في قلب الشوارع المزدحمة، حيث لا تهدأ حركة السيارات ولا تتوقف أصوات المدينة، تمضي امرأة بملامح هادئة وابتسامة خفيفة لا تفارق وجهها، تحمل في حضورها طمأنينة لافتة وعزيمة صلبة، وتشق طريقها كل يوم بحثًا عن رزق حلال لا تعرف غيره سبيلًا، وتواصل السير لأن التوقف ليس خيارًا في حكايتها.
على سكوتر كهربائي صغير، تتحرك بخفة بين الأزقة والشوارع، ورغم صعوبة الرحلة وزحام اللحظات، تبقى ابتسامتها حاضرة، كأنها تقول إن التعب لا يسرق من الروح قوتها، ولا من القلب رضاه، تمضي بثبات، تحمل على كتفيها رسالة أكبر من مجرد توصيل طلبات؛ رسالة امرأة قررت أن تصنع يومها بيديها مهما اشتدت الظروف.

هند عواد تكافح بالعمل دليفري
هند عواد، صاحبة الـ42 عامًا، لم تكن يومًا من العاملات، بل كانت - كما تقول - "مرفهة جدًا جدًا"، لم تعرف طريق العمل في حياتها، قبل أن تقلب الظروف حياتها رأسًا على عقب، فتجد نفسها مضطرة للنزول إلى العمل والاعتماد على نفسها.
تقول: "كنت مرفهة جداً جداً، عمري في حياتي ما اشتغلت.. بس الظروف القاسية اللي مريت بيها خلتني أنزل أشتغل وأعتمد على نفسي ورغم الصعوبات مفيش حاجة توقفني".
بخطوات مترددة في البداية، خاضت تجربة لم تكن سهلة، تقدمت لشركة التوصيل مرتين، وفي الأولى رُفضت، لكنها لم تتراجع، عادت من جديد، حتى جاءها القبول، لتبدأ رحلة مختلفة تمامًا، عنوانها الإصرار لا الراحة.

هند عواد
لكن البداية لم تكن بسيطة؛ فالشركة تشترط وسيلة تنقل، لا "عجلة" تجيدها ولا "موتوسيكل" تقدر عليه، لتجد نفسها أمام خيار واحد: سكوتر صغير.
تروي تلك اللحظات قائلة: "كان عندي السكوتر الصغير.. توكلت على الله وجمدت قلبي واتعلمت عليه في مدخل بيت أبويا وبدأت أتحرك بيه في الشوارع".
ومن هنا بدأت الرحلة؛ سكوتر صغير في شوارع كبيرة، تعبر به الحواجز وتواجه به الطرق الصعبة، أحيانًا ترفعه بيدها لتجاوز الأرصفة، وأحيانًا يساعدها الغرباء في الطريق حين يرون مشقتها.
تبدأ يومها مبكرًا، بعد أن تحجز مواعيد العمل مسبقًا، فتنطلق من السابعة والنصف صباحًا وتظل في الشوارع حتى نهاية النهار، لا تحمل فقط طلبات، بل تحمل حياة كاملة من التعب والمسؤولية.
وتصف يومها قائلة: "ببقى ماشية في الشمس وتعبانة وبقول لنفسي اتحملي شوية.. هانت".

هند عواد عاملة دليفري
ومع نهاية اليوم، تشعر وكأنها استنفذت كل طاقتها، فتقول: "بحس إن مش اليوم هو اللي خلص.. أنا اللي خلصت مع اليوم".
ورغم أن عملها يعتمد على التنقل المستمر في الشوارع، فإنها تدرك حجم المخاطر التي تواجهها يوميًا، مؤكدة: "أنتي بتبقي شغالة على كف الرحمن في الطريق.. خطر وحوادث".
وقد تعرضت بالفعل لثلاث حوادث أثناء عملها، لكنها كانت تعود في كل مرة أكثر تمسكًا بالاستمرار، حتى عندما كانت تقرر في لحظات الإرهاق ألا تعود للعمل مرة أخرى.
وتكشف جانبًا آخر من معاناتها قائلة: "كل يوم لما أروح مجهدة أقول خلاص مش هروح الشغل ده تاني.. حاجة جوايا تقولي طب وبعد كده؟ والحل؟".

هند عواد تعمل دليفري في الهرم
ورغم أن دخلها ليس كبيرًا، فإنها ترى في كل جنيه إضافي فارقًا حقيقيًا يساعدها على مواجهة التزامات الحياة.
وتوضح: "حتى لو مرتبي مش كبير.. أي جنيه بيفرق معايا"، مضيفة: "لما يكون وراكي التزامات.. أي دخل زيادة بيفرق".
لكن الفقد كان الجرح الأعمق في رحلتها؛ فقدت شقيقها الذي كان سندها الأول، والذي كان يحمل همها منذ الصغر، ثم فقدت والدتها التي كانت آخر ما تبقى لها من الأمان.
تقول بصوت يملؤه الحنين: "مفيش حاجة كسرتني غير موت أخويا.. وبعدها وفاة أمي".
وتضيف: "أنا دلوقتي بقيت ماشية زي الرجل الآلي.. من جوه اتهدمت".

هند عواد في بداية يومها بالعمل
ورغم الألم، لا تزال تتذكر آخر وصايا والدتها قبل رحيلها، والتي أصبحت بمثابة دستور حياة لها.
تقول: "طبطبت عليا وقالتلي خلي بالك من نفسك.. واربطي وسطك ووقفي للدنيا".
وفي رحلتها اليومية، ترى وجهين للمجتمع؛ وجهًا يمنحها الدعم والتشجيع، وآخر لا يخلو من التنمر والسخرية.
وتقول: "في ناس بتدعيلي وتشجعني وتديني مية أشرب وأنا ماشية.. وناس بتتريق عليا وتقول يا تيتة".
لكنها تعلمت أن تتجاوز ذلك كله، وأن تمنح نفسها القوة التي افتقدتها بعد رحيل والدتها.
وتقول: "مفيش حد يطبطب عليا غير نفسي.. الحمد لله".

هند عواد والزميلة مرام محمد
وفي لحظات الصمت، تكشف عن أحلام بسيطة لكنها صادقة؛ تتمنى أن يوسع الله عليها في الرزق لتتمكن من مساعدة من حولها، خاصة البسطاء الذين تشعر بمعاناتهم كل يوم في الشوارع، كما تتمنى أن تؤدي العمرة.
وتقول: "نفسي ربنا يكرمني وأوسع على نفسي وأساعد الغلابة".
وفي لحظات التعب الشديد، تتمسك بإيمانها الذي يمنحها القدرة على مواصلة الطريق.
وتقول: "ببقى نايمة ومش متوقعة إني هقوم.. بس الحمد لله ربنا بيقويني وبصحى تاني يوم".

هند عواد خلال عملها في توصيل الطلبات
ورغم أنها تصف نفسها بأنها "أضعف خلق الله"، فإنها تؤمن أن القوة الحقيقية تأتي من التوكل على الله والتمسك بالحلال، مؤكدة: "الحلال أحسن وأشرف.. وكفاية إن الواحد بينام وضميره مرتاح".
وخلال حديثها لـ"اليوم السابع"، بدت هند عواد أكثر من مجرد سيدة تعمل في توصيل الطلبات؛ كانت نموذجًا لامرأة واجهت الفقد والوحدة وضيق الحال، لكنها اختارت ألا تستسلم وتكمل الطريق.
وبين شوارع الهرم وفيصل التي تجوبها يوميًا على سكوترها الصغير، تواصل كتابة حكاية كفاحها الخاصة، مستندة إلى إيمانها بأن الرزق الحلال يستحق التعب، وأن الغد قد يكون دائمًا أفضل من اليوم.