ريشة تقاوم الانهيار بين أنقاض غزة.. رحلة فنانة فلسطينية تصنع من الألم لوحة حياة.. شيماء يوسف فى حوار لـ اليوم السابع: ظللت أياما لا أجد ماء للشرب أثناء نزوحى.. اضطررت لحرق بعض الأعمال لاستخدامها فى الطهي.. صور

الإثنين، 04 مايو 2026 12:00 ص
ريشة تقاوم الانهيار بين أنقاض غزة.. رحلة فنانة فلسطينية تصنع من الألم لوحة حياة.. شيماء يوسف فى حوار لـ اليوم السابع: ظللت أياما لا أجد ماء للشرب أثناء نزوحى.. اضطررت لحرق بعض الأعمال لاستخدامها فى الطهي.. صور الفنانة الفلسطينية شيماء يوسف

حوار / أحمد عرفة

<< كنا نكتفي بتناول القليل جدا من الطعام لعدم توفره خلال فترة المجاعة الأولى والمرة الثانية فكنا نؤثر الأطفال على أنفسنا

<< كنت أرسم في أماكن النزوح على الجدران باستخدام الفحم المتبقي بعد حرق الخشب لإشعال النار
<< فقدت بعض اللوحات والمقتنيات الفنية التي كنت أعتز بها كثيرا خلال الحرب
<< تجربة النزوح كانت من أصعب ما مررت به في حياتي
<< أصعب اللحظات كانت رؤية مشاهد الدمار الهائل في الأحياء السكنية والجثث المعلقة ومبتورة الأطراف
<< كنت أُخرج أعمالي الفنية وأنا أشعر بأن جسدي ينهار من الضعف ولكن الرسم كان وسيلتي الوحيدة لتناسي الألم
<< كل وجه طفل جائع وجسم منهك وصرخة صامتة جزءا من لوحاتي
<< تغيرت نظرتي للفن بشكل جذري بعد الحرب ولم يعد السؤال: ماذا سأرسم بل أصبح ماذا تبقى كي يُرسم؟
<< هناك مشاهد وثقتها في ذاكرتي قبل لوحاتي من بينها جثة معلقة على حائط بعد القصف وجسد لم يبق منه شيء سوى يد مبتورة الأصابع

 

 

في قلب غزة، حيث يُختصر الزمن في ثانية بين الموت والحياة، وتحت وطأة حرب شرسة طالت القطاع بالكامل، يولد الفن من رحم المعاناة، ليُعيد بناء ما تهاوى في الروح من قهر وظلم، وسط ضجيج المدافع، داخل القطاع، لا تُقاس القيمة بعدد اللوحات وجمالياتها، بل بقدرة الفنان على تحويل الألم والخوف إلى لغة فنية قادرة على توثيق اللحظات الأشد إيلاما، لتكون رغم الموت المستمر واللانهائي، رسالة ضمنية تعلن بملء الصمود: أنهم ما زالوا على قيد الحياة.

قصة الفنانة الفلسطينية شيماء يوسف نصار ليست مجرد تجربة فردية، بل هي مرآة لصمود شعب كامل يرفض الانكسار، وسجل حي لمعاناة الإنسان الفلسطيني في مواجهة الحرب والقهر اليومي، فحين اندلعت الرصاصات، لم يكن القلم أو الفرشاة حاضرا، والصدمة كانت أكبر من أن تحتمل، والواقع أكثر قسوة من أي تخيل، لكن بعد مرور عام ونصف من الحرب، عاد الفن ليصبح وسيلة للبقاء، لفضح الألم، ولمنح الذاكرة الإنسانية مساحة للتعبير.

لم تكتف بتوثيق اللحظات سواء بالكتابة الإبداعية أو بإنتاجها لأعمال فنية توثق اللحظة التي عاشتها بتفاصيلها المؤلمة ،بل عملت لاحقا كمتطوعة في مشروع الدعم النفسي والفني مع الأطفال، استطاعت أن تمنحهم مساحة آمنة للشفاء واللعب، ومنحت ذاتها فرصة لإعادة بناء روحها وسط الخراب، فكل عمل فني قدمته خلال الحرب وما بعدها يحمل قصة مابين الفقد ولحظات الألم الخانقة، وحتى استخدام خامة كالفحم المتبقي بعد حرق الخشب إنه يجسد حالة من الإبداع يولد من عمق القسوة، وعن حياة تستمر رغم كل شيء.

هذه التجربة لم تكن مجرد ممارسة فنية، بل رحلة وجودية، حيث تصبح كل ضربة فرشاة، وكل لون مختار بعناية، انعكاسا لتجربة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والزمانية، وتحمل رسائل صمود للأجيال القادمة، خلال الحرب، لا يقتصر الفن على الجماليات التقليدية، بل يتحول إلى أداة توثيق، وشهادة على المعاناة، ومقاومة صامتة للاحتلال الذي يسعى إلى طمس الهوية والتاريخ.

الفن هنا هو النافذة التي تربط داخل الصندوق المغلق بالعالم الخارجي، والصوت الذي يرفض أن يُمحى، والظل الذي يحمي ذاكرة شعب بأكمله، ومن النزوح القسري إلى المجاعة، ومن فقد الأحبة إلى الخوف المستمر، صنعت شيماء يوسف نصار من كل تحد لوحة، ومن كل لحظة ألم عملا فنيا يروي حجم المعاناة الإنسانية، فهي تجربة توضح كيف يمكن للإنسان أن يحول الألم إلى معنى، والفقد إلى قوة، والفن إلى حياة ثانية، رغم كل ما يحيط به من دمار وظلام، إنها شهادة على أن الفن ليس رفاهية، بل ضرورة للبقاء النفسي والحفاظ على الذاكرة الجماعية، على ما يعنيه أن تحيا وسط الحرب دون أن تفقد إنسانيتك، وأن تصنع من الرماد نافذة إلى الأمل.

في هذا الحوار، تكشف الفنانة شيماء يوسف نصار عن رحلتها الوجودية بين الألم والإبداع، راصدة قسوة النزوح وفقدان الأمان،  في ظل حصار خانق، هي شهادة حية على قدرة الروح الإنسانية على تطويع الصدمة وتحويلها إلى فن، وبرهان جلي على أن الإبداع لا ينكسر أمام وطأة الظروف، بل يولد من رحمها؛ لتؤكد بفرشاتها أن الحياة - رغم فداحة الخسارة - تظل جديرة بأن تُعاش، بكل ما تحمله من آمال وأوجاع، وإلى نص الحوار..

الفنانة الفلسطينية شيماء يوسف
الفنانة الفلسطينية شيماء يوسف

 

احكي عن تجربتك كفنانة مع الحرب في غزة؟

لم أمسك الورقة ولا القلم مع الرصاصة الأولى، لأن حجم الصدمة كان كبيرا وقاسيا، ولد الفن من رحم الصمت القسري بعد مرور سنة ونصف من الحرب، حيث كانت تساؤلات النجاة والبقاء تطغى على كل شيء، لذلك أصبح الفن وسيلتي الوحيدة للبقاء والتعبير.

 

كيف بدأتِ معاودة ممارسة الفن خلال الحرب؟

المنعطف الذي فتح أفقا جديدا لي كان مشاركتي في ورشة "لماذا نرسم في الحرب؟"، والتي طرحت تساؤلات عميقة أثرت في تجربتي الفنية بشكل جذري، وأعادت تشكيل مفهومي ووعيي لدور الفنان في أوقات الأزمات.

 

هل كان لك أنشطة أخرى خلال الحرب بجانب رسم اللوحات؟

لم تقتصر تجربتي خلال الحرب على إنتاج الأعمال الفنية فحسب، بل عملت أيضا كمتطوعة في أنشطة الدعم النفسي وتنشيط الأطفال خلال فترة الهدنة الأولى القصيرة. لقد كانت تلك التجربة رحلة "شفاء عميقة" لي وللأطفال على حد سواء، إذ استعدت جزءا من ذاتي عبر منحهم مساحة آمنة للتعبير، لكني لاحقا شاركت في مشروع "أثر المحو" بالتعاون مع مجموعة من الفنانين، لتوثيق ما أحدثته الحرب من تدميرٍ وتهجير، ورصد تجليات التجربة الفنية في ظل تلك الظروف الاستثنائية التي فرضها واقع العدوان.

الفنانة التشكيلية الفلسطينية شيماء يوسف
الفنانة التشكيلية الفلسطينية شيماء يوسف

 

كيف أثرت تلك التجربة عليك خلال الحرب؟

كانت تلك الفترة قاسية للغاية بسبب انعدام كل شيء، وخاصة الأدوات الفنية، وكان من الصعب الحصول عليها، لذلك جاء مشروعي بعنوان "الأثر كحياة ثانية"، والذي كان له بالغ الأثر في تجربتي ،إذ أنجزته في ظل أصعب الظروف من قصف مستمر، وفقد للأحبة، ومجاعة تنهش الأجساد، لقد كانت كل لوحة أو عمل فني أنجزته خلال الحرب "رحلة محفوفة بالمخاطر"، لذا اكتسبت هذه الأعمال قيمة وجودية تتجاوز قيمتها الفنية، إن ما قدمته - رغم قسوة الظروف -  كان رحلة من التعلم والتحول، قصتي هي قصة نجاح إنساني وفني في مواجهة الصدمات، فقد اخترت أن أحول التحديات إلى قوة، والألم إلى معنى، والفن إلى وسيلة للبقاء، فنحن، كما قال محمود درويش، "نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً"، ورغم الشدائد يبقى الأمل حيا، وللفأل في القلب دوما محل.

كيف كان تأثير الحرب عليك وعلى عائلتك؟

منذ أن بدأ الاحتلال عملياته العسكرية في قطاع غزة انقلبت حياتنا رأسا على عقب نزوح يتبعه نزوح بعد أن تم تهديد منطقتنا بالكامل كنا قبل الحرب بأقل القليل مع ظروف الحصار الخانقة نرضى بما قدره الله لنا فعائلتي كباقي عائلات غزة قاست ومرت بأحلك الظروف عشنا الخوف ونحن نسمع أصوات القصف التي لا تهدأ ولو للحظة  فقدنا أبسط مقومات الحياة سلبت الحرب منا الأمان والاستقرار فقدنا شغف الحياة وباتت أيامنا تتمحور حول إيجاد الماء والطعام والأمان، عشنا أياما نبحث فيها عن الماء للشرب لا نجد ونبيت ليلتنا ونحن عطشى عشنا أياما صعبة للغاية.
 

كيف مارستِ فنك خلال العدوان رغم النزوح والتدمير الشديد؟

كان الأمر في غاية الصعوبة، إذ غابت الأماكن المهيأة تماما، وانعدمت أدوات الرسم الأساسية، في تلك اللحظات، لم يكن هناك متسع للتفكير في جماليات الفن المعتادة أو معاييره الأكاديمية.

أمام هذا الانعدام للوسائل، كيف كانت ردة فعلكِ وماذا فعلتِ حينها؟

في البداية، اتخذت من الكتابة متنفسا لأعبر عما يحدث حولي، لكن شغفي بالرسم كان أقوى من أن يُكبح؛ فبرغم قسوة الحال وضيق الخيارات خلال رحلة النزوح، كنت أجمع قطع الفحم المتبقية من أثر الطهي على النار لأرسم بها على الجدران، كانت تلك وسيلتي الوحيدة للحفاظ على توازني النفسي وسط الدمار الذي يحيط بنا، وعندما عدت إلى منزلي المتأثر بالدمار، بدأت أستعيد روحي الفنية شيئا فشيئا، فكانت اللوحة بالنسبة لي مساحة لإعادة بناء ذاتي من جديد وسط أنقاض الحياة.

الفنانة شيماء يوسف
الفنانة شيماء يوسف

 

حدثينا عن إحدى كتاباتكِ التي توثق تلك اللحظات القاسية؟

هذه إحدى كتاباتي التي دونتها خلال الحرب، كان صوت الطائرات حينها مدويا، وصوت المدفعية لا يهدأ طوال الليل، كانت ليلة من تلك الليالي المرعبة التي لم أذق فيها طعم النوم. ومهما بلغت في وصف بشاعة المشهد، تظل الحقيقة أبشع وأقسى، فهذه أحد كتاباتي " في ظلمةِ الليلِ الحارقة، أسمع أزيز الطائراتِ يمزقُ صمتَ ليلةٍ كان يغمرُها الهدوء والسكينة يوما ما، لكنها انسلخت عن عهدِها القديم، صواريخُ مرعبةٌ كأنها وحوش ضاريةٌ تنقضُّ على فريسة عزلاء، تصرخُ من فرطِ الوجعِ والذعر.. أشلاءٌ مبعثرة، دماءٌ نازفة؛ أطفالٌ كبارٌ ونساء.. مفقودون، أراملُ، ويتامى، نعم، مفقودون تحت الركام، تقفُ على ناصيةِ المجهولِ تنتظرُ شيئاً ما.. تنتظرُ ولا تدري أفي أيِّ لحظةٍ سيطرقُ الموتُ بابَك، أم بعد أيامٍ ستغدو مثلَهم؛ جسداً يواريه كفنٌ أبيض، أو وحيداً غريباً بلا كتفٍ يستندُ إليه".

 

هل فقدتِ شيئا من مقتنياتك الثقافية ولوحاتك خلال الحرب؟

نعم، للأسف فقدت بعض اللوحات والمقتنيات الفنية التي كنت أعتز بها كثيرا، وبعض هذه الأعمال تدمرت مع القصف، حيث كانت محفوظة في جامعة الأقصى، لكن الجامعة نفسها دُمرت بالكامل ولم يبق لها أثر، وبعض الأعمال اضطررت لحرقها لاستخدامها في إشعال النار من أجل الطهي خلال فترات عدم تواجد الحطب لإشعال النار، وفقدان هذه الأعمال كان مؤلما للغاية، لأنها تمثل جزءا من ذاكرتي وتجربتي الفنية.

 

كيف كانت تجربة النزوح؟

تجربة النزوح كانت من أصعب ما مررت به في حياتي، حيث الانتقال من مكان إلى آخر دون استقرار، والعيش في ظروف قاسية مع آلاف الناس، فالنزوح ليس مجرد انتقال جغرافي بل روحا تنتزع من راحتها، وشعور دائم بعدم الأمان، وحتى الأماكن التي نزحنا إليها لم تكن آمنة، لأن كل مناطق قطاع غزة كانت مهددة بالقصف في أي لحظة.

 

ما هي أصعب المشاهد واللحظات عليك خلال الحرب؟

أصعب اللحظات كانت رؤية جثث الأطفال تحت الركام، ومشاهد الدمار الهائل في الأحياء السكنية ومشاهد الجثث المعلقة ومبتورة الأطراف والدماء مشاهد لا يتخيلها اي عقل بشري ، كما كانت لحظات الوداع مؤلمة جدا عندما نفقد أشخاصا أعزاء أو نسمع عن استشهاد أصدقاء ومعارف، أتذكر جيدا ما حدث في النصيرات حدثا لا ينسى فاجعا بكل المقاييس، حيث قُتل الكثير من الناس في ذلك اليوم، إنه يوم مرعب، كأنه يوم قيامة مصغر.

 

كيف حاولتِ أن تعبر لوحاتك عن حجم المعاناة؟

حاولت أن أجسد الألم الإنساني في أقصى تجلياته، واستخدمت تقنيات مختلفة مثل الفحم، إلى جانب ألوان قوية وصارخة تعكس التوتر والحزن اللذين يطغيان على حياتنا اليومية، ولاحقا اتجهت أعمالي إلى أسلوب أكثر حدةٍ واختزالا، يعكس القسوة المفروضة علينا، خاصة من خلال فن الكولاج.

أبدية التحول عن الحافة صفر
أبدية التحول عن الحافة صفر

 

لماذا اخترتِ هذا النوع من الفن التشكيلي؟

لم يكن هذا الاختيار عفويا، بل كان انحيازا واعيا لتاريخ هذا الفن المرتبط بالثورات والاحتجاج السياسي، حين تعجز اللغة التقليدية عن وصف بشاعة المشهد، وبعد ذلك تطورت تجربتي نحو إنتاج أعمال تحمل طابع الفن المفاهيمي المعاصر، حيث أصبحت الفكرة والذاكرة والتجربة الإنسانية جزءا أساسيا من العمل الفني، وبالنسبة لي لم تعد اللوحة مجرد عمل فني، بل وثيقة بصرية تجسد التجربة المريرة التي عاشها الشعب الغزي، وفي الوقت نفسه تعلن استمرار الحياة كأنها حياة ثانية محمّلة بآثار عميقة في وجداننا.

 

هل نظمتِ معارض فنية خلال الحرب؟

خلال الحرب كان من المستحيل تنظيم معارض فنية بالصيغة التقليدية؛ فغزة تفتقر اليوم للأمان، ومعظم المراكز الثقافية والفنية طالها الدمار، وعلى رأسها جامعة دار الكلمة التي كانت الحاضن الأول لنا كفنانين، ومع ذلك، شاركت في معرض محلي تابع للأونروا بعنوان "مساحات حرة بلا عنف"، وقدمت فيه مجموعة أعمال بعنوان: "خارج الإطار: المرأة الغزية ونوبة الإرهاق الوجودي".

 

حدثينا عن طبيعة هذه الأعمال؟

يتأمل هذا المشروع فكرة أن العنف الواقع على المرأة الغزية لا يقتصر على العنف الجسدي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى عنف وجودي يستهدف هويتها وكيانها بالكامل، فالتشريد القسري المتكرر، وفقدان الأمان، وسلب أبسط مقومات الحياة، كلها عوامل تدفع المرأة إلى حالة من الإرهاق الوجودي، خاصة عندما تفقد القدرة على ممارسة أبسط تفاصيل حياتها بسبب الإصابة أو الفقد.

لن تقتلنا الرصاصة
لن تقتلنا الرصاصة

 

كيف كان الفنان الفلسطيني يروج لأعماله الفنية رغم الحصار الإسرائيلي للقطاع؟

الأمر لم يكن سهلا أبدا، فالفنان في غزة يعيش وكأنه داخل صندوق مغلق ومؤطر، محبوس جغرافيا وثقافيا، لا يستطيع السفر ولا الوصول بسهولة إلى العالم الخارجي، ورغم ذلك، نحن الفنانين حاولنا كسر هذا الحصار الخانق عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، فكانت هي النافذة الوحيدة التي نستطيع عبرها  عرض أعمالنا والتواصل مع الخارج، لكن حتى هذه الوسائل لم تكن دائما متاحة بسهولة بسبب انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت وظروف الحرب.

 

هل تعرضتِ وعائلتك للتجويع؟

نعم، كغيرنا من العائلات في غزة واجهنا نقصا شديدا في الغذاء والاحتياجات الأساسية، ومررنا بمراحل من المجاعة كانت كل مرة فيها أشد قسوة من سابقتها، كنا نتناول القليل من الطعام لعدم توافره في المجاعة الأولى، أما الثانية فكانت الأشد مرارة، حيث كنا نؤثر الأطفال على أنفسنا لأنهم لا يستطيعون التحمل مثلنا، ولا أُخفيك أيضا كم كان صعباً ومراً وأنت تطهو على النار وجسدك متهالك من الجوع، ومع ذلك، كنت أمارس أنشطتي الفنية، كنت أُخرج لوحاتي وأعمالي وأنا أشعر بأن جسدي ينهار من الضعف، وكأن الجوع يسرق مني كل شيء، ولكن الرسم كان وسيلتي الوحيدة لتناسي الألم، فالفن وحده استطاع مقاومة هذا الخراب الداخلي، وجبر انكسار النفس التي أذلها الحرمان.

 

كيف أثر ذلك على حالتكم الصحية؟

هذا أصاب أجسادنا حالة من الهزال والضعف ما زالت آثارها باقية حتى هذه اللحظة، فلا تزال أجسادنا متهالكة وضعيفة لفقدانها القيم الغذائية الصحية، فكل ما هو متواجد حاليا في الأسواق لا يتعدى كونه "رفاهيات" من عصائر ومشروبات غازية وبسكويت، وهي مواد لا تمنح الجسم حاجته الأساسية لمواصلة الحياة رغم صعابها.

 

هل فقدتِ عزيزا لك في العدوان؟

انطفأت قلوبنا بعد أن فقدنا أشخاصاً كنا نسعد بوجودهم في حياتنا؛ من أقارب وأصدقاء وأساتذة أكاديميين، وترك رحيلهم فجوة لا يمكن ملؤها، وأخص بالذكر الأستاذة نسمة أبو شعيرة، التي أحمل لها احتراما كبيرا، كانت ممن آمنوا بموهبتي وراهنوا على نجاحي، وكم كنت أتمنى أن ترافقني لترى ما وصلت إليه اليوم ،لكن الحرب سرقتها منا بلا رحمة، كما فقدنا زوج أختي، الذي كان بمثابة الأخ العظيم لي، ليضيف فقده عمقا مضاعفا إلى أحزاننا، وكأن جزءا منا قد رحل إلى الأبد، ففقدان الأحبة خلال العدوان ليس مجرد ألم عابر، بل هو استنزاف للروح حد الاختناق، وجرح غائر في الذاكرة، ويبقى حاضرا في كل لحظة ، تاركا أثرا نفسيا لا يزول، لا يفارقنا أبدا.

 

ما الذي تغير في حياتك الفنية والأدبية بعد العدوان؟

بعد الحرب تغيرت نظرتي للفن بشكل جذري، بل وتغيرت رؤيتي الكلية للجمال، لم يعد السؤال بالنسبة لي: ماذا سأرسم؟ بل: ماذا تبقى كي يُرسم؟ لقد تحول المفهوم البصري لدي من البحث عن الجماليات التقليدية إلى مساحة تجريب تفرضها الضرورة الإنسانية، بهدف ترميم ما تفكك وسقط من سياقه، وإعادة بناء هوية بصرية قادرة على حماية الرواية الفلسطينية، وبتُ أحاول تحويل الذاكرة الشخصية إلى أرشيف بصري عصي على النسيان، فالفن لم يعد مجرد ممارسة جمالية، بل غدا وسيلة توثيق وشهادة حية على ما يحدث، كأنك تحاول لملمة الأثر الذي يسكن فينا، وإعادة صياغته ليكون وطنا جديدا، حتى وإن كان الألم يسكن في كل زواياه.

 

برأيك كيف استطاعت المرأة الفلسطينية الصمود منذ النكبة؟

لعبت المرأة الفلسطينية دورا محوريا في الحفاظ على كيان الأسرة والمجتمع، فبرغم توالي النكبات ومرارة الفقد، بقيت صامدة تربي الأجيال، وتغرس فيهم حب الانتماء للأرض، لقد قدمت تضحيات هائلة، فهناك أمهات الشهداء، والأرامل، وزوجات الأسرى، وهناك من فقدت أجزاء من جسدها أو استُنزفت طاقتها على التحمل، ومع ذلك استمرت في مواجهة الحياة وحملت أعباءها الثقيلة وسط الحروب المتكررة، إن تجربة المرأة الفلسطينية الغزية تشكل سجلا إنسانيا عميقا، يمزج بين مرارة الخسارة ورمزية البقاء، ويجسد قدرة استثنائية على الصمود وإعادة بناء الحياة من وسط الركام، مهما بلغت قسوة الظروف.

المرأة الغزية ونوبة الإرهاق الوجودي
المرأة الغزية ونوبة الإرهاق الوجودي

 

كيف سعيتِ لتوثيق جرائم الاحتلال عبر لوحاتك؟

رغم أن عدسات الصحافة والإعلام تنقل الحدث المروع الذي قد يعجز العقل البشري عن استيعابه، إلا أنني كفنانة أؤمن بأن الفن فعل بقاء وسبيل للنجاة، وجدت لزاما علي أن يكون عملي أرشيفا بصريا يحمي هذه اللحظات من الضياع، ويسعى لإنعاش الذاكرة وإحياء الهوية، فهناك مشاهد عاينتها بعيني، انطبعت في وجداني قبل أن تلامس ريشتي، صور مرعبة لا تمحى، كجثة عُلقت على جدار بعد القصف، أو جسد لم يتبق منه إلا يد مبتورة الأصابع.

كيف أثرت هذه المشاهد عليكِ؟

هذه المشاهد لم تعد مجرد ذكريات، بل تحولت إلى دافع داخلي قاهر يجبرني على استحضار الذات الفلسطينية فوق القماش، وحين يضيق بي، ألوذ بالفن ملجأ، محاولة صب ما رأيته وما سمعته من حكايا الناس - بألم نزوحهم وعزة صمودهم - في حوارات بصرية تعبر عن الوطن والإنسان، فاللوحة لم تعد مجرد عملٍ فني، بل غدت وثيقة تحفظ الذاكرة الجماعية، وشهادة أتركها للأجيال القادمة ضمانا لعدم طمس الحقيقة، لتبقى هذه الشهادات البصرية وثيقة تاريخية تتوارثها الأجيال، وتخبر العالم بما حدث هنا من بشاعة من داخل غزة .

هل ترين أن الفنانين الفلسطينيين قادرون على توثيق ما يحدث في غزة؟
 

نعم، بالتأكيد، فالفنان الفلسطيني، ومنذ عقود طويلة، هو الشاهد الحقيقي على التاريخ وعلى بشاعة ما يُرتكب بحقه، وسواء كان فنانا تشكيليا، أو مسرحيا، أو موسيقيا، فقد استطاع المبدعون الفلسطينيون تحويل الألم والمعاناة  إلى أعمال فنية توثق عمق المأساة التاريخية منذ عقود، وهذه الأعمال لم تكن يوما مجرد فن جمالي بحت، بل هي شهادة بصرية ووثيقة إنسانية تحفظ الذاكرة، لتبقى حية في وجدان الأجيال القادمة؛ ليعلموا حجم التضحيات التي قُدمت في سبيل هذه الأرض.

لوحات الفنانة شيناء يوسف
لوحات الفنانة شيماء يوسف

 

ما الفرق بين نكبة 48 وما يحدث في غزة الآن؟

نكبة عام 1948 كانت الجرح الأول والتغريبة الكبرى لأجدادنا، أما ما يحدث في غزة الآن، فهو نكبة ثانية طالت المنطقة مسحتها بالكامل وقد بلغت ذروة توحشها. إننا لا نعيش مجرد امتدادٍ للمعاناة، بل نواجه نسخة أشد فتكا وشراسة، حيث تحول التهجير من فعل طرد قسري إلى دوامة مستمرة من النزوح القاتل، وتطورت بشاعة المجازر من محاولاتٍ للترهيب إلى إبادة علنية تنهش أجسادنا وأحلامنا، والفرق اليوم أن آلة القتل باتت تستخدم أحدث التقنيات وأكثرها دقة، وكأننا حقل تجارب لأسلحتهم الفتاكة، فالدمار غدا أعمق وأشمل، يبتلع البيوت والذكريات على مرأى من العالم وبمباركة صمت دولي لم يعد بالإمكان تفسيره، إن ما نعيشه الآن هو محاولة لاستكمال ما بدأه الاحتلال عام 48، لكن بصورة تفوق قدرة العقل على التصديق أمام ضمير عالمي معطل.

 

ما هي العقبات التي تواجه الفنان التشكيلي في غزة؟

يواجه الفنان في غزة حصارا مركبا يطال الروح والجسد معا، فمن نقص المواد الفنية التي غدت حلما، وصعوبة السفر للخارج بسبب المضايقات، وصولا إلى الظروف المعيشية التي تطحن الجميع، لكن العقبة الأكبر تكمن في ذلك التناقض الموجع الذي نعيشه، فمن جهة، نشعر بمسؤولية أخلاقية وفنية كبرى لتوثيق هذه المأساة، ومن جهة أخرى، يصفعنا واقع يفرض علينا التفكير أولا في أبجديات البقاء، من تأمين ماء وغذاء وأمان مفقود، وفي ظل فقدان فرص عمل مناسبة، لم يعد الواقع يحتمل طموحنا، فنحن كشباب نجد أنفسنا عالقين في دوامة البطالة، حيث يُهدر طموحنا، ويتحول المستقبل من مساحة للإبداع إلى عبء ثقيل، الفنان هنا إنسان قبل كل شيء، يتقاسم مع شعبه نفس الرصيد من الوجع والحرمان، وفي ظل هذا الدمار، قد يبدو الفن للبعض رفاهية، لكنه في الحقيقة ضرورة قصوى ووسيلة للبقاء النفسي، إننا نتمسك بالريشة لترميم توازننا وسط كل هذا الخراب، ولتكون أعمالنا هي الحصن الذي نحمي فيه ذاكرتنا الجماعية من الضياع، فبقدر ما هو عبء في زمن الجوع، هو أيضا سبيلنا للنجاة ورهاننا لكي تبقى الحقيقة حاضرة في ذاكرة الأجيال القادمة، وللأسف، مع واقع المعيشة المحتم علينا والذي استنزف كل طاقاتنا، نصل أحيانا إلى حالة من الإرهاق الروحي الذي لا توصفه سوى كلمات تميم البرغوثي: "أرى الدهر لا يرضى بنا حلفاءه .. ولسنا مطيقين به عدوا نصاوله .. فهل ثم من جيلٍ سيقبلُ أو مضى.. يبادلنا أعمارنا فنبادله".

 

مشاهد عالقة بالذاكرة
مشاهد عالقة بالذاكرة

 

كيف يسعى الاحتلال للسطو على الثقافة والهوية الفلسطينية؟

يسعى الاحتلال جاهدا للسطو على الثقافة والهوية الفلسطينية عبر محاولات  لطمس معالمنا، وسرقة عناصر تراثنا ونسبها لثقافته المزعومة، بالتوازي مع خنق المؤسسات الثقافية والفنية، إنه يحاول جاهدا إبقاءنا عالقين في "منطقة اللاشيء"، لكن الحقيقة التاريخية عصية على المحو، وما يمارسه الاحتلال ليس سوى زيفٍ وجودي لا يمكن إنكاره، فهذه الأرض موثقة بجذورها وتاريخها لصاحبها الحقيقي، والتاريخ لا يكذب، وكما قال الشاعر تميم البرغوثي: "معي كل شيء لا يملكه عدوي: معي الأرض، معي التاريخ، معي الحق الذي لا يموت"، وببساطة أعمق كما نقول في مأثورنا الشعبي: "حبل الكذب قصير"، فدولة الظلمِ ساعة، ودولة الحق إلى قيام الساعة، إن محاولاتهم للسطو على هويتنا ستتحطم دوما أمام قوتنا ووعينا وتمسكنا بجمالياتنا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة