في إطار توجه الدولة نحو بناء منظومة صحية وقائية مستدامة، أكدت وزارة الصحة والسكان أن المبادرة الرئاسية للكشف المبكر وعلاج الأنيميا والسمنة والتقزم بين طلاب المدارس تمثل نموذجًا وطنيًا للتحول من علاج المرض بعد حدوثه إلى الوقاية والاستباق، مشيرةً إلى أن الاستثمار في صحة الطفل أصبح ركيزة أساسية من ركائز الأمن الصحي والتنمية البشرية.
وأكد تقرير لوزاوة الصحة والسكان أن المبادرة تأتي تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، وفي إطار مستهدفات الدولة ضمن رؤية مصر 2030، التي تضع بناء الإنسان المصري في صدارة أولويات العمل الوطنى.
تغطية غير مسبوقة لطلاب المدارس على مستوى الجمهورية
وأشارت وزارة الصحة والسكان إلى أنه منذ إطلاق المبادرة وحتى منتصف ديسمبر 2025، تم فحص أكثر من 60 مليونًا و800 ألف طالب وطالبة في مختلف محافظات الجمهورية، من خلال فرق طبية مدربة انتقلت إلى المدارس لتقديم الخدمة داخل البيئة التعليمية دون تحميل الأسر أي أعباء مالية.
وأضاف التقرير الوزارة أن المبادرة تستهدف طلاب المرحلة الابتدائية، حيث يتم قياس الوزن والطول ومؤشر كتلة الجسم، وإجراء تحليل نسبة الهيموجلوبين لاكتشاف حالات الأنيميا، مؤكدة أن جميع الفحوصات تتم وفق بروتوكولات علمية معتمدة ومعايير جودة دقيقة.
وأكدت الوزارة في تقريرها أن نسبة التغطية تجاوزت 95% من إجمالي الطلاب المستهدفين سنويًا، ما يعكس كفاءة منظومة التنفيذ والتنسيق بين قطاعات الصحة والتعليم.
8.6 مليون طالب تلقوا العلاج والمتابعة المجانية
وكشفت الوزارة عن نتائج دراسة تحليلية شاملة أُجريت على 27.9 مليون طالب خلال الفترة من 2020 وحتى نهاية 2023، مشيرةً إلى أن المبادرة لم تقتصر على الفحص فقط، بل شملت العلاج المجاني الكامل والمتابعة الدورية للحالات المكتشفة.
وأضافت أن أكثر من 8.6 مليون طالب ثبتت إصابتهم بأحد المشكلات الثلاث (الأنيميا أو السمنة أو التقزم)، وتم صرف العلاج اللازم لهم مجانًا، إلى جانب تقديم الدعم الغذائي والتوعية الصحية للأسر.
وأكدت الوزارة أن نسب التحسن بين الحالات التي التزمت بخطط العلاج والمتابعة تجاوزت 70% في بعض المؤشرات، خاصة في حالات الأنيميا البسيطة والمتوسطة، وهو ما يعكس فعالية التدخل المبكر.
عائد اقتصادي بنسبة 51% وتوفير 34.8 مليار جنيه
وأشارت وزارة الصحة والسكان إلى أن الدراسة الاقتصادية المصاحبة للمبادرة أثبتت أن نسبة العائد على الاستثمار بلغت 51%، مؤكدة أن كل جنيه تم إنفاقه على المبادرة حقق عائدًا صحيًا واقتصاديًا مباشرًا للدولة.
وأضافت أن الوفورات المباشرة في تكاليف العلاج والمضاعفات الصحية قُدّرت بنحو 34.8 مليار جنيه، نتيجة تقليل الحاجة إلى تدخلات علاجية مكلفة مستقبلًا، خاصة في الأمراض المزمنة المرتبطة بسوء التغذية.
وأكدت الوزارة أن المبادرة أسهمت كذلك في تجنب خسائر إنتاجية مستقبلية تُقدّر بنحو 31 مليار جنيه، نتيجة حماية الأطفال من مضاعفات قد تؤثر على قدرتهم على التعلم والعمل لاحقًا، ليصل إجمالي العائد الاقتصادي إلى أكثر من 65 مليار جنيه.
حماية من أمراض مزمنة وتحسين في التحصيل الدراسي
وشددت الوزارة على أن الكشف المبكر عن الأنيميا والسمنة والتقزم لا يحمي الطفل فقط من الأعراض الحالية، بل يقيه من مضاعفات خطيرة مستقبلًا، مثل أمراض القلب والسكري وارتفاع ضغط الدم، فضلًا عن التأثيرات السلبية على النمو العقلي والتركيز.
وأضافت أن البيانات أظهرت ارتباطًا مباشرًا بين تحسن المؤشرات الصحية للطلاب وارتفاع معدلات الحضور المدرسي وتحسن مستوى الانتباه والتحصيل الدراسي، مؤكدة أن الاستثمار في صحة الطفل ينعكس مباشرة على جودة العملية التعليمية.
نموذج للتحول إلى نظام صحي وقائي
وأكدت وزارة الصحة والسكان أن المبادرة تجسد التحول الاستراتيجي للدولة نحو نظام صحي يعتمد على الوقاية والكشف المبكر، بدلًا من الاعتماد الكامل على التدخل العلاجي بعد تفاقم المرض.
وأضافت أن المبادرة تُنفذ من خلال منظومة إلكترونية دقيقة لرصد النتائج وتحليل البيانات على مستوى الجمهورية، بما يتيح وضع سياسات صحية قائمة على الأدلة، والتدخل السريع في المناطق الأعلى احتياجًا.
وأشارت الوزارة إلى استمرار تنفيذ المبادرة والتوسع في نطاقها سنويًا، بما يرسخ مفهوم أن صحة الطفل اليوم هي الضمان الحقيقي لمستقبل الوطن غدًا، مؤكدة أن الاستثمار في الوقاية ليس عبئًا على الموازنة العامة، بل هو استثمار طويل الأجل في رأس المال البشري المصري.