في توقيت بالغ الحساسية، وبينما لا تزال الحرب تلقي بظلالها الثقيلة على السودان سياسيًا وإنسانيًا وأمنيًا، أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، الترتيب لإطلاق حوار سياسي شامل داخل البلاد، مؤكدًا أن السودانيين وحدهم هم من يملكون حق رسم مستقبل دولتهم بعيدًا عن ما وصفه بأنه "إملاءات الخارج".
الخطاب الذي جاء بمناسبة عيد الأضحى المبارك حمل رسائل متعددة، إذ جمع بين التأكيد على استمرار العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع، والدعوة في الوقت نفسه إلى عملية سياسية تستهدف استكمال الانتقال المدني الديمقراطي.
وبين رسائل الحرب والدعوة للحوار، تبرز تساؤلات واسعة حول فرص نجاح أي تسوية سياسية في ظل استمرار القتال والانقسام الداخلي الحاد.
حوار "من الداخل".. محاولة لاستعادة المبادرة السياسية
أبرز ما جاء في خطاب البرهان كان الإعلان عن التحضير لحوار سياسي شامل يُعقد داخل السودان، بمشاركة ما وصفهم بـ"أصحاب الوجعة"، في إشارة إلى القوى الوطنية السودانية.
وأكد البرهان أن الحكومة ستوفر كل ما يلزم لإنجاح الحوار وتنفيذ مخرجاته، موضحًا أن الهدف يتمثل في الاتفاق على أسس البناء الوطني ووضع مبادئ حاكمة تنهي الأزمات المتكررة التي شهدتها البلاد منذ سنوات.
ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تمثل محاولة من السلطة السودانية لاستعادة زمام المبادرة السياسية، خاصة في ظل تعدد المبادرات الإقليمية والدولية الخاصة بالأزمة السودانية، وتباين الرؤى بشأن مستقبل المرحلة الانتقالية.
رفض المؤتمرات الخارجية.. رسالة سياسية مباشرة
البرهان شدد بصورة واضحة على رفض ما وصفه بـ"حوارات العواصم"، مؤكدًا أن الشعب السوداني لن يقبل بحلول تُفرض من الخارج أو ترتبط بأجندات دولية وإقليمية.
هذا الموقف يعكس، بحسب متابعين، تصاعد الحساسية الرسمية تجاه التحركات السياسية التي تجري خارج السودان، خاصة مع استضافة عدد من العواصم الإقليمية والدولية لقاءات تخص الأزمة السودانية خلال الفترة الماضية.
كما يحمل الخطاب رسالة موجهة إلى القوى السياسية السودانية المنخرطة في مبادرات خارجية، مفادها أن أي تسوية مقبلة يجب أن تنطلق من الداخل وتحظى بقبول وطني واسع.
استمرار الحرب.. أولوية الحسم العسكري لا تزال قائمة
ورغم حديثه عن الحوار السياسي، فإن البرهان أكد في الوقت نفسه استمرار العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع، مشيدًا بما وصفه بصمود الشعب السوداني ووقوفه إلى جانب الجيش.
وقال إن دعم المواطنين للقوات المسلحة يمثل "صمام أمان" لوحدة البلاد واستقرارها، مؤكدًا مواصلة تطهير السودان من التمرد، وفق تعبيره.
وهو ما يعني أن المؤسسة العسكرية لا تزال ترى أن الحسم الميداني جزء أساسي من أي معادلة سياسية مستقبلية، وهو ما قد يعقد فرص الوصول إلى تسوية شاملة في المدى القريب.
الخرطوم واستعادة "العافية"
ومن بين الرسائل اللافتة في الخطاب، حديث البرهان عن أن العاصمة الخرطوم بدأت "تستعيد عافيتها"، في إشارة إلى التطورات الميدانية الأخيرة وعودة بعض مظاهر النشاط في مناطق من العاصمة.
من يشارك في الحوار؟
البرهان أوضح أن الدعوة ستُوجه إلى القوى الوطنية "التي لم تتلطخ أيديها بدماء الشعب السوداني"، وهي عبارة تحمل أبعادًا سياسية مهمة، إذ تفتح الباب أمام جدل واسع حول الجهات التي سيتم استبعادها من العملية السياسية المقبلة.
ويرى محللون أن نجاح أي حوار سياسي في السودان سيظل مرهونًا بقدرته على تحقيق مشاركة واسعة وتقديم ضمانات حقيقية للأطراف المختلفة، إلى جانب معالجة الملفات الإنسانية والأمنية المرتبطة بالحرب.
بين خطاب التهدئة وواقع الأزمة
ورغم الطابع التصالحي الذي حملته الدعوة إلى الحوار، فإن الخطاب عكس أيضًا حجم الانقسام الذي لا تزال تعيشه الساحة السودانية، بين خيار التسوية السياسية وخيار الحسم العسكري.
ومع استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، يواجه السودان تحديًا بالغ الصعوبة يتمثل في كيفية الانتقال من منطق المواجهة إلى منطق التوافق الوطني، وسط تعقيدات داخلية وتشابكات إقليمية ودولية متزايدة.