لم تكن ليتوانيا وحدها التي عاشت لحظات الرعب عندما أجبر رئيسها ورئيسة وزارئها على الاحتماء فى الملاجئ تحت الأرض لأول مرة منذ الحرب الروسية الأمريكية، ففي إستونيا ولاتفيا وفنلندا ، تكرر المشهد نفسه خلال الأسابيع الماضية، حيث أطلقت السلطات إنذارات جوياً عاجلة، وأوقفت حركة الطيران، وأرسلت السكان إلى الملاجئ، وذلك بسبب ظاهرة جديدة ومقلقة، من طائرات مسيرة "شاردة" تفقد مسارها بسبب التشويش الإلكتروني الروسي وتنجرف عشوائياً إلى أراضي دول حلف شمال الأطلسي (الناتو).
وأشارت صحيفة الكونفدنثيال الإسبانية فى تقرير لها إلى أن هذا التطور يثير تساؤلات حقيقية حول مدى جاهزية دفاعات الناتو الجوية لمواجهة تهديدات منخفضة التكلفة وعالية التكرار مثل المسيرات.
كما يضع الحكومات في دول البلطيق أمام تحدٍ مزدوج: طمأنة شعوبها المتوترة، والرد بحزم دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع موسكو. والأهم من ذلك، أنه يكشف عن بُعد جديد في الحرب الهجينة التي تشنها روسيا على الغرب، باستخدام التقنيات الإلكترونية لإعادة توجيه الصواريخ والمسيرات الأوكرانية نحو أراضي الناتو عمداً.
إستونيا: طائرات الناتو تتصدى ومسيرات تسقط فوق المدن
لم تكن إستونيا بمنأى عن هذه الموجة من المخاوف. ففي 19 مايو 2026، أي قبل يومين فقط من حادثة ليتوانيا، أعلنت وزارة الدفاع الإستونية أن طائرة مقاتلة رومانية من طراز F-16، تعمل ضمن مهمة "شرطة سماء الناتو" المتمركزة في ليتوانيا، أسقطت طائرة مسيرة أوكرانية اخترقت المجال الجوي الإستوني.
وقال وزير الدفاع الإستوني هانو بيفكور إن المسيرة كانت "على الأرجح" أوكرانية، وأنها انحرفت عن مسارها بسبب التشويش الإلكتروني الروسي، مؤكداً أن إستونيا لم تسمح مطلقاً باستخدام مجالها الجوي لشن هجمات على روسيا. وأضاف في مؤتمر صحفي: "نحن نتابع الوضع عن كثب، ونعمل مع حلفائنا في الناتو لتعزيز دفاعاتنا الجوية وحماية حدودنا".
هذا الحادث لم يكن الأول من نوعه. ففي أواخر مارس 2026، عثرت السلطات الإستونية على مسيرة محملة بمتفجرات تحطمت في منطقة غابات في جنوب البلاد. وقدرت التقارير الاستخباراتية أن حوالي 12 مسيرة مختلفة ربما دخلت المجال الجوي الإستوني في حادثة واحدة خلال الأسبوع نفسه. ولم يتمكن الجيش الإستوني من اعتراضها جميعاً بسبب صعوبة رصد المسيرات الصغيرة والبطيئة على رادارات الدفاع الجوي التقليدية.
نتيجة لذلك، لم تعد إستونيا تتردد في إطلاق إنذارات مدنية للسكان. ففي 3 مايو 2026، تلقت سكان مقاطعتي فيروما وإيدا-فيروما (الواقعتين على الحدود مع روسيا) رسائل تحذيرية على هواتفهم تطالبهم بالبقاء في أماكن آمنة بسبب تهديد محتمل من مسيرات. وقد أوضحت وزارة الداخلية الإستونية أن هذه الإنذارات ليست "خياراً، بل واجب الدولة"، لأن حياة وسلامة الناس هي الأولوية القصوى في ظل التهديدات الجديدة.
نشر 200 جندي استونى
وتشير تقارير إعلامية إلى أن حوالي 200 جندي إستوني تم نشرهم على طول الحدود الشرقية مع روسيا في الأيام الأخيرة، مزودين بأنظمة مضادة للطائرات المسيرة. كما أعلنت وزيرة الخارجية الإستونية مارجوس تساخكنا أن بلادها تدرس حالياً إمكانية إغلاق المجال الجوي بالكامل أمام أي طائرة مسيرة، حتى لو كانت "صديقة"، إذا لم تكن قادرة على تنسيق تحركاتها مع السلطات الإستونية.
لاتفيا: مسيرات تصطدم بمنشآت حيوية وتُسقط حكومة
أما في لاتفيا، فكانت التداعيات أكثر دراماتيكية بكثير. ففي بداية مايو 2026، اصطدمت طائرتان مسيرتان أوكرانيتان بمنشأة لتخزين النفط في ضواحي العاصمة ريغا. الحادثة أسفرت عن حريق ضخم استغرق إخماده ثلاثة أيام، لكن لحسن الحظ لم تخلف أي خسائر بشرية.
لكن التداعيات السياسية للحادثة كانت عنيفة وغير مسبوقة: فقد أعلنت رئيسة الوزراء اللاتفية إيفيكا سيلينيا ووزير دفاعها أندريس سبرودز استقالتهما مباشرة بعد الحادثة، تحت ضغط شعبي وسياسي هائل. واتهمتهما المعارضة بـ"التقصير في حماية الأمن القومي" و"عدم اتخاذ إجراءات استباقية لمواجهة التهديدات الجوية".
وكما هو الحال في إستونيا، لجأت لاتفيا إلى نظام الإنذار المبكر للسكان. ففي 3 مايو أيضاً (نفس يوم الإنذار في إستونيا)، تلقت سكان المدن الحدودية الشرقية (ألوكسنه، بالفي، لودزا، ريزكنه، كراسلافا) رسائل تحذيرية عاجلة على هواتفهم المحمولة، بعد رصد تحركات مشبوهة لمسيرات قرب حدودها مع روسيا وبيلاروسيا. ودعت الرسائل السكان إلى التوجه فوراً إلى أقرب ملجأ وعدم الخروج من منازلهم إلا بعد صدور تعليمات جديدة.
ويقول مراقبون عسكريون إن لاتفيا كانت الأكثر تضرراً بين دول البلطيق من ظاهرة المسيرات "الشاردة"، بسبب قرب مطاراتها وبنيتها التحتية النفطية من الحدود الروسية. وقد طالبت الحكومة اللاتفية المؤقتة (التي تشكلت بعد استقالة سيلينيا) الناتو بنشر بطاريات دفاع جوي إضافية على أراضيها، وخصوصاً أنظمة قادرة على رصد وتدمير المسيرات الصغيرة قبل وصولها إلى المنشآت الحيوية.
فنلندا: تحذير في العاصمة هلسنكي والجيش في حالة استنفار
حتى فنلندا، أحدث أعضاء الناتو انضماماً (انضمت رسمياً في أبريل 2023)، لم تسلم من التهديد. ففي الأسبوع الماضي فقط (منتصف مايو 2026)، أطلقت فنلندا إنذاراً جوياً عاجلاً في العاصمة هلسنكي بعد رصد طائرة مسيرة في أجوائها. هذا الإنذار دفع السلطات إلى تعليق حركة الطيران المدني مؤقتاً في مطار هلسنكي الدولي، وإغلاق المجال الجوي فوق وسط المدينة لمدة ساعتين.
وقالت قيادة الدفاع الفنلندية في بيان رسمي: "تم رصد جسم طائر على رادارات الدفاع الجوي. تم إرسال طائرتين مقاتلتين من طراز F-18 لاعتراضه، لكن المسيرة غادرت المجال الجوي قبل وصولهما. تم رفع حالة التأهب بعد 120 دقيقة، بعد التأكد من عدم وجود تهديد إضافي".
هذه الحادثة كانت الأولى من نوعها في هلسنكي منذ انضمام فنلندا إلى الناتو. وأثارت حالة من الذعر بين السكان، خاصة أن العاصمة الفنلندية لم تشهد إنذاراً جوياً منذ الحرب العالمية الثانية. وقد كتب العديد من السكان على وسائل التواصل الاجتماعي أنهم "لم يعتقدوا أبداً أنهم سيشهدون مثل هذه الإنذارات في حياتهم".
وتشارك فنلندا حالياً في المناورات العسكرية الضخمة "Saber Strike 26" التي تجري حالياً (من 27 أبريل إلى 31 مايو 2026) بمشاركة 15 ألف جندي من 11 دولة من دول الناتو، بهدف تعزيز قدرات الحلف على الردع في الجناح الشرقي. وتشمل المناورات تدريبات متخصصة في مكافحة المسيرات والدفاع الجوي وحماية البنية التحتية الحيوية.
ويقول الخبراء العسكريون إن انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو غيّر المعادلة الأمنية في منطقة البلطيق، وجعل بحر البلطيق "بحيرة لحلف الناتو". لكنه في المقابل زاد من توتر روسيا، التي تعتبر أن توسع الناتو يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، خاصة مع قرب الحدود البرية المشتركة (حوالي 1,300 كيلومتر بين فنلندا وروسيا).
تلوث الملاحة الإلكترونية
ما هو الخيط المشترك بين كل هذه الحوادث في ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا وفنلندا؟ تؤكد مصادر استخباراتية وغربية متعددة أن روسيا تستخدم تقنيات الحرب الإلكترونية المتطورة (GPS jamming & spoofing) "لإعادة توجيه" المسيرات الأوكرانية بعيداً عن أهدافها داخل الأراضي الروسية، مما يجعلها تفقد مسارها وتنجرف عشوائياً نحو أراضي دول البلطيق.
هذه التقنية تُعرف بـ"التضليل الإلكتروني" (Electronic Spoofing)، حيث يتم بث إشارات GPS مزيفة تخدع أنظمة الملاحة في المسيرات وتجعلها تعتقد أنها تطير في مسار مختلف تماماً. الهدف الروسي المعلن هو حماية أهدافها الحيوية (مثل موانئ أوست-لوجا وبريمورسك على بحر البلطيق، وقاعدة بوتوفو الجوية، ومصفاة كيريشي للنفط) من الهجمات الأوكرانية.
لكن النتيجة العملية لهذه الاستراتيجية هي أن المسيرات الأوكرانية "الشاردة" أصبحت تُشكل تهديداً حقيقياً لدول الناتو، مما يُضعف ثقة الحلف في قدرته على حماية حدوده الشرقية، ويُربك العلاقة بين كييف ودول البلطيق (التي تدعم أوكرانيا بقوة)، ويخلق حالة من الفوضى والذعر بين المدنيين.