بكل التجرد، واللجوء إلى فضيلة الإنصاف والأمانة فى الطرح، لا يمكن إنكار ما يحدث حاليا فى أقصى نقطة فى الجنوب، توشكى، والتى تشهد طفرة كبرى فى المشروعات الزراعية والرى، ومرورا بالدلتا فى شمال غرب، والتى بعثت من جديد لتكون سلة غلال، وفق توصيف العالم القديم لها، وعلى رأسها الإمبراطورية الرومانية، ثم الاتجاه إلى شمال شرق وتحديدا للمنطقة الصناعية لقناة السويس من العين السخنة مرورا بالإسماعيلية وشرق بورسعيد، حيث الطفرة الصناعية الكبرى، والسير على خطى هونج كونج.

هذه الطفرات تأتى وسط ضجيج الأزمات الاقتصادية العالمية، وأنه منذ 2019 مع جائحة فيروس كورونا وما استتبعها من حالة تضخم وكساد كبيرة، ثم الحرب الروسية الأوكرانية والمستمرة حتى الآن، ثم حرب إبادة غزة فى أكتوبر 2023 وتبعاتها الاقتصادية والسياسية، ونهاية بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران وما استتبعها من ارتباك كبير فى سلاسل الإمداد، وتأثر الطاقة نتيجة إغلاق مضيق هرمز المستمر حتى الآن، كلها أزمات متتالية ومتتابعة كفيلة بالتأثير السيئ على الدول النامية والاقتصاديات الناشئة، إلا أن مصر، استطاعت أن تستمر فى تدشين طفرتها الاقتصادية، رافعة شعار: الدول لا تقاس بما تواجهه من تحديات اليوم، وإنما بما تزرعه من فرص واعدة للغد.

الوادى والدلتا
المشروعات الثلاثة العملاقة، تتكامل فيما بينها، فعلى مدار آلاف السنين، تركزت غالبية الزراعة المصرية فى الوادى والدلتا على مساحة محدودة للغاية، مقارنة بالمساحة الكلية لمصر، ومع الزيادة السكانية المطردة، وارتفاع الطلب على الغذاء، أصبحت معادلة الغذاء أكثر تعقيدا، خاصة مع اضطراب سلاسل الأمداد العالمية واندلاع الحروب والأزمات الدولية، لذلك كان من الضرورى التوسع الأفقى فى الرقعة الزراعية، عبر تدشين مشروعات ضخمة، وأن الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية فولاذية، فى ظل - كما أوضحنا - الأزمات الدولية والإقليمية المستمرة طوال 7 سنوات كاملة دون توقف.

تستهدف مشروعات التوسع الزراعى إضافة أكثر من مليونىّ فدان جديدة للرقعة الزراعية المصرية، ويعد مشروع الدلتا الجديدة أحد أكبر وأهم مشروعات الاستصلاح فى المنطقة، بما تضيفه من مساحات تتجاوز 15% للرقعة الزراعية المصرية التاريخية، كما وكيفا، إذا ما وضعنا فى الاعتبار أن كل فدان جديد يضاف للرقعة الزراعية، يعنى تقليص فاتورة الاستيراد، وزيادة الإنتاج المحلى من المحاصيل الاستراتيجية، وخلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وإقامة مجتمعات عمرانية وصناعية جديدة حول النشاط الزراعى.
وليس من قبيل الصدفة أن المؤسسات الدولية المعنية تضع جل تركيزها واهتمامها فى السنوات القليلة الماضية، على قضية الأمن الغذائى، باعتبارها أحد أبرز تحديات الدول النامية، وهو ما دفع البنك الدولى والاتحاد الأوروبى إلى منح أولوية خاصة فى برامجهما التنموية على مشروعات مرتبطة بتعزيز مرونة منظومة الغذاء، إيمانا منهما بأن الأمن الغذائى ليس رفاهية وإنما قضية جوهرية.
فالحرب «الروسية - الأوكرانية» كانت درسا قاسيا للعالم بأثره، ولدول العالم الثالث على وجه الخصوص، مفاده أن الاعتماد المفرط على استيراد السلع الأساسية يمثل خطرا استراتيجيا.
مصر كانت من أبرز الدول التى أدركت هذه الحقيقية، لذلك شمرت عن ساعديها وقررت تدشين مشروعات عملاقة، تتجاوز أهميتها، مجرد الإنتاج الزراعى، إلى اعتبارها استثمار فى الاستقرار والاستقلال الوطنى، فكل زيادة فى إنتاج القمح والذرة وبقية المحاصيل الاستراتيجية، يعنى بالضرورة تخفيض الضغط على العملة الصعبة، وتقليل التعرض لصدمات الأسواق العالمية.

مشروعات الدلتا الجديد
ولذلك تكتسب أهمية مشروعات الدلتا الجديدة، وتوشكى، كونها مشاريع زراعية، إلى اعتبارها مشروعات اقتصادية سيادية.
وتأسيسا على ما سبق، فإن القواعد والنظريات الاقتصادية المرموقة، تعلمنا أن الدول لا يمكن أن تصير غنية، بجناح واحد، فالمشروعات الزراعية، جوهرية، لكن هناك جناحا قويا آخر يتمثل فى الصناعة، وهنا يظهر الدور المحورى للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التى تعد - وفق ما تشهده من مخططات وتدشين للمصانع فى كل القطاعات - أكثر من مجرد منطقة صناعية.
فمن المعروف أن من بين المزايا التى تمتلكها مصر، بجانب الأرض والقوى البشرية، هو الموقع، فأحد أهم الممرات البحرية فى العالم يمر عبرا أراضيها، ونرى حاليا، ماذا يشكل مضيق هرمز كممر بحرى من قيمة استراتيجية، تضاهى سلاح الردع النووى، فما البال بقناة السويس، الشريان الأهم؟!
لذلك دُشنت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، لتكون منصة صناعية ولوجستية عالمية، فى تطبيق حرفى لكيفية استثمار الموقع الفريد، المنطقة تضم موانئ ومناطق صناعية متخصصة وحوافز استثمارية، جاذبة لكبرى الشركات العالمية، الراغبة فى التصنيع بالقرب من الأسواق الأوروبية والأسيوية والأفريقية.

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
وخلال السنوات الأخيرة، شهدت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، طفرة مبهرة، بجذب مئات المشروعات الجديدة، واستثمارات بمليارات الدولارات، مع توسعات ضخمة فى البنية التحتية والموانئ والخدمات اللوجستية، فيكفى على سبيل المثال لا الحصر، أن ميناء شرق بورسعيد قد حقق طفرة لافتة فى مؤشرات الأداء العالمية، ما يعزز قدرة مصر على المنافسة كمركز للتجارة والصناعة وإعادة التصدير.
ما يحدث فى المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، من طفرات مدهشة ولافتة، فى حجم الاستثمارات، دفع البعض إلى تشبيهها بما حدث فى هونج كونج، ولذلك برز السؤال المهم، هل تتحول إلى هونج كونج أفريقيا؟

قناة السويس
الفكرة الجوهرية متشابهة، فهونج كونج لم تصبح قوة اقتصادية كونها تمتلك موارد طبيعية ضخمة، وإنما كونها تحولت إلى منصة عالمية للتجارة والخدمات والاستثمار، والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمتلك مقومات تسمح لها بأداء نفس الدور وأكثر فى محيطها الأفريقى والإقليمي، فموقعها الجغرافى، استثنائى، قريب من أوروبا وأسيا وأفريقيا، وتمتلك موانئ حديثة، وبنية تحتية متطورة، وحوافز استثمارية جاذبة، بجانب الإرادة السياسية القوية فى الإصرار على التنفيذ وبكفاءة، وتحطيم كل المعوقات.
المشروعات الثلاثة، «توشكى والدلتا الجديدة، والمنطقة الصناعية لقناة السويس»، ومن قبلها مشروعات البنية التحتية الضخمة، تضع مصر على خريطة التحول من اقتصاد الاستهلاك والاستيراد، إلى اقتصاد الإنتاج والتصدير، وهى نقلة تاريخية كبرى.
مصر تتحرك بخطوات ثابتة ومتسارعة، فى اتجاه دعم الصناعات التصديرية والتوسع فى المناطق الصناعية واللوجستية وتعميق التصنيع المحلى، وهنا يقفز السؤال الجوهرى، هل تسير مصر فى الطريق الصحيح؟ والإجابة الموضوعية الموثقة، هى: «نعم»، فما يحدث اليوم ليس مجرد مشروع استصلاح أراض، أو إنشاء مصانع، وتطوير موانئ، وإنما محاولة حقيقية لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية المصرية، ومن توشكى إلى الدلتا الجديدة ثم المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، تتشكل ملامح مشروع وطنى ضخم يحمل عنوانا: «إنتاج أكثر، غذاء أكثر، صناعة أكبر، وصادرات أوسع».
الأمم لا تصنع المعجزات بين ليلة وضحاها، وإنما تصنعها عندما تعرف بشكل واضح، إلى أين تتجه، ثم تواصل السير بخطوات ثابتة واثقة.