يقدم الفنان وليد نايف فى معرضه الأخير «وليد اللحظة» تجربة بصرية تقوم على التأمل فى الزمن، واستعادة قيمة اللحظات العابرة بوصفها جزءا أصيلا من تكوين الإنسان وذاكرته، يعتمد المعرض على التلقائية، والملمس، والتكوينات الحرة، ويمنح الخامة حضورا واضحا داخل اللوحة، من خلال الخدوش والكشط والطبقات اللونية التى تتحول إلى علامات بصرية على أثر الزمن.
فى هذا الحوار، يتحدث وليد نايف عن فكرته الأساسية فى المعرض، وعلاقته باللحظة، وأقرب الأعمال إلى قلبه، وتفاعل الجمهور مع التجربة، إضافة إلى التحديات الفنية والتقنية التى واجهته أثناء التحضير، وخططه المقبلة فى التجريب التشكيلي.
وإلى نص الحوار:
ما الفكرة أو الرسالة الأساسية التى سعيت إلى إيصالها من خلال معرضك الأخير؟
المعرض دعوة لإعادة النظر فى علاقتنا بالزمن، نحن نعيش فى ركض مستمر، بينما تكمن الحقيقة فى العبور نفسه، وفى تلك اللحظات التى نمر بها ونترك داخلها أثرا ما، أردت أن أقدم بصريا فكرة أن «الآن» كائن حى يولد ويموت فى اللحظة نفسها، وأن كل لحظة عابرة تحمل داخلها معنى يستحق التأمل.
وتقوم الرسالة الأساسية فى المعرض على تفكيك الأثر وإعادة تشكيله، فكل كشط أو خدش أو طبقة لونية على سطح اللوحة تمثل محاولة لتوثيق هذا الوجود السريع. أنا أتعامل مع اللوحة بوصفها بيانا بصريا يقول إننا كنا هنا، وإن اللحظات الهاربة تشكل جانبا كبيرا من جوهرنا الإنسانى.
هل هناك عمل فنى فى المعرض يعد الأقرب إلى قلبك.. ولماذا؟
كل لوحة فى المعرض تمثل قطعة من «يومياتى البصرية»، لكننى أميل إلى الأعمال التى يظهر فيها «الارتجال الواعى» فى أوضح صوره، أقصد تلك اللوحات التى تبدأ بفكرة هندسية صارمة، ثم تتمرد عليها الريشة فى لحظة انفعال، لتخلق واقعا بصريا جديدا.
اللوحات التى تسيطر عليها الألوان الأرضية، مثل الصدأ والتراب والطين، لها مكانة خاصة عندى، لأنها تذكرنى بأن الفن المعاصر متصل بجذورنا الأولى، وبذاكرة المكان والإنسان، هذه الأعمال تربط بين ذاكرة نينوى والموصل وشوارع القاهرة ونقوش الإنسان القديم، وكأننى أبحث من خلالها عن الخامة الأولى للروح.
لوحة من معرض وليد اللحظة
اللوحات الفنية
كيف تقيم تفاعل الجمهور مع المعرض؟ وهل كانت ردود الفعل متوقعة بالنسبة لك؟
تفاعل الجمهور فاجأنى بعمقه، الجمهور لم يكتف بالمشاهدة، بل اندمج فى اللوحات، وبدأ يتعامل معها كمساحة شخصية للتأمل، كنت أتوقع أن تثير فكرة الخدوش بعض الأسئلة، لكننى وجدت أن المتلقين ربطوا بينها وبين تجاربهم الخاصة وندوبهم الداخلية.
اللوحة فى «وليد اللحظة» تكتمل حين يقف المشاهد أمامها ويمنحها زمنه الخاص، عند هذه النقطة تتحول اللوحة من عمل فنى صامت إلى حوار حي. هذا التماس الوجدانى كان أكبر مكافأة لى، لأنه أكد أن الفكرة التى يطرحها المعرض تنتمى إلى إحساس إنسانى مشترك.
ما أبرز التحديات التى واجهتك أثناء التحضير لهذا المعرض وكيف تعاملت معها؟
أكبر تحدٍ كان الحفاظ على عفوية اللحظة داخل بناء أكاديمى رصين. بحكم دراستى لسينوغرافيا السينما؛ لدى ميل واضح إلى التخطيط والبناء الهندسى، لكن «وليد اللحظة» كان يتطلب منى كسر هذه الصرامة والذهاب إلى مساحة أوسع من الارتجال.
كذلك مثّل التعامل مع خامة الأكريليك تحديا تقنيا، بسبب سرعة جفافها، فكان على اتخاذ قرارات بصرية حاسمة فى ثوان، كما تطلب التعامل مع المساحات البيضاء مجهودا ذهنيا كبيرا، حتى تتحول إلى جدران زمنية تحمل عبق الماضى وحيرة الحاضر، مع الحفاظ على تنوع التجربة البصرية داخل المعرض.
معرض وليد اللحظة
لوحة من معرض وليد اللحظة
معرض الفنان وليد نايف
ما أبرز خططك المستقبلية؟ وهل تعمل حاليا على مشاريع معارض جديدة؟
الفنان يظل فى حالة بحث مستمر، ومعرض «وليد اللحظة» مشروع ممتد فتح أمامى أبوابا جديدة للتجريب. وأخطط حاليا للتعمق فى دراسة «تاريخ الملمس»، وكيف تؤثر عوامل الزمن فى الأسطح والجدران، وكيف يمكن نقل هذا الإحساس إلى لوحات أكبر حجما أو إلى أعمال تركيبية تستفيد من خلفيتى كمهندس مناظر.
وهناك أفكار لمعرض قادم يركز على «الفراغ» بوصفه عنصرا فاعلا داخل العمل الفنى، لكننى أترك نفسى حاليا لهذه اللحظة التى أعيشها وأتأملها بعمق، لأرى إلى أين سيقودنى مشروعى الفنى فى المستقبل.

العدد الورقي