"ترامب" يجفف منابع ميزانية منظمة العمل الدولية.. والديون تتخطى حاجز "نصف مليار فرنك".. عجز مالى تاريخي يهدد استقرار حقوق العمال عالميا.. واشنطن مدينة للمنظمة بـ257 مليون فرنك منذ 2023 لتوقفها عن سداد الاشتراكات

الثلاثاء، 26 مايو 2026 04:00 م
"ترامب" يجفف منابع ميزانية منظمة العمل الدولية.. والديون تتخطى حاجز "نصف مليار فرنك".. عجز مالى تاريخي يهدد استقرار حقوق العمال عالميا.. واشنطن مدينة للمنظمة بـ257 مليون فرنك منذ 2023 لتوقفها عن سداد الاشتراكات منظمة العمل الدولية

كتبت آية دعبس

- بكين وطوكيو ولندن وروما مدينون بـ 96.4 مليون فرنك لعام 2026.

- المؤسسة تتجه لإلغاء 350 وظيفة ونقل مقرها خارج جنيف.. وتغلق 50 مشروعا تنمويا فى الولايات المتحدة الأمريكية لتقليص النفقات..

- والمنظمة تطلق "المساءلة الرقمية" لإحراج الدول عالميا والضغط لسداد المديونيات..




تواجه منظمة العمل الدولية، المؤسسة الأممية العريقة الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 1969، أزمة مالية هي الأكثر حدة وخطورة في تاريخها الحديث، حيث وضعت الديون المتراكمة والمتأخرات المالية الضخمة المنظمة أمام تهديد وجودي يمس جوهر عملياتها الرقابية والميدانية، وتأتي هذه الأزمة في توقيت بالغ الحساسية، حيث يعاني سوق العمل العالمي من تحولات كبرى ناتجة عن التطورات التكنولوجية والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، مما يجعل غياب أو ضعف الدور التنظيمي والمعياري للمنظمة خطرا يمتد أثره إلى استقرار حقوق العمال في مختلف القارات.


 

مؤتمر العمل الدولى الـ114

ومن المقرر أن يتصدر هذا الملف المالي أجندة مناقشات مؤتمر العمل الدولي في دورته الـ114، والمقرر انعقادها في الفترة من 1 إلى 12 يونيو 2026، حيث ستبحث الدول الأعضاء والشركاء الاجتماعيون الخيارات المصيرية لإنقاذ المنظمة من عجزها النقدي الحاد.

وقد أعلن المدير العام للمنظمة، جيلبرت هونغبو، في تقارير رسمية مفصلة أمام مجلس الإدارة، أن المنظمة لم تعد قادرة على تجاهل الفجوة التمويلية العميقة التي باتت تعيق بشكل ملموس قدرتها على الوفاء بتوقعات الدول الأعضاء والشركاء الاجتماعيين من اتحادات عمال ومنظمات أصحاب عمل، واصفا الوضع الحالي بأنه "خطير وغير مسبوق ولم تشهده المنظمة في العقود الأخيرة".

وتتمثل جذور الأزمة المالية الراهنة في تراكم للمتأخرات المالية والاشتراكات التي لم تسددها الدول الأعضاء وفق حصصها المقررة، وكشفت البيانات المالية المحدثة حتى 24 من أبريل 2026 أن إجمالي المبالغ غير المسددة قد تجاوز حاجز 500 مليون فرنك سويسري، وهو رقم يمثل أكثر من نصف الميزانية الثنائية المعتمدة للمنظمة للأعوام 2026–2027، والبالغة 926 مليون فرنك سويسري (ما يعادل نحو مليار دولار أمريكي)، ويعني هذا العجز أن المنظمة تجد نفسها مضطرة للعمل بأقل من نصف مواردها المفترضة، مما وضع الإدارة المالية في موقف حرج، أجبرها على استهلاك الاحتياطيات النقدية المحدودة والبحث الفوري عن إجراءات تقشفية قاسية ومراجعات هيكلية قد تغير وجه المنظمة ودورها الدولي إلى الأبد.
 

الدور الأمريكي وتداعيات "تجفيف" الموارد

تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الدول المتسببة في هذا الاختناق المالي بشكل مباشر وواضح، فمنذ عام 2023، توقفت واشنطن عن سداد اشتراكاتها المقدرة للمنظمة، علما بأنها الدولة التي تسهم تاريخيا بنسبة 22% من إجمالي الميزانية العادية، مما يجعلها الممول الأكبر والمنفرد للمنظمة، وبحسب التقارير الصادرة عن مكتب العمل الدولي، فإن إجمالي المتأخرات الأمريكية المستحقة حتى ربيع عام 2026 تجاوز 173 مليون فرنك سويسري عن عامي 2024 و2025 فقط، يضاف إليها اشتراك عام 2026 البالغ 84 مليون فرنك سويسري والذي لم يتم تحصيله بعد، ليصل إجمالي المديونية الأمريكية المباشرة إلى نحو 257 مليون فرنك سويسري.

وأرجع هذا التوقف عن السداد إلى توجهات سياسية اعتمدتها الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب، والتي اتسمت بالتشكيك في فاعلية المنظمات الدولية متعددة الأطراف، وهي التوجهات التي استمرت آثارها وتعمقت في الميزانيات اللاحقة رغم التغيرات السياسية، وقد بررت الإدارة الأمريكية هذا الموقف بإعلان خفض إضافي بقيمة 107 ملايين دولار من التزاماتها تجاه المنظمة، مدعية أن منظمة العمل الدولية تنتهج سياسات "تعمل على تنظيم العمال الأجانب وتعاقب المصالح التجارية الأمريكية في الخارج"، وهو الادعاء الذي واجهه موظفو وأمانة المنظمة برفض قاطع، معتبرين هذا التوصيف تشويها للمهام الدستورية للمنظمة التي تهدف بالأساس إلى وضع معايير دنيا عالمية لحماية كافة العمال وتوفير بيئة منافسة عادلة بين الدول تمنع "سباق القاع" في الأجور وحقوق العمل.


 

خريطة المتأخرات الدولي

لا تقتصر الأزمة المالية على الموقف الأمريكي وحده، رغم كونه المسبب الأكبر لهذا العجز، حيث تشير البيانات المسجلة في مارس 2026 إلى أن المنظمة لم تتمكن من تحصيل سوى 20% فقط من إجمالي الاشتراكات المقررة للعام الحالي من كافة الدول الأعضاء، وتظهر قائمة المتأخرين دولا كبرى ذات ثقل اقتصادي عالمي، منها الصين بمديونية بلغت 57.2 مليون فرنك لعام 2026، واليابان بمبلغ 19.8 مليون فرنك، والمملكة المتحدة بمتأخرات وصلت إلى 11.4 مليون فرنك، وإيطاليا بمديونية قدرها 8.0 ملايين فرنك سويسري، ورغم أن المصادر الرسمية داخل المنظمة تشير إلى أن تأخر بعض هذه الدول قد يعزى إلى إجراءات دورة الدفع الإدارية والميزانيات الوطنية وليس بالضرورة قرارا سياسيا بالامتناع، إلا أن تزامنه مع الانقطاع الأمريكي المتعمد أدى إلى حالة من الشلل في التدفقات النقدية اللازمة للتشغيل اليومي والوفاء بالرواتب والالتزامات التعاقدية.

وفي إطار سعيها لمواجهة هذا التقاعس المالي، اتخذت منظمة العمل الدولية خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تفعيل المساءلة العامة، حيث دشنت "متتبعا حيا" على موقعها الرسمي، يتيح للجمهور والمنظمات الحقوقية والعمالية والمانحين مراقبة حالة سداد كل دولة عضو بشكل فوري وشفاف، وتهدف هذه الأداة الرقمية إلى إحراج الدول المتأخرة دوليا وإظهار التباين الكبير بين دول ملتزمة مثل ألمانيا وكندا التي سددت كامل التزاماتها المالية في مواعيدها، ودول أخرى تماطل في السداد رغم استفادتها من عضوية المنظمة وخدماتها التقنية والمعيارية.
 

توزيع المديونيات


توضح المؤشرات المالية للمنظمة حجم الفجوة النقدية التي تواجهها؛ ففي مقابل ميزانية ثنائية معتمدة للفترة 2026–2027 تبلغ 926 مليون فرنك سويسري (نحو مليار دولار)، بلغت جملة المتأخرات والمبالغ غير المسددة حتى 24 أبريل 2026 ما يتجاوز 500 مليون فرنك، وهو ما يعادل أكثر من نصف الميزانية المقررة، وتتصدر الولايات المتحدة قائمة المديونيات بمتأخرات تتخطى 173 مليون فرنك عن عامي 2024 و2025، يضاف إليها اشتراك عام 2026 البالغ 84 مليون فرنك والذي لم يسدد بعد.

كما تشمل قائمة الدول التي لم تسدد حصصها لعام 2026 حتى فبراير الماضي كل من: الصين بمبلغ 57.2 مليون فرنك، واليابان ب 19.8 مليون، والمملكة المتحدة ب 11.4 مليون، وإيطاليا بنحو 8 ملايين فرنك سويسري، فيما قامت فرنسا بسداد جزء من حصتها، وفي المقابل، برزت ألمانيا وكندا كدول ملتزمة سددت كامل اشتراكاتها لعام 2026 في المواعيد المحددة، وقد انعكس هذا العجز فعليا بإلغاء 225 وظيفة وإغلاق 50 مشروعا في الولايات المتحدة، مع وضع سيناريوهات طوارئ تهدد بإلغاء ما بين 120 إلى 350 وظيفة إضافية، في ظل رصيد محدود لصندوق رأس المال العامل لا يتجاوز 44.5 مليون فرنك، ومخصصات تقنية متواضعة بلغت 700 ألف دولار لتطوير أنظمة التقارير الرقمية.
 

التداعيات على الموارد البشرية والعمليات الميدانية


بدأت آثار هذا العجز المالي تظهر بوضوح في الهيكل الوظيفي والقدرات التشغيلية للمنظمة، فمنذ بداية تفاقم الأزمة في عام 2025 وحتى مطلع عام 2026، اضطرت المنظمة فعليا إلى إلغاء 225 وظيفة في المقر الرئيسي بجنيف وفي المكاتب الميدانية الإقليمية، بالإضافة لإغلاق نحو 50 مشروعا تنمويا كانت المنظمة تشرف على تنفيذها داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، وذلك نتيجة مباشرة لغياب التمويل الأمريكي المخصص لتلك الأنشطة والمشاريع.

وقد حذر المدير العام من سيناريوهات أكثر قتامة في حال استمرار هذا الجفاف المالي، ففي "السيناريو الأول"، قد تضطر المنظمة لإلغاء 120 وظيفة إضافية بحلول عام 2029 لتحقيق وفورات إجبارية بقيمة 82.5 مليون فرنك. أما في "السيناريو الثاني"، وهو "الأسوأ"، فإن المنظمة قد تجد نفسها مضطرة لإلغاء ما يصل إلى 350 وظيفة من أصل 1600 موظف في المقر الرئيسي، أي ما يعادل نحو 22% من الكادر الوظيفي الأساسي للمقر، وتشمل الإجراءات التقشفية الحالية أيضا تجميدا شاملا وصارما لعمليات التوظيف الخارجي، وإطلاق برامج موسعة للتقاعد المبكر الطوعي، في محاولة لتقليل فاتورة الأجور الثابتة التي تستهلك الجزء الأكبر من الميزانية التشغيلية.
 

مقترحات الرحيل عن جنيف


بدأ مجلس إدارة المنظمة في دراسة خيارات إصلاحية كانت في السابق تعد من "المحرمات المؤسسية"، ففي دورته رقم 356، ناقش المجلس بجدية إمكانية نقل بعض عمليات المنظمة الحيوية والخدمات الإدارية والتقنية من مدينة جنيف السويسرية، التي تصنف من بين أغلى مدن العالم تكلفة، إلى مدن أوروبية أو دولية أخرى توفر تكاليف تشغيلية أقل، وتبرز في قائمة المدن المقترحة كبدائل جزئية كل من: بودابست وتورين وبون، بالإضافة إلى مقترحات طموحة بنقل مراكز خدمات إدارية ومالية إلى مدن مثل الدوحة أو بريتوريا.

وتهدف هذه الخطوة، في حال إقرارها، إلى توحيد كافة الخدمات الداعمة في "مركز خدمات عالمي" واحد، مما يقلل من تكرار الوظائف الإدارية في المكاتب المختلفة ويستفيد من فروق تكاليف المعيشة والأجور بين جنيف وهذه المدن. كما تضمنت رؤية الإصلاح الاستراتيجي التي أقرها مجلس الإدارة ثلاثة محاور رئيسية: أولا إعادة هيكلة شاملة للمقر الرئيسي لترتيب الأولويات، ثانيا تعزيز الحضور الميداني من خلال تفويض صلاحيات أوسع للمكاتب الإقليمية والقطرية لتكون أقرب لمواقع التنفيذ بأقل التكاليف، وثالثا توحيد الأنظمة الرقمية والتقنية لرفع الكفاءة وتقليل الاعتماد على العنصر البشري في العمليات الإدارية الروتينية.

تكمن الخطورة الحقيقية والأثر الأعمق لهذه الأزمة في مساسها المباشر بالجهاز الرقابي للمنظمة، وهو النظام المسؤول عن مراقبة تنفيذ اتفاقيات العمل الدولية وضمان عدم انتهاك حقوق العمال الأساسية في الدول الأعضاء، وقد أعربت دول الاتحاد الأوروبي، في بيانات رسمية ومداخلات أمام مجلس الإدارة، عن قلقها البالغ من أن غياب التمويل الكافي يضعف قدرة المنظمة على إرسال بعثات التحقيق الميدانية ورصد الانتهاكات، مما قد يؤدي بالتبعية إلى تراجع المعايير الدولية للعمل وزيادة مطردة في حالات العمل القسري وعمالة الأطفال، خاصة في المناطق الهشة والمناطق المتأثرة بالنزاعات.

وأكدت تقارير مجلس الإدارة أن هذه المتأخرات أجبرت المكتب الدولي للعمل على اتخاذ تدابير تقشفية لاحتواء التكاليف تمس وظائف حيوية وجوهرية، وهو ما يهدد بانهيار "الطابع الثلاثي" الذي يميز المنظمة، والقائم على التوازن الدقيق في صنع القرار بين الحكومات وأصحاب العمل والعمال، فالمنظمة لا تكتفي بصياغة القوانين والاتفاقيات، بل تقدم الدعم التقني الأساسي لتطوير تشريعات العمل الوطنية في الدول النامية، وهو دور بات مهددا بالتقلص الشديد أو التوقف التام نتيجة النقص الحاد في الموارد المالية المتاحة.
 

تدابير مالية طارئة وحراك نقابي عالمي


لجأت المنظمة إلى حلول مالية طارئة لمحاولة الصمود في وجه هذا العجز، فقد أجاز مجلس الإدارة تحويل 50% من صافي أقساط التأمين البالغة 19.03 مليون فرنك سويسري إلى "صندوق رأس المال العامل" لتعزيز السيولة، ورغم أن هذا التحويل الاستثنائي رفع رصيد الصندوق إلى 44.5 مليون فرنك، إلا أن الخبراء الماليين يحذرون من أن هذا المبلغ لا يكفي لتغطية نفقات التشغيل الأساسية والرواتب إلا لأسابيع قليلة جدا في حال استمر توقف الاشتراكات الكبرى من الدول المانحة الرئيسية.

وأشارت المنظمة إلى أن الاتحاد العالمي لعمال الصناعة، الذي يمثل ملايين العمال حول العالم، أطلق حملة دولية واسعة لحث النقابات الوطنية على الضغط على حكوماتها لسداد مستحقات منظمة العمل الدولية، وحذر الاتحاد من أن أي إضعاف للمنظمة هو إضعاف مباشر لخط الدفاع الأول عن حقوق العمال في مواجهة جشع الشركات العابرة للقارات، مشددا على أن استقرار المنظمة هو صمام أمان للسلم الاجتماعي العالمي.

كما أعلنت المنظمة في مايو 2026 عن تعيين مسؤول أمريكي بارز في منصب نائب المدير العام، واعتبر المحللون هذه الخطوة بمثابة محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع الإدارة الأمريكية وتفنيد المزاعم التي تتهم المنظمة بالانحياز ضد المصالح الاقتصادية الأمريكية، وتهدف هذه الخطوة لبناء جسور الثقة وتشجيع الكونجرس والإدارة الأمريكية على تسوية المتأخرات لتفادي انفصال كامل قد يؤدي إلى شلل تام في أنشطة المنظمة الدولية.

ويترقب الجميع الدورة رقم 357 لمجلس الإدارة المقرر عقدها في يونيو 2026، وجدول أعمالها المصيري، حيث من المتوقع أن تشهد هذه الدورة قرارات حاسمة وصعبة بشأن مستوى التقليص الوظيفي النهائي وتفعيل حالة الطوارئ التي قد تشمل مراجعة الميزانية المعتمدة لأول مرة في تاريخ المنظمة الحديث، وسيكون على الدول الأعضاء في هذه الدورة الاختيار بين الاستمرار في سياسة التجفيف المالي وتحمل التبعات التاريخية لانهيار معايير العمل الدولية، أو التحرك الجماعي والمسؤول لضمان بقاء المنظمة ككيان فاعل وقادر على حماية العدالة الاجتماعية.
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة