لم تكن الأنفاس المحبوسة في صالات التداول والبنوك تترقب شاشات البورصة المحلية ، بقدر ما كانت ترصد بدقة خطوط الملاحة في مضيق هرمز وصوت العقل في أروقة الدبلوماسية الدولية، ومع إعلان اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران ووقف الحرب، تنفست الأسواق الناشئة الصعداء، لتنعكس أصداء التهدئة فوراً على ردهات البنوك المصرية في صورة تراجع دراماتيكي لسعر صرف الدولار أمام الجنيه، متخلياً عن مستوياته القياسية السابقة وهاوياً دون حاجز الـ 51 جنيهاً.
تلاشى المخاطر الجيوسياسية
هذا التحول الخاطف في المشهد النقدي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء محصلة لتأثير تلاشى قياس علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كبّلت الاقتصاد المصري لشهور، حيث فتحت راية التهدئة، تدفقت رؤوس الأموال الأجنبية مجدداً نحو أدوات الدين المحلية مدفوعة بتجدد الثقة، بالتزامن مع انهيار حاد في أسعار النفط والمواد الخام عالمياً، مما أزاح صخرة فاتورة الاستيراد المرعبة عن كاهل الاحتياطي النقدي بـ البنك المركزي المصري.
تراجع سعر الدولار بعد التهدئة
من جانبه قال الدكتور محمد الجوهري، الخبير الاقتصادي ورئيس مركز أكسفورد للدراسات والبحوث الاقتصادية، إن سوق الصرف المصرية شهدت خلال الساعات الأخيرة تحولاً سريعاً ومهماً بعدما تراجع الدولار من مستويات قاربت 52 جنيهاً إلى حدود 50.20 جنيه وهو ما يعكس بوضوح أن جزءاً كبيراً من الارتفاعات الأخيرة كان مرتبطاً بعوامل نفسية ومخاوف جيوسياسية أكثر من ارتباطه بعوامل اقتصادية داخلية مستدامة حيث جاءت التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران لتسحب أحد أهم أسباب القلق التي دفعت المستثمرين والأفراد إلى التوجه نحو الدولار خلال الأيام الماضية.
تحرك الأسواق وفق توقعات المستقبل
وشدد الخبير الاقتصادى على أن ما حدث يؤكد أن الأسواق المالية تتحرك دائماً وفق توقعات المستقبل وليس وفق الأحداث الحالية فقط فعندما تصاعدت التوترات في المنطقة ارتفع الطلب على الدولار تحسباً لارتفاع أسعار الطاقة وتعطل سلاسل الإمداد وخروج جزء من الاستثمارات الأجنبية من الأسواق الناشئة، أما مع ظهور مؤشرات التهدئة فقد بدأت الأسواق في إعادة تسعير المخاطر بصورة سريعة وهو ما انعكس على سعر الصرف في مصر وعدد من الأسواق الأخرى.
سعر صرف مرن
ويرى الدكتور محمد الجوهرى، تراجع الدولار بهذا الشكل السريع يحمل رسالة مهمة وهي أن الجنيه المصري أصبح أكثر حساسية للأحداث الإقليمية والعالمية في ظل نظام سعر الصرف المرن وبالتالي فإن أي تحسن في البيئة الدولية أو عودة شهية المستثمرين للأسواق الناشئة ينعكس مباشرة على أداء العملة المحلية.
الدولار تحت الـ50 جنيها خلال الفترة المقبلة
وأكد الجوهرى أن استمرار انخفاض الدولار خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطاً بعدة عوامل رئيسية في مقدمتها استقرار الأوضاع الجيوسياسية واستمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي وتحسن إيرادات السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج فإذا استمرت هذه العوامل الإيجابية فقد نرى الدولار يتحرك دون مستوى الخمسين جنيهاً بصورة مؤقتة أما إذا عادت التوترات الإقليمية أو ارتفعت المخاطر العالمية مجدداً فقد يعاود الصعود مرة أخرى.
تراجع علاوة المخاطر
وأضاف الخبير الاقتصادى أن ما نشهده حالياً ليس انتصاراً للجنيه على الدولار بقدر ما هو تراجع لعلاوة المخاطر التي كانت الأسواق قد أضافتها خلال فترة التوترات الأخيرة وهو ما يؤكد أن استقرار المنطقة أصبح عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في قيمة العملة المصرية واتجاهات الاستثمار داخل الاقتصاد المصري.