لم تكن بحيرة قارون يوماً مجرد مسطح مائي يمتد في قلب الصحراء، بل كانت على مر العصور حكاية بقاء، ومصدر رزق لآلاف الأسر، ومحمية طبيعية تروي عطش الأرض للجمال. لكن، ومع تعاقب العقود، أثقلت كاهل البحيرة ترسبات التلوث وأوجاع الإهمال، حتى كادت أن تفقد هويتها البيولوجية. اليوم، وفي مشهد يعكس إرادة الدولة المصرية الحديثة، تتحول "قارون" من بؤرة للتحديات البيئية إلى مشروع قومي لإعادة الحياة، إنها ليست مجرد خطة تقنية، بل هي استجابة إنسانية لنداء الصيادين الذين جفت شباكهم، ولأهالي القرى الذين انتظروا طويلاً ليروا بحيرتهم بكرًا كما كانت. خلف هذه التحركات، توجيهات رئاسية حاسمة لا تقبل التأجيل، تقودها الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، لتثبت أن استعادة التوازن البيئي هي حجر الزاوية في بناء "الجمهورية الجديدة".
"قارون" على طاولة التنفيذ
في اجتماع رفيع المستوى، جمع بين الرؤية الوزارية والواقع الميداني، استقبلت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، الدكتور محمد هانئ غنيم، محافظ الفيوم. لم يكن اللقاء بروتوكولياً لتجديد التهنئة للمحافظ بمناسبة منصبه الجديد فحسب، بل كان "غرفة عمليات" لمتابعة أدق تفاصيل الموقف التنفيذي لخطة إعادة التوازن البيئي للبحيرة.
أكدت الوزيرة أن ملف بحيرة قارون يتربع على رأس قائمة الأولويات الحكومية، تنفيذاً لتكليفات القيادة السياسية التي وضعت استعادة البحيرات المصرية في قلب استراتيجية مصر 2030. وأوضحت أن الهدف ليس فقط التنظيف أو التطهير، بل خلق "نظام بيئي مستدام" يجمع بين الحماية البيئية، والتنمية الاقتصادية، وتحسين جودة حياة المواطن الفيومي.
الاستثمار في البيئة 450 مليون جنيه لمعالجة الصرف الصناعي
يعد التلوث الصناعي العدو الأول لبحيرة قارون، ومن هنا كان التحرك نحو منطقة "كوم أوشيم". استعرض الاجتماع التقدم الملموس في مشروع إعادة تأهيل محطة معالجة الصرف الصناعي بالمنطقة، والتي تبلغ طاقتها التصميمية 19 ألف متر مكعب يومياً، وجهت الدكتورة منال عوض بسرعة توفير التمويل اللازم لاستكمال المشروع، مشددة على أن كل يوم تأخير يعني عبئاً بيئياً إضافياً تتحمله البحيرة.
ثورة في البنية التحتية الصرف الصحي يغطي 86% من المحافظة
لطالما كان الصرف الصحي المنزلي يمثل تحدياً كبيراً نتيجة صرفه غير المعالج في البحيرة. الاجتماع كشف عن طفرة كبرى في هذا الملف من خلال برنامج تطوير خدمات الصرف الصحي الممول من شركاء التنمية الأوروبيين، والذي يستهدف خدمة 1.9 مليون مواطن.
بجانب ذلك، تبرز المبادرة الرئاسية "حياة كريمة" كبطل حقيقي في مركزى "إطسا ويوسف الصديق". حيث يتم تنفيذ وتوسعة 10 محطات معالجة تخدم المصارف المؤدية للبحيرة، وإنشاء 4 محطات لوادي الريان. والنتيجة المرتقبة هي تغطية خدمات الصرف الصحي بنسبة 86% على مستوى المحافظة، مما يعني تجفيف منابع التلوث التاريخية للبحيرة بشكل شبه كامل.
6 ملايين زريعة تعيد الأمل للصيادين
البعد الإنساني في هذا التحقيق يتجسد في "الجمبري وأسماك موسى". فبعد سنوات من الركود، بدأت جودة مياه البحيرة في التحسن النسبي، مما سمح باستئناف نشاط الصيد.
في أغسطس 2025، شهدت البحيرة حدثاً فارقاً بإطلاق 6 ملايين وحدة من زريعة الجمبري، تبعها إنزال 215 وحدة من أمهات أسماك موسى. هذه الخطوات ليست مجرد أرقام، بل هي "قُبلة الحياة" لآلاف الصيادين الذين عادوا لممارسة مهنتهم بكرامة، مع خطة مستقبلية لتعزيز التنوع السمكي بما يضمن تحسين الدخل ورفع مستوى المعيشة.
الاستثمار الصناعي والوعي المجتمعي ثنائية الحل
لم يتوقف الاجتماع عند المعالجة فقط، بل اتجه نحو الاستثمار الإنتاجي، حيث نوقش مقترح إنشاء مصنع لاستخراج الأملاح بالقطاع الشمالي للبحيرة. ووجهت الوزيرة بإعداد دراسة بيئية دقيقة لضمان أن يكون المشروع إضافة للاقتصاد وليس عبئاً على البيئة.
كما شددت الدكتورة منال عوض على "الوعي"، من خلال إطلاق حملات توعوية مكثفة للتخلص الآمن من الحيوانات النافقة، مؤكدة أن حماية البيئة تبدأ من سلوك المواطن، بالتوازي مع جهود الدولة في تطهير المصارف وتطوير المنظومة.
تنمية شاملة الفيوم بوجه جديد
إن ما يحدث في الفيوم اليوم هو نموذج حي للتكامل الحكومي؛ حيث تلتقي وزارتا التنمية المحلية والبيئة مع المحافظة والأجهزة الفنية لرسم لوحة مستقبلية أكثر نقاءً. إعادة التوازن لبحيرة قارون ليست مجرد إصلاح لخطأ تاريخي، بل هي استعادة لكرامة الطبيعة واستثمار في أجيال القادمة. وبينما تتحرك الآلات في محطات المعالجة، وتتحرك قوارب الصيادين في مياه البحيرة، يدرك الجميع أن "عصر الإهمال" قد ولى، وأن الفيوم تمضي بثبات لتكون درة البحيرات المصرية من جديد، تحت ظلال قيادة سياسية تؤمن بأن الإنسان والبيئة هما أغلى ما نملك.
بعيداً عن مياه البحيرة، استعرض المحافظ والوزيرة ملفات التنمية الشاملة
الخطة الاستثمارية 2025-2026 تؤكد على سرعة تنفيذ مشروعات رصف الطرق وتطوير الأسواق.
التنمية الاقتصادية: خلق فرص عمل حقيقية لأبناء المحافظة عبر مشروعات خدمية وإنتاجية.
التحول الرقمي: تحسين الأداء في المراكز التكنولوجية لتسهيل إجراءات التصالح وتقنين الأوضاع.
الأرقام تتحدث
بلغت نسبة التنفيذ في الأعمال المدنية نحو 70%، بتكلفة إجمالية تصل إلى 450 مليون جنيه.