هل كانت القاهرة مدينة الرفاه والرخاء لسكانها قبل ثورة 23 يوليو 1952؟ وكيف كان حال أربعمائة ألف أسرة تسكنها، وليس منها سوى عدد ضئيل هو فقط الذى تتيح له موارده أن يحيا حياة سعيدة كلها ترف وأبهة؟
جرت العادة أن تكون الإجابة عن السؤالين أسيرة لتجاذبات أيديولوجية بين مؤيدى ثورة 23 يوليو 1952 ومعارضيها، وتحت وقع هذا التجاذب يتم تغييب الحديث عن الدراسات والبحوث المهمة فى هذا المجال، مثل الدراسة التى عرضتها مجلة «آخر ساعة» فى عددها رقم 917، والصادر فى 21 مايو، مثل هذا اليوم، 1952، والدراسة المذكورة عبارة عن بحث ميدانى علمى دقيق، أجرته كلية التجارة بجامعة فؤاد الأول «القاهرة حاليا»، واستغرق إنجازه عاما كاملا، وشمل عينة من 1300 أسرة منتشرة بأنحاء القاهرة وضواحيها، وتم خلالها مراقبة وتسجيل كل شىء يخص إنفاقها.
أشرف على هذه الدراسة الدكتور حسن محمد حسن، المشرف على جمعية الإحصاء بالكلية، وكشف لـ«آخر ساعة»، أن البحث انحصر فى الأسر التى يتراوح دخلها بين خمسة جنيهات وخمسة وثلاثين جنيها فى الشهر وهى غالبية سكان القاهرة وقتها، وتقرر أن يكون أرباب 28 % من الأسر - موضوع البحث - من موظفى الحكومة، و20 % من العمال الفنيين، و10 % من العمال غير الفنيين، و10 % من موظفى الشركات، و8 % من أصحاب المهن الحرة، و4 % من أصحاب المهن والأعمال الأخرى المختلفة.
حذرت «آخر ساعة» من أن «الحقائق التى أبرزتها الأرقام فى هذا الإحصاء العلمى أخطر من أن يسكت عليها أحد»، وهى أن الأسرة التى تسكن القاهرة تستدين كل شهر - فى المتوسط - 140 قرشا، أى أن نفقاتها تزيد على دخلها بمائة وأربعين قرشا، أو بصورة أوضح لم تعد ميزانية الأسرة فى القاهرة تعجز عن الكماليات فقط، ولكنها تعجز عن الضروريات، وليس من بين هذه الأسر، أسرة واحدة لا تضع فى ميزانيتها حسابا خاصا لتسديد الديون، وثبت أن متوسط ما يخص الفرد الواحد من دخل الأسرة يوميا 126 مليما فى الوقت الذى ثبت فيه أن متوسط ما ينفقه يوميا 146 مليما، واتضح أن متوسط ما يجب أن يصرفه الفرد الواحد على العلاج الشهرى 24 قرشا بواقع ثمانية مليمات فى اليوم، ومعنى العلاج هو العرض على الطبيب وشراء الدواء.
وتكشف الدراسة، أن الخبز يكاد يكون القوت الرئيسى لعدد كبير من الأسر، ومن بينها من تصرف ربع الدخل كله على شراء الخبز، ومن بين أفرادها من يأكل خبزا بستة قروش فى اليوم الواحد، وهناك أسر كاملة يقتصر طعامها طوال عدة أيام متوالية على الخبز والجبن، أو الخبز والفجل، أو الخبز واللفت، وأكدت الدراسة أن الأسر التى تتكون من ثمانية أو تسعة أفراد إذا أرادت أن تأكل لحما لا تستطيع، لأن عليها أن تشترى أكثر من نصف رطل، أو على الأكثر ثلاثة أرباع الرطل، وهو ما يساوى تسعة قروش، وتضيف «الدراسة» أنه لم يكن بين الأسر سوى عدد ضئيل جدا يستطيع أن يأكل الطيور مرتين أو ثلاثا كل شهر، أما الغالبية الباقية فيكاد يكون بند الطيور والألبان معدوما تماما فى ميزانيتها، وتبين أن بعض الأسر لا تتناول المواد السكرية، اللهم إلا ثلاث ملبسات أو أربعا لكل فرد منها، أو ربع عود من القصب، مرة أو مرتين فى الأسبوع على الأكثر.
تسجل الدراسة ملاحظات وتصفها بأنها «عجيبة»، وهى: «أن نسبة ما يصرف على الخبز والأرز والمكرونة مرتفعة، وهذا دليل على أن الأسر تكثر من هذه الأطعمة لأنها نشوية وتساعد على حشو المعدة أكثر من أى طعام آخر، والملاحظة الثانية هى ارتفاع نسبة ما تدفعه الأسرة من ميزانيتها فى أجور المواصلات، والتى توازى نصف قيمة الخبز والأرز والمكرونة، ونصف اللحم والأسماك والطيور والبيض ونصف السكن، وأكثر من نصف الكساء الجديد، كما أنها توازى تماما ما تدفعه الأسرة فى العلاج من الأمراض، أما الملاحظة الثالثة فهى، قلة نسبة ما يدفع فى السكن لما هو معروف من الارتفاع الكبير فى أجور المساكن فى القاهرة، فالعشرة فى المائة معناها مثلا ثلاثة جنيهات للأسرة التى يبلغ دخلها ثلاثين جنيها، ولكن الإخصائيين يعللون هذا بأن قلة الموارد وارتفاع النفقات أجبرا عددا كبيرا من الأسر على عدم التنقل من مسكن إلى مسكن، وبذلك احتفظوا بميزة إيجارات ما قبل الحرب، وبأن عددا آخر من الأسر ينتظر فرصة العثور - وذلك نادر جدا - على مبلغ يدفعونه كخلو رجل للحصول على شقة بإيجار قديم، أما التعليل الثالث فهو أن فى القاهرة عدد أسر غير قليل يسكن فى بيوت يملكونها، حتى لو كانت لا تزيد على حجرة عشش خشب أو صفيح.
وثبت من الدراسة أن الغالبية العظمى بين الأسر لا تستطيع أن تضع ميزانية ثابتة لكسوة الشتاء وكسوة الصيف، ولهذا فهى لا تشترى لأحد أفرادها ثوبا جديدا إلا إذا تمزق القديم ولم يعد صالحا لستر الجسد.