عشرات السنين مرت، لكن عقلية جماعة الإخوان الإرهابية لم تتغير يومًا، فالتنظيم الذي بدأ رحلته بالخطب العاطفية والجلسات المغلقة وتحويل الدين إلى وسيلة للسيطرة على العقول، نجح مع الوقت في إعادة إنتاج نفس الأساليب بأدوات أكثر خطورة وانتشارًا، حتى وصلت الجماعة اليوم إلى مرحلة التجنيد الرقمي الكامل عبر تطبيقات الهواتف والسوشيال ميديا والفيديوهات القصيرة التي تتسلل إلى عقول الشباب والمراهقين على مدار الساعة.
الجماعة التي كانت تعتمد قديمًا على اللقاءات السرية داخل الغرف المغلقة، أصبحت تمتلك اليوم آلاف النوافذ المفتوحة عبر الإنترنت، تدفع من خلالها برسائل التحريض والتشكيك وصناعة المظلومية وإعادة تدوير الأكاذيب بصورة مستمرة، مستغلة غياب الوعي لدى بعض الفئات الصغيرة وسرعة انتشار المحتوى الإلكتروني.
الهدف لم يكن يومًا دعويًا أو دينيًا كما حاولت الجماعة الترويج لعقود، بل كان دائمًا صناعة أتباع يدينون بالولاء الكامل للتنظيم، ويتحولون مع الوقت إلى أدوات تتحرك وفق أوامر الجماعة وخطابها السياسي، مهما كانت النتائج أو حجم الفوضى التي يسببها ذلك داخل المجتمع.
البداية من الأسر المغلقة وغسل العقول مبكرًا
منذ السنوات الأولى لتأسيس الجماعة الإرهابية، اعتمد التنظيم على استقطاب الشباب وصغار السن عبر حلقات مغلقة تعرف باسم "الأسر"، وهي مجموعات يتم داخلها تلقين الأعضاء أفكار الجماعة بصورة تدريجية، مع خلق حالة نفسية قائمة على الطاعة العمياء والانعزال الفكري والشعور الدائم بأن الجماعة وحدها تمتلك الحقيقة.
وكان التنظيم يركز بشكل واضح على الفئات الصغيرة في السن، لأن السيطرة على العقول في المراحل المبكرة تمنح الجماعة قدرة أكبر على تشكيل أفكار الأعضاء وتحويلهم إلى عناصر مرتبطة نفسيًا وتنظيميًا بالمشروع الإخواني.
واعتمدت الجماعة على المزج بين الخطاب الديني والشعارات العاطفية والأنشطة الاجتماعية والخيرية، بهدف كسب الثقة أولًا، ثم إدخال العناصر الجديدة تدريجيًا إلى دوائر التنظيم المغلقة.
الجامعات.. مصنع الكوادر الجديدة
مع توسع الجماعة، تحولت الجامعات إلى واحدة من أخطر ساحات الاستقطاب، حيث كثفت الجماعة وجودها داخل الأنشطة الطلابية والرحلات والفعاليات الدينية، وقدمت نفسها باعتبارها الأقرب إلى الشباب والأكثر اهتمامًا بقضاياهم.
لكن خلف هذا المشهد، كانت الجماعة تعمل على بناء شبكة تنظيمية ضخمة داخل الجامعات، تعتمد على اختيار العناصر الأكثر قابلية للتأثر، ثم إخضاعها تدريجيًا لخطاب يقوم على فكرة "نحن وهم"، وتقسيم المجتمع إلى معسكر مؤمن وآخر معادٍ.
كما اعتمد التنظيم على استغلال الحماس الديني والسياسي لدى بعض الطلاب، وتحويله إلى حالة من التعصب الفكري والارتباط الكامل بالتنظيم، بما يسمح بإنتاج أجيال جديدة تحمل نفس الأفكار والرؤية العدائية تجاه الدولة والمجتمع.
الفضائيات الإخوانية.. مرحلة التحريض العلني
ومع تطور وسائل الإعلام، انتقلت الجماعة الإرهابية إلى مرحلة جديدة أكثر وضوحًا وجرأة، عبر القنوات والمنصات التي تحولت إلى أبواق يومية للهجوم على الدولة المصرية ونشر الشائعات وتضخيم الأزمات.
واعتمدت هذه المنابر على خطاب يقوم على الصراخ والمظلومية والتحريض المستمر، مع استخدام المقاطع العاطفية والمشاهد المؤثرة بهدف جذب المتابعين نفسيًا قبل التأثير عليهم فكريًا.
كما لجأت الجماعة إلى تكرار نفس الرسائل بصورة مستمرة، حتى تتحول الأكاذيب مع الوقت إلى حقائق داخل عقول بعض المتابعين، خاصة مع إعادة تدوير المحتوى نفسه عبر عشرات الحسابات والمنصات التابعة لها.
تيك توك والسوشيال ميديا.. أخطر أسلحة التجنيد الحديثة
المرحلة الأخطر في تاريخ الجماعة الإرهابية بدأت مع انفجار منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أدرك التنظيم أن الهاتف المحمول أصبح الطريق الأسرع للوصول إلى عقول الشباب.
ومن هنا، تحولت الفيديوهات القصيرة والبث المباشر والمقاطع السريعة إلى أدوات رئيسية تستخدمها الجماعة لنشر رسائلها بصورة تبدو بسيطة وعفوية، بينما يتم إعدادها بعناية شديدة لاستهداف الفئات الأصغر سنًا.
ولم تعد الجماعة تعتمد فقط على الخطاب السياسي المباشر، بل أصبحت تتخفى أحيانًا خلف محتوى ديني أو اجتماعي أو إنساني أو حتى ساخر، قبل تمرير الرسائل التحريضية بصورة تدريجية تستهدف التأثير النفسي والعاطفي على المتابعين.
كما تعتمد الجماعة على حسابات وصفحات تعمل بشكل جماعي لإعادة نشر نفس المحتوى بصورة مكثفة، بما يمنح المتابع إحساسًا زائفًا بأن هذه الأفكار منتشرة بشكل طبيعي وواسع، بينما تكون في الحقيقة جزءًا من حملات منظمة ومدفوعة.
اللجان الإلكترونية.. جيوش رقمية لنشر الفوضى
الجماعة لم تكتف بالمحتوى فقط، بل أنشأت ما يشبه “الجيوش الإلكترونية” التي تعمل على مدار الساعة لتضخيم الرسائل التحريضية والهجوم الجماعي على أي أصوات تكشف حقيقة التنظيم.
وتقوم هذه الحسابات بإطلاق الوسوم، وإعادة نشر الفيديوهات، وصناعة حالة إلكترونية مصطنعة توحي بوجود تأييد واسع، بينما يكون أغلب هذا النشاط قائمًا على التكرار والتنسيق والتنظيم المسبق.
كما تستخدم هذه اللجان أساليب متعددة تشمل اجتزاء التصريحات، ونشر الصور القديمة، والفيديوهات المضللة، وإعادة تدوير الأكاذيب بصورة مستمرة بهدف صناعة حالة دائمة من الغضب والتشكيك والفوضى النفسية.
تغيير الأدوات وثبات مشروع الفوضى
ورغم تغير الوسائل من اللقاءات السرية إلى تطبيقات الهواتف الذكية، فإن جوهر المشروع الإخواني لم يتغير، فالجماعة ما زالت تعتمد على السيطرة على العقول وصناعة الولاء التنظيمي واستغلال المشاعر الدينية والعاطفية للوصول إلى أهدافها السياسية.
الفارق الوحيد أن التنظيم الذي بدأ برسائل ورقية وجلسات مغلقة، أصبح اليوم يدير معركته عبر الشاشات والهواتف والوسوم الإلكترونية والفيديوهات القصيرة، بعدما أدرك أن معركة العصر لم تعد بالسلاح فقط، بل بالوعي أيضًا.
ومع كل تطور تكنولوجي، تحاول الجماعة الإرهابية إيجاد وسيلة جديدة للتسلل إلى عقول الأجيال الصغيرة، في محاولة مستمرة لإعادة إنتاج نفسها، حتى لو تغيرت الوجوه والمنصات والأدوات.