ذاكرة لا تموت.. كيلو عنب أعاده إلى جحيم الركام ليشاهد استشهاد عائلته.. أحمد عزام ينجو وحده من مجزرة تبتلع زوجته الحامل وطفله وإخوته و21 فردا من عائلته.. و 31 ألف طفل مهددون بالموت بسبب الجوع

الأربعاء، 10 يونيو 2026 08:00 م
ذاكرة لا تموت.. كيلو عنب أعاده إلى جحيم الركام ليشاهد استشهاد عائلته.. أحمد عزام ينجو وحده من مجزرة تبتلع زوجته الحامل وطفله وإخوته و21 فردا من عائلته.. و 31 ألف طفل مهددون بالموت بسبب الجوع أحمد عزام وعائلته

كتب أحمد عرفة

 

<< "أين أبي وأمي وإخوتي؟".. سؤال جود الذي يطارد أحمد عزام بعد نجاته من قصف محا عائلته بالكامل

<< أحمد عزام: فقدت زوجتي الحامل وطفلي ووالدي وإخوتي في لحظة واحدة ولم يبق لي سوى جود

<< الدفاع المدني بغزة: استهداف المنازل لا يقتل السكان فقط بل يقتلع الإحساس بالأمان من جذوره

<< جود عزام.. طفلة خرجت من تحت الأنقاض لتواجه اليتم والحروق وحدها

<< مسئول بالمرصد الآورومتوسطي: الأرقام الصادمة لضحايا الأطفال تكشف وجها خطيرا من الإبادة الجماعية

في غزة، لا تنتهي المأساة عند سقوط الصاروخ، بل تبدأ من هناك، من بين الركام، والأسماء التي تتحول فجأة إلى صور وذكريات، والناجين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة فراغ هائل صنعته الحرب في لحظة واحدة، هكذا تبدلت حياة الفلسطيني أحمد عزام، الذي وجد نفسه في مساء 14يوليو 2025 أمام مشهد يفوق قدرة القلب على الاحتمال، بعدما استهدف قصف إسرائيلي منزل عائلته في غزة، ليفقد في دقائق معدودة معظم أفراد أسرته، ويصبح الناجي الذي يحمل وحده ذاكرة الفقد وعبء الحكاية.

عائلة أحمد عزام
عائلة أحمد عزام

 

يستعيد أحمد تفاصيل تلك الليلة بصوت مثقل بالحزن، قائلا في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع": كان الوقت يقترب من السابعة مساء، وكنا داخل منزلنا، ومعنا عائلات نازحة لجأت إلينا هربا من القصف، ظنا منها أن البيت سيكون أكثر أمانا، لكن الصاروخ سقط علينا من دون أي إنذار، وفي لحظة واحدة تحول كل شيء إلى ركام".

أحمد عزام
أحمد عزام

 

لم يكن القصف مجرد استهداف لمنزل، بل كان اقتلاعا كاملا لشجرة عائلة بأغصانها وأحلامها وأعمارها المختلفة، حيث فقد أحمد والده ناهض حسن عزام، البالغ من العمر 65 عاما، وشقيقه محمد وزوجته، كما فقد زوجته التي كانت تحمل في أحشائها جنينا في شهره السابع، وطفله البكر كريم، الذي لم يكن قد تجاوز عامه الأول ونصف العام.

 

دموع العم

وبين دموعه، يروي أحمد كيف امتدت الفاجعة لتطال أشقاءه وأبناءهم وأبناء عمومته، ليصل عدد من فقدهم إلى 21 شهيدا، معظمهم من الأطفال والنساء وكبار السن : فقدت أبي، وإخوتي، وزوجتي، وابني، وأبناء إخوتي، وبنات عمي، كما فقدت البيت بمن فيه، وكل زاوية فيه تحمل ذكرى أصبحت الآن تحت الركام.

وسط هذا الخراب كله، خرجت طفلة واحدة من قلب المأساة، تحمل في جسدها آثار الموت الذي نجا منها بأعجوبة، هي الطفلة جودي حسام عزام، ذات الأعوام التسعة، كانت الناجية الوحيدة من أسرتها الصغيرة، بعد أن فقدت والدها ووالدتها وإخوتها دفعة واحدة، لتجد نفسها يتيمة في مواجهة إصابات بالغة غيرت ملامح طفولتها إلى الأبد، وأصبح عمها أحمد الوصي الشرعي عليها، بعدما وجد نفسه مسؤولا عن ما تبقى من العائلة.

في الحروب، قد تفصل دقائق معدودة بين حياة كاملة وخراب كامل، دقيقة واحدة قد تغير مصير إنسان إلى الأبد، وتحوله من زوج وأب وابن وأخ، إلى شاهد وحيد على مجزرة ابتلعت عائلته بأكملها، قبل 14 يوليو 2024، خرج أحمد عزام في مساء عادي من أيام الحرب ليشتري كيلو جرام من العنب لأسرته، قبل أن يعود بعد دقائق إلى مشهد لا يشبه إلا القيامة، منزل مدمر، أجساد متناثرة، وأسماء أحبته تتحول فجأة إلى شهداء.

صورة تجمع العائلة الشهيدة
صورة تجمع العائلة الشهيدة

 

كان ذهابه لشراء كيلو العنب سببا في نجاته وهو لم يعلم، حيث يتحدث أحمد عزام تفاصيل تلك الليلة بصوت يختلط فيه الألم بالذهول :" "مساء يوم الاثنين، 14 يوليو ، كنت أجلس بجانب والدي، وزوجتي الحامل، وطفلي كريم، وزوجة أخي شهد، وأطفالها أسامة وراتب، في حديقة المنزل، في واحدة من أصعب أيام الحرب، قلت لهم: "لا تتحركوا، سأذهب سريعا لأشتري كيلو عنب لتأكلوا".

لم تكن رحلة قصيرة لشراء فاكهة، بل كانت الرحلة التي فصلت بين أحمد وبين حياته كما عرفها، حيث يضيف: "خرجت على عجل بدراجتي الهوائية حتى ألحق البائع قبل أن يغادر، وما إن وصلت إليه وطلبت منه أن يزن لي كيلو عنب، حتى سمعت انفجارا ضخما هز المكان، التفت فورا، فرأيت أعمدة الدخان تتصاعد من جهة بيتنا".

في تلك اللحظة، يقول أحمد إنه شعر بأن قلبه سبق جسده إلى هناك، :"أصابني قلق شديد، شعرت فورا أن بيتنا هو الذي قُصف"، فلم يكن المنزل يضم أسرته فقط، بل كان مأوى لعشرات النازحين من أفراد العائلة، هربوا من مناطق أكثر خطورة، بحثا عن مكان يظنون أنه أكثر أمنا.

 

ويضيف : "كان لدينا بيتان وبينهما حديقة كبيرة، وكان في البيت عائلة عمي زياد النازحة من حي الزيتون، وأقارب زوجتي، وأبناء عمتي، وأبناء عمومتي، وأطفال كثيرون، أكثر من 50 شخصا كانوا هناك"، خلال دقائق قليلة، وصل أحمد إلى المكان، لكن البيت لم يعد بيتا، حيث يضيف : "وصلت قبل أن يختفي دخان الصاروخ، بدأت أصرخ: أين أبي؟ أين زوجتي؟ أين ابني؟ وعندما انقشع الدخان رأيت المشهد الذي لن أنساه ما حييت".

مجازر الاحتلال في غزة والضحايا أرقام مهولة
مجازر الاحتلال في غزة والضحايا أرقام مهولة

 

ماذا يعني استهداف منزل في غزة؟

ويوضح محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، تأثير استهداف الاحتلال لمبنى داخل القطاع على الأسر، مشيرا إلى أن هذا يعني فقدان المأوى وتشريد العائلات وبقاؤهم دون مكان آمن للسكن، واستشهاد أو إصابة أفراد من الأسرة وما يرافق ذلك من صدمات نفسية عميقة، بالإضافة إلى فقدان الممتلكات والأثاث والوثائق الرسمية وكل ما تملكه العائلة.

ويضيف أن استهداف مبنى يتسبب في انهيار الشعور بالأمان والخوف الدائم من تكرار القصف، وتشتت الأسر بين مراكز الإيواء أو منازل الأقارب، وتوقف الأطفال عن التعليم بسبب النزوح أو الدمار، وزيادة المعاناة الصحية نتيجة نقص الدواء والغذاء والمياه النظيفة، وخسارة مصدر الرزق إذا كان المنزل مرتبطا بعمل أو مشروع للعائلة، بجانب أضرار نفسية طويلة الأمد مثل القلق والاكتئاب واضطرابات النوم لدى الأطفال والكبار.

ويشير إلى أن استهداف أي منزل أو مبنى يؤدى إلى تضرر العلاقات الاجتماعية والمجتمعية بسبب فقدان الجيران والأقارب والنزوح المستمر، والضغط الإنساني الكبير على مراكز الإيواء والخدمات الأساسية، وكذلك شعور العائلات بالعجز والحزن المستمر نتيجة فقدان الاستقرار والحياة الطبيعية.

ضحايا الحرب على غزة
ضحايا الحرب على غزة

 

يتوقف أحمد قليلا، وكأن الكلمات تخونه أمام هول المشهد الأصعب والذي يتذكره خلال حديثه معنا، قائلا: "رأيت والدي ملقى على بعد نحو 15 مترا من مكانه، وبجانبه زوجتي الحامل، وطفلي كريم، وزوجة أخي وأطفالها، وآخرون من العائلة، جميعهم قذفهم الصاروخ بعيدا عن مكان جلوسهم في الحديقة."

تحولت اللحظات التالية إلى سباق مع الموت، حيث بدأ الأهالي والجيران بمحاولة انتشال الأحياء من تحت الأنقاض، حيث يحكى هنا اللحظات الأولى بعد القص :" بدأ الناس يساعدوننا، وظللنا نخرج من تحت الركام من بقي حيا أو شهيدا، كانت اللحظات ثقيلة، وكأن الزمن توقف"، ووسط كل هذا الدمار، كانت الطفلة جودي، ابنة شقيقه حسام، هي المعجزة الوحيدة.

 

انتشار الجثامين تحت الأنقاض

خروج الجثامين من تحت الركام ليست بالعملية السهلة، ففي 22 أبريل، حذرت المديرية العامة للدفاع المدني في غزة،  من التداعيات الصحية الخطيرة التي تواجه المواطنين بالقطاع في ظل ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة، بسبب انتشار جثامين الشهداء التي ما تزال تحت أنقاض المباني التي دمرها الاحتلال والجثامين المدفونة في أماكن عشوائية بين خيام النازحين ومراكز الإيواء.

وأضافت المديرية في بيان لها، أن تحلل الجثامين مع ارتفاع الحرارة يسرع في انتشار العمليات البيولوجية والكيميائية، مما يترتب عليه آثار صحية وبيئية ونفسية لا سيما مع تراكم المخلفات الصحية وانعدام وسائل ومقومات النظافة، مطالبة الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية بالتدخل العاجل للضغط على الاحتلال من أجل ادخال المعدات والآلات الخاصة بانتشال جثث الشهداء ونقلها إلى مقابر خارج المناطق السكنية.

يعدد أحمد عزام الذين استشهدوا بعد قصف البيت هم والده ناهض حسن عزام 65 عاما، وزوجته دعاء زياد حسن عزام 22 عاما حامل سبعه شهور، وابنه كريم أحمد ناهض عزام سنة ونصف، وزوجة شقيقه شهد صبحي الصيفي 25 عاما، وابنها الطفل راتب محمود ناهض عزام عام ونصف، وشقيقه محمد ناهض حسن عزام 35 عاما وزوجته مريم بلال الرملاوي، وشقيقه حسام ناهض حسن عزام 38 عاما والد الطفلة المصابة جودي، ووالدتها ديانا ناصر حسن عزام 33 عاما، وأشقاء جودي وهم عبد الرحمن حسام ناهض عزام 13 عاما، ولانا حسام ناهض عزام 15 عاما.

 

كما استشهد بنات عمه لاره ناصر حسن عزام 31 عاما، ومي ناصر حسن عزام 35 عاما، وسارة زياد حسن عزام 19 عاما، ولينا زياد حسن عزام 25 عاما، واستشهدت وهي حامل في الشهر الثالث، والطفلة لينا أمير عزام سنة ونصف، وابن عمه مؤمن زياد حسن عزام 27 عاما، وزوجة ابن عمته نرجس عزام وطفلها كنان البالغ عام من عمره، وابنه ابن عمي هبه علاء ناصر عزام سنة ونصف .

عائلة أحمد عزام بعد استشهادها
عائلة أحمد عزام بعد استشهادها

 

واقع مأساوي لأطفال غزة

عدد كبير من الأطفال استشهدوا في هذا القصف، لتكشف هذه الحرب حجم المجازر البشعة التي ارتكبها الاحتلال ضد تلك الفئة داخل القطاع، وهو ما تطرقت له مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان في غزة، خلال بيان لها في 5 أبريل، والتي أكدت أن هؤلاء الأطفال تحولت حياتهم اليومية إلى معاناة مركبة من القتل، والإصابة، والحرمان، وفقدان الأمان، في مخالفة لأبسط الحقوق الأساسية المكفولة لهم بموجب القانون الدولي الإنساني، واتفاقية حقوق الطفل، وكافة المواثيق الدولية ذات الصلة.

جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة
جرائم الاحتلال خلال عامين من الحرب على غزة


وأوضحت المؤسسة أن الأطفال في القطاع كانوا الضحية الأبرز للعدوان المستمر منذ 7 أكتوبر 2023، إذ بلغ عدد الأطفال الشهداء أكثر من 18,500 طفل حتى شهر مارس من العام 2026، مع استمرار ارتفاع الأعداد بشكل يومي في ظل القصف المتواصل،  من بينهم أطفال رضع "أقل من عام" 916 شهيدا، كما توفوا بسبب سوء التغذية 95 طفلا ، كما تشير تقارير من وكالة الأونروا بأن حوالي 55,000 طفل دون الخامسة في غزة يعانون من سوء تغذية، بينهم حوالي 12,800 حالة مصنفين ضمن المرحلة الخطيرة .وتشكل هذه الأرقام مؤشرا صادما على حجم الاستهداف المباشر وغير المتناسب للأطفال.

 

وأشارت إلى أن العدوان خلف آلاف الأطفال المصابين بإعاقات دائمة، في ظل تقديرات تشير إلى وجود أكثر من 21 ألف طفل في غزة يعانون من إعاقات نتيجة الإصابات البليغة، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من انهيار شبه كامل وعدم القدرة على تقديم خدمات إعادة التأهيل اللازمة.

الأطفال الضحايا في غزة
الأطفال الضحايا في غزة

 

وأضافت أن الأطفال لا يزالون عرضة لانتهاكات جسيمة، حيث يقدر وجود نحو 350 طفل فلسطيني في سجني مجدو وعوفر، فيما تجاوز عدد الذين تعرضوا للاعتقال منذ بداية العدوان أكثر من 5 ألاف طفل، وسط ظروف احتجاز قاسية وحرمان من ضمانات المحاكمة العادلة .
ولفتت المؤسسة إلى أن أطفال غزة يعيشون كارثة إنسانية غير مسبوقة في المجال الصحي، حيث تشير المعلومات إلى وجود نحو 4,000 طفل مريض أو مصاب بحاجة ماسة للعلاج خارج القطاع، في ظل إغلاق المعابر ومنع الإجلاء الطبي المنتظم، كما يعاني عشرات الآلاف من الأطفال من أمراض مزمنة وسوء تغذية حاد نتيجة الحصار ونقص الغذاء والدواء.
وعلى صعيد الحماية الاجتماعية، ذكرت المؤسسة، أن الحرب أفرزت أعدادا هائلة من الأطفال الأيتام، حيث تشير التقديرات الإنسانية إلى وجود عشرات الآلاف من الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، ما يضعهم في دائرة هشاشة متفاقمة، ويهدد مستقبلهم النفسي والاجتماعي، مؤكدة أن هذه الوقائع مجتمعة تعكس نمطا ممنهجا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الطفل، بما في ذلك الحق في الحياة، والصحة، والتعليم، والحماية، وهي حقوق غير قابلة للتصرف بموجب اتفاقية حقوق الطفل والقانون الدولي الإنساني.

 

إبادة جماعية

هنا تؤكد ليما بسطامي، مديرة الدائرة القانونية  للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أن الأعداد الهائلة من الأطفال الفلسطينيين الذين استشهدوا أو أُصيبوا أو تعرضوا لصدمات نفسية شديدة أو جاعوا أو حُرموا بشكل منهجي من حقوقهم الأساسية خلال العدوان الإسرائيلي على غزة، لا يمكن اعتبارها أضرارا جانبية أو نتائج عرضية للحرب.

وتضيف، أنه لم ينج أي طفل في غزة من تهديد مباشر لحياته أو كرامته أو مقومات بقائه، في ظل الهجمات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة التي لا تستثني منزلا ولا القطاع ولا حتى ما يسمى "منطقة آمنة" ولا مرفقا مدنيا.

وتشير أنه وفقا لاتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948 ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تُرتكب جريمة الإبادة عندما تُقترف أفعال محددة بهدف تدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية، كليا أو جزئيا، وفي غزة، حيث يشكل الأطفال أكثر من نصف عدد السكان، فإن الاستهداف المتكرر لهم، وقتلهم وإصابتهم بأعداد هائلة، والتسبب في إعاقات دائمة، وحرمانهم المنهجي والمستمر من مقومات الحياة الأساسية كالغذاء والماء والرعاية الصحية والمأوى والملبس والتعليم، يضرب في جوهر قدرة الجماعة الفلسطينية على البقاء، ويقوّض استمراريتها المادية والبيولوجية والاجتماعية عبر الأجيال، وهذا يمثل أحد أخطر أشكال الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل هناك.

خسائر حرب الإبادة الجماعية في غزة
خسائر حرب الإبادة الجماعية في غزة


في غزة، لا تسرق الحرب الأرواح فقط، بل تسرق التفاصيل الصغيرة أيضا، جلسة عائلية، ضحكة طفل، يد أب، وانتظار زوجة لولادة طفل لم ير النور أبدا، وبين كل ذلك، يبقى الناجون مثل أحمد عزام يحملون ما هو أثقل من الفقد، ذاكرة لا تموت.

لم تكن الطفلة جود عزام تعلم أن ليلة 14 يوليو الماضي ستغير كل شيء في حياتها، ففي لحظات قليلة، تحول منزلها في غزة من مساحة دافئة تعج بالحياة إلى كومة من الركام والصمت الثقيل، هناك، تحت الأنقاض، بدأت حكاية أخرى، حكاية نجاة مؤلمة، دفعت ثمنها طفولة كاملة.

حين وصلت جود إلى المستشفى، لم تكن تبكي فقط من الألم، بل من الفقد، جسدها الصغير كان مغطى بحروق عميقة، بعضها من الدرجة الثانية والثالثة، وآثار الانفجار بدت واضحة على ملامحها التي لم تعد تشبه طفلة كانت، حتى وقت قريب، تركض بين أفراد عائلتها، لم يكن أحد من أهلها إلى جوارها هذه المرة، فالجميع رحلوا في القصف نفسه، وبقيت هي وحدها، شاهدة على ما حدث.

الطفلة جود عظام بعد تعرضها لحروق
الطفلة جود عظام بعد تعرضها لحروق

 

الأطباء الذين استقبلوا جود في أحد مستشفيات غزة لم يخفوا صعوبة حالتها، لكن ما كان أثقل من الإصابات الجسدية هو ذلك الفراغ الإنساني الذي يحيط بها، طفلة بلا عائلة، بلا صوت يناديها باسمها، وبلا يد تمسك بيدها وهي تحاول فهم ما جرى، كانت نظراتها، كما وصفها أحد الممرضين، "أكبر من عمرها بكثير"، وكأنها تختزن وجعا لا يمكن لطفلة أن تتحمله.

ظلت جود لساعات تحت الركام، محاصرة بين الغبار والنار، قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشالها بصعوبة، وفي أروقة المستشفى، حاولت الطفلة التمسك بالحياة، بينما عمل الأطباء بما لديهم من إمكانيات محدودة لإنقاذها، لكن في كل ضمادة توضع على جرح، هناك جرح آخر لا يُرى، جرح الفقد الذي لا يمكن علاجه بسهولة.

جود عزام
جود عزام

 

أطفال بين اليتم والنزوح وسوء التغذية

وسلط المكتب الإعلامي الحكومى بغزة، خلال إحصائياته التي نشرها في 5 أبريل، الضوء على الكارثة الإنسانية التي يعاني منها أطفال القطاع خلال الشهور الماضية، حيث إن هناك 3,700 طفل عولجوا من سوء التغذية في فبراير 2026، بينهم 600 حالة حرجة، وهناك 31,000 طفل مهددون بالموت بسبب الجوع، لافتا إلى أن هناك 1.4 مليون نازح، بينهم آلاف الأطفال بلا مأوى.

وأشار إلى أن الحرب الإسرائيلية تسببت في تدمير 179 مدرسة حكومية، وتضرر 100 مدرسة للأونروا، واصبح هناك 700,000 طالب محرومون من التعليم، و39,000 حرموا من التوجيهي، كاشفا عن وجود 1.1 مليون طفل بحاجة لدعم نفسي، بجانب انتشار واسع للأمراض مثل الإسهال واليرقان بين تلك الفئة.

يتحدث أحمد عزام عن اللحظات الأولى لإصابة ابنة شقيقه: "كانت جودي تمسك بيد خالتها لاره لحظة القصف، لاره استشهدت في مكانها، أما جودي فقد قذفها الانفجار لمسافة تقارب 50 مترا إلى الشارع العام، لكن النجاة لم تكن بلا ثمن"، وصلت الطفلة إلى المستشفى وهي تحمل إصابات كارثية، حيث يضيف :" كانت مصابة بكسور في اليدين والرجلين، وكسر في الجمجمة والجبهة، وعيناها ممزقتان، وجسدها محترق بالكامل تقريبا، فقدت والدها ووالدتها وإخوتها جميعا، وبقيت وحدها".

الأطباء، بحسب أحمد، لم يتوقعوا أن تنجو، حيث أكدوا له أنهم يتعاملون معها كأنها في حكم الميتة، وقد لا تصمد أكثر من يومين، لكن الطفلة قاومت، فبعد يومين من الغيبوبة، فتحت عينيها على حقيقة أقسى من جراحها، فيقول عمها : "عندما أفاقت، كنت قد انتهيت من دفن عشرين شهيدا من عائلتي، أول ما سألته: أين أبي؟ أين أمي؟ أين إخوتي؟ ولم أكن أملك جواباً يخفف عنها الحقيقة".

آلاف المصابين في غزة ينتظرون العلاج
آلاف المصابين في غزة ينتظرون العلاج

 

تحذيرات طبية لأوضاع الأطفال الصحية

في هذا السياق، يحذر الدكتور أحمد الفرا، مدير قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي من تفاقم الأوضاع الصحية للأطفال في غزة، مشيرا إلى أن ️سوء التغذية لا يزال يشكل تهديدا خطيرا للأطفال، إلى جانب انتشار واسع للأمراض المعدية والبيئية.

انهيار المنظومة الصحية في غزة
انهيار المنظومة الصحية في غزة

 

ويضيف، أن عيادة سوء التغذية في مجمع ناصر تستقبل 75 طفلا رغم أن قدرتها الاستيعابية لا تتجاوز 30 حالة، لافتا إلى أن ️نحو 50% من الحالات الحالية تعاني من سوء تغذية متوسط، بعد أن كانت النسبة تصل إلى 75% من سوء التغذية الشديد خلال ذروة المجاعة.

ويوضح أن ما بين 60% إلى 70% من الأطفال في غزة يعانون من فقر الدم، إضافة إلى نحو 60% من النساء الحوامل، لافتا إلى أن ️منع إدخال البيض والخضروات والفواكه أدى إلى نقص شديد في مصادر الغذاء الأساسية والبروتينات الطبيعية، وعدم استقرار توفر حليب الأطفال تسبب باضطرابات صحية تشمل التهابات الأمعاء والإسهال والحساسية والطفح الجلدي.

الطاقة الاستيعابية للمستشفيات في غزة
الطاقة الاستيعابية للمستشفيات في غزة

 

▪ويشير إلى أن هناك انتشار واسع لمرض الجدري بين الأطفال، مع تسجيل مضاعفات خطيرة وصلت إلى التهاب الدماغ وحالات شبيهة بالغيبوبة، بالإضافة إلى تزايد غير مسبوق في إصابات القوارض والحشرات، مع تسجيل آلاف الحالات في مختلف مناطق القطاع.

 

رحلة علاج طويلة
 

دخلت جود رحلة علاج طويلة وشاقة، حيث عمليات متعددة، صفائح معدنية داخلية وخارجية لتثبيت الكسور، استئصال للطحال، وعلاج طويل للحروق التي غطت جسدها، لكن آثار الحرب لم تتوقف عند الجروح الظاهرة، فيشرح أحمد عزام :" الحروق تركت تشوهات قاسية في جلدها، وعينها ما زالت بحاجة لعلاج، وفقدت حاسة الشم. حتى نفسياً، الطفلة تعاني كثيرا، تخجل من تبديل ملابسها أمام أي أحد، وترفض ارتداء الملابس القصيرة حتى في الصيف بسبب آثار الحروق".

صرخات المصابين في غزة
صرخات المصابين في غزة

 

وبصفته عمها ووصيها الشرعي، لم يتوقف أحمد عن البحث عن فرصة علاج لها، فبعد شهور طويلة من الانتظار، حصلت جودي على تحويلة طبية وغادرت إلى مصر في أبريل 2026، فيقول :" وصلنا إلى مستشفى الصالحية الجديدة بمحافظة الشرقية، وأجروا لها الفحوصات اللازمة، وكتب أطباء العيون والأنف والجلدية تقارير عن حالتها."

الناجية الوحدة من الركام
 


ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع" :" جود حسام ناهض عزام، ذات التسعة أعوام، خرجت من تحت الأنقاض لتكون الناجية الوحيدة، لكنها خرجت مثقلة بالفقد، فقدت والديها وكل أفراد أسرتها، وأصبحت يتيمة في لحظة قاسية لا يمكن لطفلة أن تستوعبها، متابعا: "أنا وصيها الشرعي الآن، وهي أمانة في عنقي".
يوضح أحمد عزام الحالة الصحية للطفلة قائلا: "أبلغتنا إدارة المستشفى، بعد إجراء الفحوصات اللازمة، أنها بحاجة إلى عمليات جراحية دقيقة في العين، وقد فقدت حاسة الشم، فضلا عن حاجتها إلى عدة عمليات تجميل في الوجه ومناطق مختلفة من الجسد نتيجة الحروق البالغة التي تعرضت لها".
ويضيف بصوت يختلط فيه العجز بالأمل: "جسدها مليء بالحروق، وملامحها الصغيرة تغيرت من شدة الإصابة، هي تتألم كثيرا، وتحتاج إلى علاج طويل ومعقد، لكن الجميع أخبرني أن هذه العمليات مكلفة للغاية، وأن فرص علاجها الأفضل تكون خارج البلاد".

الألم لا يقتصر على الجسد فحسب، بل يمتد إلى أعماق النفس، حيث يضيف بصوت يختلط فيه الأسى بالصبر: “جود لم تعد كما كانت، صامتة أغلب الوقت، تنظر حولها وكأنها تبحث عن عائلتها، لا تسأل كثيرا، لكنها تحمل في عينيها أسئلة لا إجابة لها".

لم يعد أحمد يطلب شيئا لنفسه، بعدما فقد كل ما كان يملكه من أهل وبيت وأمان، بل بات همه الوحيد أن ينقذ جودي من الألم، ويمنحها فرصة للحياة، بعدما نجت من الموت بأعجوبة، ففي غزة قد تنتهي الغارة في دقائق، لكن آثارها تبقى لسنوات طويلة، في وجوه الأطفال، وفي أجساد الناجين، وفي ذاكرة من بقوا يحملون أسماء أحبتهم كجرح مفتوح لا يلتئم، أما عم الطفلة فلم يعد يحمل من منزله سوى الحكاية، ومن عائلته سوى الوجع، ومن المستقبل سوى رجاء واحد، أن تجد ابنة شقيقه علاجا يعيد لها شيئا من طفولتها التي سرقتها الحرب.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة