زار بابا الفاتيكان لاون 14، منطقة "أرض الحرائق" الإيطالية، وهي إقليم تلوث لعقود بـ النفايات السامة التي ألقتها المافيا، ودعا إلى تغيير جذري في النموذج الاقتصادي العالمي لإنقاذ الكوكب من آثار نمط نمو يسبب الفقر والمرض.
وقال البابا، أمام حشد من نحو 15 ألف مؤمن تجمعوا في ساحة مدينة أتشيرا جنوب إيطاليا: "سيكون التغيير الحقيقي في العقلية الاقتصادية والمدنية وحتى الدينية هو ما سيبني الخير الذي سيشفي هذه الأرض وكل الكوكب".
وتُعد بلدة أتشيرا مركز ما يُسمى "أرض الحرائق"، وهي منطقة تضم نحو 90 بلدة بالقرب من نابولي، حيث قامت المافيا المحلية لعقود بدفن وحرق النفايات السامة.
لقاء مع عائلات الضحايا
بدأ البابا يومه بلقاء في الكاتدرائية مع عائلات الضحايا والمرضى الذين أصيبوا بأمراض نتيجة التلوث، مقتدياً في ذلك برغبة سلفه البابا فرنسيس، ومستشهداً بعدة مرات برسالته البيئية "لاوداتو سي" الصادرة عام 2015.
وتجول البابا في شوارع أتشيرا بسيارة البابا المكشوفة، ثم ألقى كلمة أمام المسؤولين المحليين رفض فيها النموذج الاقتصادي الفردي "التكنوقراطي" الذي يستنزف الموارد الطبيعية ويعطي الأولوية لمصالح القلة.
انتقاد النموذج الاقتصادى السائد
وقال البابا: "هذا النموذج لا يزال حتى اليوم يُقدَّم على أنه المنتصر. إنه أصل تضاعف النزاعات التي يقف وراءها السباق نحو احتكار الموارد. ونراه يصمد كلما كان أصحاب المسؤوليات السياسية ضعفاء أمام الأقوياء".
وحذر من أن هذا النموذج "نشط" أيضاً في التطور التكنولوجي الذي يسوده "جني أرباح خيالية للقلة ويتجاهل الناس وعملهم ومستقبلهم".
دعوة لتغيير العقلية
ودعا لاون 14 إلى "تغيير العقلية" ووضع حدودا لهذا النظام الاقتصادي، وطالب بعقد اتفاق بين الناس والمؤسسات والمنظمات لنقل هذه الأفكار إلى المجالين التعليمي والاجتماعي، محذراً من الاستسلام لليأس.
وقال: "الآن جميعنا نعلم أنه من الضروري مراقبة صحة الخليقة كما نراقب باب منزلنا، رافضين إغراءات السلطة والثراء المرتبطة بممارسات تلوث الأرض والماء والهواء والتعايش المشترك".
وتوقع البابا خلق "نظام أقل استهلاكية خطوة بخطوة وبسرعة"، مضيفاً: "كم من النفايات، وكم من الهدر، وكم من السموم نشأت عن نموذج نمو سحرنا، تاركاً إيانا أكثر مرضاً وفقراً. فلنتعلم إذن أن نكون أغنياء بطريقة أخرى".
شهادات عن كارثة بيئية
قبل ذلك، استمع البابا في الكاتدرائية إلى المونسنيور أنطونيو دي دونا، أسقف أتشيرا، الذي وصف حجم "الدراما البيئية" التي سممت المنطقة.
وقال الأسقف، إن الأمر بدأ في ثمانينيات القرن الماضي عندما وجد صناعيون من شمال إيطاليا في هذه المنطقة الجنوبية مكاناً للتخلص من نفاياتهم السامة بوساطة المافيا. وأضاف: "على مدى نحو 30 عاماً، وصلت آلاف الأطنان من النفايات السامة من صناعات كثيرة إلى جزء من هذه الأرض، مما وفر مدخرات كبيرة للصناعيين الفاسدين وأرباحاً هائلة للجريمة المنظمة".
وتسبب ذلك، حسب الأسقف، في "أمراض ووفيات مبكرة، خاصة بين المراهقين والشباب"، مع وجود علاقة واضحة بين التلوث والأورام السرطانية المتكررة.
من جانبه، قال تيتو ديريكو، عمدة أتشيرا، إن هذه الأرض، رغم مشاكلها، "لا تستسلم" بل تمثل رمزاً "للمقاومة المدنية والخلاص الأخلاقي والرغبة العميقة في التغيير".