وائل السمري يكتب في وداع الشاعر سيد العديسي.. كيف حالك؟.. كيف حالك جدًا؟ كل قلب مررت عليه زرعت فيه زهرة الآن زهورك تبكي فيحسبها الجاهل ندى وكل حبيب يرحل يترك في قلبي ندبة أهي مصادفة أن نسمي بكاء الأحبة نَدْبا؟

الأحد، 03 مايو 2026 10:56 م
وائل السمري يكتب في وداع الشاعر سيد العديسي.. كيف حالك؟.. كيف حالك جدًا؟ كل قلب مررت عليه زرعت فيه زهرة الآن زهورك تبكي فيحسبها الجاهل ندى وكل حبيب يرحل يترك في قلبي ندبة أهي مصادفة أن نسمي بكاء الأحبة نَدْبا؟ الشاعر الراحل سيد العديسي

مساء الخير يا صديقي، أتصدق؟

لا يوجد في عالمنا سوى سيد عديسي واحد، ومع ذلك يقولون إنه رحل اليوم، وأنا، يا صديقي، ضحكت من فرط الدهشة، ومن فرط الألم، ومن فرط السخرية.


أصحيح يا صديقي أني لن أراك بعد اليوم؟

لا يا صديقي، ليس صحيحًا على الإطلاق، فقد قال الشهود إنهم قابلوك صباحا على الكورنيش تصلح ما بين حبيبين أتعبهما الانتظار، وقال آخرون أنهم تعرفوا عليك وأنت تفض معركة بين عصفورين، وأكد آخرون أنهم رأوا اليوم شاعرًا يطير بربابة وصبر، كان ينوي أن يمر على أصدقائه ليوزع عليهم النسيم، غير أن الشرطة التي فتحت بابك عنوة أخافته، فذهب إلى بلاد الشمس والطين مسرعًا.


أعرف الآن يا صديقي أنك الآن في طريقك إلى موطنك العفي، فهناك في صعيدك الطيب، شمس كبيرة كفيلة بأن تخفي النور الذي يشع من جناحيك، وهناك أيضًا أرض طيبة تأتينا كل موسم بشاعر حاد الملامح، رقيق القلب، زاعق الحلم.

أنت رحلت يا حبيب؟
أحقًا رحلت؟

كل قلب مررت عليه يومًا زرعت فيه زهرة،
الآن زهورك تبكي يا حبيب، فيحسبها الجاهل ندى.

كيف حالك يا سيد؟
كيف حالك جدًا؟

أنا أيضًا يا صديقي أستخدم قاموسك المدهش، فقد فاتني أن أقول لك إني أحبك، وأنت من كان يتلعثم حينما يرى حبيبته، ويخجل من التصريح لها بالحب، فيقول لها: كيف حالك؟

كيف حالك وألف كيف حالك يا سيد؟

فاتني يا صديقي أن أقول لك إني أحبك، لكني كنت حريصًا أن أظهر لك بعض ما في قلبي نحوك من محبة وامتنان، وكنت حريصًا أن أكون معك مرآة لجمالك الفاتن، وروحك العذبة، وشقائك المحفور كالفضيحة، وحزنك الوارف كجنة للمصدومين.

يا صديقي الغالي، أنا أتذكر كل شيء بيننا، وهو قليل وبليغ، وهو كبير وصادق، وهو موجع ومؤلم كعنقود عنب طيب عصرته الأقدام.

الآن أتذكر يا صديقي: كل مرة رأيتك فيها كنت تحمل حقيبة، لا أعرف ماذا تخبئ فيها، وأكاد أوقن الآن أنك كنت تخبئ فيها جميلاتك النائمات، وأفكارك الفوضوية، وجمال روحك الجسور، وبعضًا من دمع دافئ وبريء، وصوت أمك في الصباح، وسعال أبيك في الليل، وبعضًا من طين الطريق إلى الطريق.

الآن أتذكر يا صديقي: كانت أحلامك واسعة كبصرك، ودنياك ضيقة كعينيك، ملامحك يا صديقي الآن تبكيني، أقرؤها كما يقرأ العرافون الكف والفنجان، أرى في نحافتك رشاقة القصيدة، وأرى في ابتسامتك دهشة الشعر، وأرى في شعرك الجعد صورة للهزائم التي مُنينا بها، وأرى في تجاعيد جبهتك أنهارًا من العرق، وبصمات من يديك وأنت تعتصرها بحثًا عن معنى لأي شيء.

يقولون يا حبيبي إنك رحلت نائمًا، فترى أي حلم كنت تحلم به، وأي فضاء كنت تسبح فيه، وأي فكرة كنت تتخيلها أنثى، أو أي أنثى تخيلتها جنة؟

يقولون إنك كنت تشعر بالصداع قبل الرحيل، فهل ظننت الموت الذي طاف على رأسك خاطرة من خواطرك المستعصية؟ أم حسبته ضيفًا ثقيلًا أتى إليك، فضيّفته بكوب من الشاي، وبيت من الشعر، وقطرة من الدهشة؟

هل حسبت وخزة الصدر التي باغتتك ذكرى قديمة استيقظت فجأة في الليل، فمنعك إباؤك من الشكوى؟ أو حسبت ارتباك أمعائك لوعة جديدة، فعالجتها بصمت حكيم وخوف من الانتكاسة أو خيبة الرجاء؟

سامحني يا صديقي، فلن أنكأ على رحيلك كما تنبأت، وهل يندم المرء على مقابلة كائن جميل مثلك؟ فلن أتذكر منك يا صديقي سوى هذا الترحاب الذي يملأ وجهك، وهذه الألفة التي تفرضها على من يراك، وهذه الدهشة حينما تتكلم.
يا سيد، يا حبيبي، كان الموت قديمًا يصيبني بالهياج، كنت أريد دائمًا أن أصرخ في وجه هذا الكئيب الغادر، وكنت أريد للعالم أن يصرخ أيضًا، الآن يصيبني بالصمت، كل حبيب يرحل يترك في قلبي ندبة، أهي مصادفة يا صديقي أن نسمي بكاء الأحبة نَدْبا؟




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة