في ظل استمرار التحديات الأمنية والسياسية التي تواجهها العديد من دول المنطقة، تظل قضية التنظيمات الإرهابية واحدة من أبرز الملفات التي تفرض نفسها على دوائر البحث والتحليل، نظرًا لما تمثله من تهديد مباشر لاستقرار الدول والمجتمعات. وتأتي جماعة الإخوان في مقدمة هذه التنظيمات التي ارتبط اسمها عبر سنوات طويلة بسلسلة من الأنشطة التي تتراوح بين العمل السياسي المعلن وبين توظيف أدوات غير مباشرة، من بينها التحريض الإعلامي وبث الشائعات ومحاولات خلق الفوضى في بعض السياقات.
ومع تطور أساليب المواجهة الأمنية والفكرية ضد هذه التنظيمات، تراجعت قدرتها على الحركة داخل العديد من الدول، إلا أن ذلك لم يمنعها من إعادة إنتاج أدواتها بطرق مختلفة، تعتمد بشكل أكبر على الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الاجتماعي، التي أصبحت ساحة رئيسية لنشر خطابها. وفي هذا الإطار، برزت أساليب مثل تضخيم الأزمات، وإعادة تداول معلومات غير دقيقة، بهدف التأثير على الرأي العام وإرباك المشهد العام.
ويشير عدد من الباحثين إلى أن هذا النمط من السلوك يعكس تحولًا في طبيعة عمل هذه الجماعات، من التنظيمات ذات البنية الهرمية الواضحة إلى شبكات أكثر مرونة تعتمد على الانتشار الإعلامي بدلًا من التحرك الميداني المباشر. كما أن هذا التحول جاء نتيجة ضغوط متزايدة، سواء على المستوى الأمني أو المجتمعي، ما دفعها إلى البحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر قدرة على الوصول السريع للجمهور.
الاعتماد على الشائعات وخطاب الفوضى أبرز أدوات الجماعة خلال الفترة الراهنة
وفي هذا السياق، يوضح الباحث السياسي محمد ربيع الديهي أن ما تقوم به جماعة الإخوان من أنشطة إعلامية وتحريضية يعكس محاولة مستمرة لإعادة التمركز داخل المشهد، رغم تراجع تأثيرها الفعلي على الأرض.
ويؤكد أن الاعتماد على الشائعات وخطاب الفوضى أصبح أحد أبرز الأدوات التي تلجأ إليها الجماعة في المرحلة الحالية، في ظل محدودية خياراتها التقليدية.
وأوضح الباحث السياسي أن جماعة الإخوان، في ظل الضربات المتتالية التي تعرضت لها على المستويين التنظيمي والفكري، لم تعد تمتلك القدرة على العمل السياسي المباشر أو التأثير في الشارع بالوسائل التقليدية، وهو ما دفعها إلى التحول نحو أساليب غير مباشرة تقوم على إدارة المعركة عبر الفضاء الإعلامي والرقمي.
وأضاف الديهي أن التنظيم يعتمد بشكل متزايد على ما يمكن وصفه بـ"حروب الشائعات"، حيث يتم تداول معلومات غير دقيقة أو مفبركة، يتم توظيفها في سياقات سياسية تهدف إلى التشكيك في مؤسسات الدولة وإثارة حالة من البلبلة. وأشار إلى أن هذه الشائعات غالبًا ما تُبنى على اجتزاء الأحداث أو تضخيم وقائع فردية وإخراجها من سياقها الحقيقي.
استغلال التحديات الاقتصادية والاجتماعية وتحويلها إلى مادة دعائية
كما أوضح أن أحد أبرز أساليب الجماعة في المرحلة الحالية يتمثل في استغلال الأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية الطبيعية، وتحويلها إلى مادة دعائية يتم استخدامها في خطاب تحريضي، يهدف إلى خلق حالة من الإحباط العام، ودفع بعض الفئات نحو فقدان الثقة في المؤسسات القائمة.
وأكد الديهي أن هذا النمط من التحرك يعكس حالة من العجز الاستراتيجي داخل التنظيم، حيث لم يعد يمتلك أدوات التأثير المباشر، فانتقل إلى ما يشبه "الحرب النفسية الإعلامية"، التي تعتمد على التكرار والإثارة أكثر من اعتمادها على الحقائق أو التحليل الموضوعي.
وأشار إلى أن هذا النهج لا يحقق في الغالب النتائج التي تسعى إليها الجماعة، في ظل ارتفاع مستوى الوعي لدى المواطنين، وقدرة الأجهزة المعنية على رصد ومواجهة هذه الحملات بشكل سريع، مما يقلل من تأثيرها على الرأي العام.
واختتم الديهي تصريحه بالتأكيد على أن استمرار جماعة الإخوان في هذا المسار سيؤدي إلى مزيد من العزلة السياسية والاجتماعية، خاصة مع فقدانها المتزايد لأي حاضنة شعبية حقيقية، وتحول خطابها إلى مجرد أدوات ضغط إعلامي لا تجد صدى واسعًا على أرض الواقع.