في سياق الجدل المتصاعد داخل الأوساط الأوروبية حول نشاط التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، كشف الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية إسلام الكتاتني عن تفاصيل ما وصفه بـ"استراتيجية طويلة المدى" استخدمتها جماعة الإخوان الإرهابية للتغلغل داخل القارة الأوروبية، مستغلةً الانفتاح الديمقراطي والحرية السياسية والإعلامية، بما سمح لها ببناء حضور متدرج داخل عدد من المجتمعات والمؤسسات.
التنظيم عمل على توظيف شعارات حقوقية ودينية
وأوضح في تصريحات لليوم السابع أن التنظيم عمل على توظيف شعارات حقوقية ودينية، وعلى رأسها مفهوم “الإسلاموفوبيا”، لتقديم نفسه كطرف مظلوم يحتاج إلى حماية سياسية وقانونية، وهو ما فتح أمامه مساحات واسعة للحركة والعمل العام دون قيود مباشرة في مراحل سابقة. وأشار إلى أن هذا التوظيف الذكي للمفاهيم الحقوقية ساعد الجماعة في ترسيخ وجودها داخل بعض البيئات الاجتماعية للمهاجرين، ثم التوسع تدريجيًا نحو تشكيل شبكات أكثر تعقيدًا تشمل العمل الخيري والتعليمي والإعلامي، وصولًا إلى التأثير في دوائر سياسية محلية في بعض الدول الأوروبية، مستفيدًا من الفجوات القانونية وصعوبة التفريق بين النشاط المدني والعمل التنظيمي المغلق.
البدايات التاريخية: جذور الامتداد في ظل الحرب الباردة
يرى الكتاتني أن بدايات التغلغل تعود إلى مرحلة “جيل التأسيس” في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين فتحت دول أوروبية أبوابها أمام عناصر من الشرق الأوسط في سياق توازنات الحرب الباردة. وأوضح أن بعض الدول الغربية تعاملت مع تلك الجماعات باعتبارها أدوات محتملة في مواجهة المد الشيوعي السوفيتي، ما أتاح لها مساحة حركة غير مسبوقة داخل القارة. هذا المناخ سمح بتأسيس نواة التنظيم الدولي للإخوان في أوروبا، حيث بدأت الجماعة في بناء حضور تدريجي عبر مؤسسات دينية واجتماعية وتعليمية، استغلت البيئة المفتوحة لتثبيت أقدامها داخل المجتمعات المستضيفة.
توظيف المفاهيم الحقوقية: الإسلاموفوبيا كدرع سياسي
ويؤكد الباحث أن الجماعة طورت أدواتها بمرور الوقت، حيث أصبحت أكثر قدرة على استخدام الخطاب الحقوقي الغربي لصالحها، وعلى رأسه مفهوم “الإسلاموفوبيا”. ووفقًا لتحليله، فقد تم توظيف هذا المصطلح كغطاء سياسي وقانوني يتيح للجماعة التحرك بحرية، ويمنحها قدرة على إحباط أي محاولات رقابية أو أمنية تستهدف أنشطتها. هذا الاستخدام لم يكن مجرد خطاب إعلامي، بل تحول إلى أداة ضغط داخل النقاشات السياسية الأوروبية، ما ساهم في توسيع نفوذ الجماعة داخل بعض المؤسسات المدنية والمجتمعية.
شبكات ممتدة: من العمل الخيري إلى التأثير السياس
ي
يشير الكتاتني إلى أن الجماعة لم تكتفِ بالحضور الدعوي أو الاجتماعي، بل عملت على بناء شبكات معقدة تشمل جمعيات خيرية ومؤسسات تعليمية ومنصات إعلامية، الأمر الذي ساعدها في تكوين قاعدة نفوذ متشابكة داخل عدد من الدول الأوروبية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الشبكات إلى أدوات تأثير غير مباشر في النقاشات العامة، خصوصًا تلك المتعلقة بالهجرة والاندماج والهوية الثقافية، ما منح التنظيم قدرة على الحضور في الفضاء العام دون الظهور بشكل مباشر ككيان سياسي.
صحوة أوروبية متأخرة وتحديات المواجهة
وفي قراءة للمشهد الحالي، يرى الباحث أن أوروبا بدأت مؤخرًا في إدراك حجم التحديات المرتبطة بهذا الامتداد التنظيمي، واصفًا ذلك بأنه “صحوة متأخرة” بعد سنوات من السماح بوجود واسع دون ضوابط كافية. لكن هذه الصحوة تصطدم، بحسب قوله، بإشكالية أساسية تتمثل في كيفية وضع تشريعات صارمة تحد من نشاط هذه الشبكات، دون المساس بالمبادئ الديمقراطية وحرية التنظيم والتعبير التي تقوم عليها المنظومة الأوروبية.
ويضيف أن هذه المعادلة المعقدة تجعل التعامل مع الملف أكثر حساسية، خاصة في ظل قدرة الجماعة على توظيف أي إجراءات قانونية ضدها في خطابها الإعلامي باعتبارها استهدافًا دينيًا أو سياسيًا، ما يضاعف من تعقيد جهود المواجهة.
التحدي القادم: بين الأمن والحريات
ويختتم الكتاتني بالإشارة إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول الأوروبية على تحقيق التوازن بين حماية الأمن الداخلي والحفاظ على الحريات العامة، في ظل استمرار الجدل حول كيفية التعامل مع التنظيمات ذات الطابع العابر للحدود. ويرى أن نجاح هذه المعادلة يتطلب أدوات قانونية دقيقة ورؤية أمنية شاملة قادرة على التمييز بين العمل المدني المشروع والأنشطة التنظيمية المغلقة التي قد تستغل البيئة الديمقراطية لتحقيق أهداف سياسية غير معلنة.