة المحتوى آية شعيب استغلال البعض لحكايات الناجيات من العنف بغرض ملاحقة "التريند" وتحقيق الانتشار على حساب البعد الأخلاقي، محذرة في الوقت نفسه من الخطاب النسوي العدائي الذي يفاقم الاحتقان ولا يحل المشكلة.

جانب من الجلسة الثانية في مؤتمر الكلمة بتفرق
وتناولت الدكتورة ألفت علام، استشاري العلاج النفسي، الأبعاد المعقدة للعنف، موضحة أن الثقافة السائدة تدفع المرأة لجلد ذاتها ولوم نفسها، وأن التحول إلى "ناجية" يبدأ عندما تدرك المرأة أنها غير مسؤولة عن العنف الذي مُورس ضدها. فيما حذرت سالي ذهني من تزايد معدلات العنف الرقمي والابتزاز، مطالبة بميثاق أخلاقي يمنع تحويل الناجيات إلى مادة للإثارة الإعلامية لتجنب إعادة تصدير الصدمة لهن.
الصحة النفسية بين التريند والواقع
"بين التريند والواقع"، كان هذا عنوان الجلسة الثالثة التي دقت ناقوس الخطر حول تأثير المحتوى الرقمي. الإعلامية دينا عبد الكريم أكدت أن غياب الرقابة خلق حالة من "الفوضى المعلوماتية"، محذرة من استخدام غير المتخصصين لمصطلحات الطب النفسي وتسطيح المشكلات تحت مسميات مثل "العلاقات السامة".

الجلسة الثالثة في مؤتمر الكلمة بتفرق
ومن جانبه، حذر مينا النجار من هيمنة التكنولوجيا، مؤكدًا أن الجمهور أصبح يستمع لـ"الخوارزميات" التي تبحث فقط عن المشاهدات ولا تهتم بالمعايير الأخلاقية. وهو ما أيدته الخبيرة الإعلامية مريم فرج، مشيرة إلى أن الخوارزميات تدعم المحتوى الصادم ولا تهتم للدقة. وتطرقت رغدة السيد إلى تأثير الميديا على الصورة الذاتية، محذرة من المعايير القاسية للجمال والنحافة التي تسببت في انتشار اضطرابات الأكل بين الفتيات.
خريطة خدمات الصحة النفسية في مصر
واختتم المؤتمر أعماله بجلسة كاشفة حول "خارطة خدمات الصحة النفسية" في مصر. وشارك فيها الدكتورة إيمان جابر، استشاري الطب النفسي ونائب رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، والدكتور نبيل القط، استشاري الطب النفسي، والدكتور أيمن سبع، رئيس مجلس إدارة ومؤسس مؤسسة "شمسية".

جانب من الجلسة النقاشية الأخيرة
واستعرضت الجلسة إحصائيات دقيقة حول حجم الجهود التي يبذلها القطاع الحكومي؛ حيث تضم مستشفيات الصحة النفسية نحو 5600 سرير تشهد حركة مستمرة لاستقبال وتعافي المرضى، بينما تسجل العيادات الخارجية قرابة 950 ألف تردد سنوياً للحصول على خدمات مدعمة أو مجانية. وأكد المتحدثون أن تمركز هذه الخدمات في المدن الكبرى يجعل من القطاع التنموي والجمعيات الأهلية ذراعاً حيوياً وشريكاً لا غنى عنه للوصول إلى الفئات المستهدفة في كافة المحافظات التي تفتقر للتغطية الحكومية المباشرة.

دكتورة إيمان جابر نائب رئيس الإدارة المركزية للأمانة العامة للصحة النفسية
وشددت الدكتورة إيمان جابر على خطورة التناول العشوائي للقضايا الطبية، مؤكدة أن تحري الدقة في المعلومات التي تُبث عبر وسائل الإعلام يُعد مسؤولية كبرى، لأن "المعلومة الطبية الخاطئة بمثابة كارثة". وطالبت بمنح حملات التوعية مساحات إعلامية كافية لضمان وصول الرسالة العلمية السليمة للجمهور.
من جهته، أوضح الدكتور أيمن سبع دور مؤسسة "شمسية" كمؤسسة مجتمعية غير ربحية تسعى لإيجاد حلول تشاركية، تعتمد بالأساس على الاستماع للمرضى وجعلهم في مركز الحل. وأشار إلى أن المؤسسة أطلقت مشروع "الناصح" لتعريف الأفراد بحقوقهم وكيفية استخدام الخدمات بفاعلية، إلى جانب إعداد خريطة شاملة لخدمات الصحة النفسية في مصر عام 2023، والتي أظهرت تنوعاً في الموارد يتطلب إدارة واستغلالاً أكثر كفاءة.

خريطة الخدمات النفسية في مصر
وثمن التطور الإيجابي في صناعة الدراما والإعلام، مشيداً بالتوجه الحديث نحو مراجعة النصوص والرسائل الطبية من قبل متخصصين قبل عرضها على الشاشات، واصفاً هذا التوجه بأنه الطريق الصحيح الذي يجب البناء عليه.
فيما قدم الدكتور نبيل القط تأصيلاً علمياً لمفهوم "الصحة النفسية"، موضحاً أنها لا تعني مجرد غياب المرض، بل هي القدرة البيولوجية والنفسية والاجتماعية للفرد على اتخاذ القرارات والمشاركة بفاعلية في المجتمع.
وشدد على أن الصحة النفسية تعد بمثابة "قضية أمن قومي" وتحتاج للكثير من الاهتمام، مشيرًا إلى أن عدد الأطباء النفسيين المسجلين في مصر يقل عن 1000 طبيب (بمعدل طبيب لكل 120 ألف نسمة)، وهو ما يقل كثيرًا عن المتوسط العالمي وطالب وزارة الصحة بفتح المجال أكثر لتدخل المؤسسات الأهلية في ملف الطب النفسي. وحذر بشدة من المدارس العلاجية غير المبنية على الدليل العلمي كـ(السايكودراما والرقص)، واصفًا إخضاع المريض لتدخلات غير مثبتة علميًا بأنه خرق أخلاقي. واختتم بتحذير عاجل من استغلال هذا النقص لتأسيس مراكز غير مرخصة تمارس انتهاكات خطيرة كالاحتجاز الإلزامي للمرضى بعيدًا عن رقابة القانون.