خيم الصمت على الجمهور بقاعة محكمة الجنايات وخارجها صباح 25 مايو، مثل هذا اليوم، 1926، وذلك لحظة نطق رئيس المحكمة الإنجليزى «كيرشو» الحكم فى قضية «الاغتيالات السياسية» التى نفذتها جمعية سرية ضد الاحتلال الإنجليزى، حسبما يذكر أحمد شفيق باشا فى «حوليات مصر السياسية - الحولية الثالثة».
أعلن «كيرشو» الإعدام شنقًا للمتهم الأول، محمد فهمى على الطوخى، وبراءة محمود أفندى عثمان مصطفى، والحاج أحمد جاد الله، والدكتور ماهر، ومحمود فهمى النقراشى، وحسن كامل، وعبدالحليم البيلى، ويؤكد الكاتب الصحفى مصطفى أمين فى كتابه «الكتاب الممنوع..أسرار ثورة 1919»، أن هذه الجمعية كانت «الجهاز السرى لثورة 1919»، برئاسة عبدالرحمن بك فهمى، وبعد اعتقاله أشرف عليه أحمد ماهر، وفى نوفمبر1921 انضم محمد فهمى إليه.
ضمت الجمعية فى عضويتها أشخاصا من مهن مختلفة، ويذكر الدكتور محمود متولى فى كتابه «مصر وقضايا الاغتيال السياسى»: «كان فيها الحقوقى، والضابط والميكانيكى والطالب والنجار، ومن أبرز أعضائها شفيق منصور ومحمود إسماعيل، ومحمد فهمى على «النجار» الذى شارك فى حوادث رسم خططها شفيق وإسماعيل، وضابط البوليس مصطفى حمدى الذى رفت لأسباب سياسية، وتوفى بصحراء حلوان أثناء تدريبه مع أحمد ماهر على تفجير بعض القنابل».
يضيف «متولى» أن شفيق منصور كشف أسرار الجهاز السرى أثناء التحقيقات فى قضية اغتيال سردار الجيش المصرى وحاكم السودان، سيرلى ستاك، يوم 19 نوفمبر 1924، ويذكر شفيق باشا: «ألقت النيابة القبض على بعض كبار الموظفين الوطنيين، وبعض رجال الوفد مع آخرين، وأودعتهم السجون، واستمرت محاكمتهم خمس وثلاثين جلسة بمحكمة الجنايات، وحازت على اهتمام سياسى وشعبى كبير فى مصر وبريطانيا، ويوم صدور الحكم انتشر الناس كالجراد فى الشوارع المحيطة بالمحكمة وميدان باب الخلق، وتوجه الذين حصلوا على البراءة إلى سعد زغلول فى بيت الأمة، لكن محمد فهمى الطوخى ظل فى سجنه انتظارًا لرد فضيلة المفتى»، فماذا فعل هذا البطل المولود بمدينة طوخ، قليوبية، يوم 8 فبراير 1895، وحصل فيها على دبلوم المدارس الصناعية، قسم النجارة، وعمل بمدرسة التلغراف بالقاهرة؟
يصفه مصطفى أمين: «كان بارعًا فى الهرب وتضليل البوليس، يعمل يومًا نجارًا، ثم حدادًا، يومًا يرتدى ملابس فلاح، ويومًا يرتدى بنطلونًا، ورغم مجهودات المخابرات البريطانية، لم يستطع أحد أن يعرف من هو هذا الشاب الأسمر الذى يقوم بأخطر العمليات فى ثورة 1919، والتحق بخلية شفيق منصور، لكنه كان عضوًا فى عدة خلايا تابعة للجهاز، كان يضرب بالرصاص، ويحصل على المعلومات، ويوصل الرسائل، ويعرف كثيرًا من أسرار هذا الجهاز، ويضطر أن ينقطع عن عمله فلا يكسب مليمًا واحدًا فى ذلك اليوم، ويسمع السلطات العسكرية تعلن عن مكافأة ألف، وخمسة آلاف، وعشرة آلاف جنيه، لمن يدلى بمعلومات عن الجهاز السرى، كان يقرأ الإعلانات، ويضحك ويمضى يبيت ليلته بدون عشاء».
يؤكد «أمين» أن «الطوخى» واجه 15 اتهامًا فى القضية، وهو الذى صنع لخليته السرية مخبأ القنابل والمسدسات فى بيت محمود إسماعيل الذى فتشه ضباط البوليس الإنجليزى عشرات المرات دون أن يصلوا إليه، واعترف بعد القبض عليه بارتكاب عملياته، ويصف شفيق باشا لحظات تلقيه الحكم بإحالته إلى المفتى، قائلا: «أبدى رباطة جأش غير عادية بالرغم مما ظهر على وجهه من الاصفرار، وقال بخصوص ما نشر عنه فى الصحف بعد قرار المحكمة: «أرجو أن تكذبوا ما نشرته الصحف عن أنى فى ذهول أو مأخوذ بالحكم، فأنا موقن بعدالة الحكم بالنسبة لزملائى المتهمين، أما أنا فيتولانى الله برحمته لأنى مظلوم وبرىء ويخلق فى قضائه رحمة».
كان الكاتب والروائى يحى حقى يعمل بالمحاماة وقتئذ، ويحضر الجلسات للاستماع إلى المرافعات، ويتذكر ما جرى يوم نطق الحكم، قائلا فى سيرته «خليها على الله»: «يجلس المتهمون فى صفين، فى الصف الخلفى السياسيون المثقفون فى الصف الأول، جلس المتهمون من غير الساسة المثقفين، جماعة من أولاد البلد، فى وسطهم النجار محمد فهمى محنى الرأس يعتمدها على ذراعيه المسنودتين إلى ركبتيه، يتتبع باهتمام العامة ما يدور من كلام عويص بين القضاة والمحامين، القاعة تغص حتى تكاد تختنق بالمثقفين أصدقاء الساسة المثقفين، فلم يكد «كيرشو» ينطق بالحكم «البراءة» حتى هرعوا جميعا يصرخون ويهللون يقبل بعضهم بعضا، غرقوا جميعا بعضهم فى أحضان بعض، ونظرى مثبت على وجه محمد فهمى، ابن البلد النجار الذى حكم عليه وحده بالإعدام من أجل القضية الوطنية ذاتها الموجهة لزملائه، لا من أجل السرقة أوالنهب، لا أستطيع أن أقول إن وجهه شاحب أو مذهول، بل من عينيه تنبعث نظرة بلهاء لرجل حائر لا يفهم ما يرى ولا يدرى كيف يفسره، لم يكلمه واحد من زملائه أولاد البلد فى الصف الأول، ولا واحد من شركائه الساسة المثقفين الجالسين وراءه، لم يكلمه واحد من الجمهور، لأنه منشغل بالرقص والضحك والهتاف».