سقط قناع السلمية سريعًا بعد سقوط حكم جماعة الإخوان الإرهابية في 30 يونيو، وخرج الوجه الحقيقي للتنظيم إلى الشوارع محمولًا بالكراهية والرغبة في الانتقام، فلم تعد الخصومة السياسية مجرد هتافات أو احتجاجات، بل تحولت إلى مشاهد دم وتعذيب وسحل وقتل علني، كان أبشعها ما جرى فوق أحد عقارات سيدي جابر بالإسكندرية، حين تحولت مجموعة من الصبية إلى فرائس في أيدي عناصر متطرفة تجردت من أي معنى للرحمة أو الإنسانية.
في الخامس من يوليو 2013، شهدت منطقة سيدي جابر اشتباكات عنيفة بين عناصر الجماعة الإرهابية وأهالي المنطقة، لكن ما وثقته الكاميرات وقتها كشف جريمة تهز أي ضمير حي، فأربعة صبية حاصرهم أنصار الجماعة أعلى خزان مياه فوق سطح عقار، قبل أن ينهالوا عليهم بالضرب الوحشي، ثم يقوموا بإلقائهم من أعلى وسط صرخات وفوضى وهتافات تحريضية، في مشهد صادم بقي محفورًا في ذاكرة المصريين باعتباره أحد أكثر مشاهد العنف السياسي بشاعة بعد عزل محمد مرسي.
راية القاعدة فوق الجريمة
وسط هذا المشهد الدموي ظهر محمود حسن رمضان، المتهم الرئيسي في القضية، وهو يحمل راية تنظيم "القاعدة" الإرهابي، في صورة اختصرت العلاقة الخطيرة بين فكر الجماعة والتنظيمات التكفيرية، فلم يكن الرجل مجرد مشارك في اشتباك، بل نموذجًا صارخًا لخطاب تعبوي يرى الخصم عدوًا يستحق التنكيل والتصفية.
الجريمة لم تكن وليدة لحظة غضب عابرة، لكنها نتيجة مباشرة لسنوات من التحريض والتكفير وبث الكراهية داخل عقول الأتباع، حتى أصبح العنف وسيلة مشروعة لحماية التنظيم والانتقام من المجتمع والدولة.
الإخوان لا يرون القاتل قاتلًا.. بل بطلاً مظلومًا
الأخطر من الجريمة نفسها كان الطريقة التي تعاملت بها الجماعة الإرهابية مع مرتكبها، فبدلًا من إدانة ما حدث أو الاعتراف ببشاعة الواقعة، بدأت ماكينة التبرير والتضليل في العمل فورًا، لتحويل المتهم من قاتل موثق بالصوت والصورة إلى ضحية وشهيد مظلوم.
وعقب تنفيذ حكم الإعدام في مارس 2015، خرجت زوجته لتردد الرواية المعتادة داخل دوائر الجماعة الإرهابية، مدعية أن زوجها ليس قاتلًا، وأن الأطفال الذين أُلقي بهم من أعلى العقار بلطجية كانوا يهاجمونه، وهو نفس المنهج الذي اعتادت الجماعة استخدامه دائمًا والمتمثل في قلب الحقائق، شيطنة الضحايا، وتقديم الجناة كأبطال تعرضوا للظلم.
من الدعوة إلى مشاهد الرعب
حادثة سيدي جابر لم تكن استثناءً، بل واحدة من النتائج الطبيعية لتحول خطاب الجماعة الإرهابية من العمل الدعوي إلى التحريض المفتوح، فبعد سقوط حكم جماعة الإخوان الإرهابية، انفجرت موجة من العنف والعمليات الإرهابية واستهداف مؤسسات الدولة والمواطنين، بالتوازي مع خطاب إعلامي وتنظيمي يبرر الدم ويبرع في تسويق الجناة باعتبارهم ضحايا، ومشهد إلقاء الصبية من أعلى العقار كشف بوضوح كيف يمكن لعناصر مشبعة بالكراهية أن تتحول إلى أدوات قتل جماعي تحت لافتات دينية وسياسية زائفة.
رحلة الهروب والسقوط
بعد الجريمة بأيام، ألقت قوات الأمن القبض على محمود حسن رمضان داخل شقة بمنطقة بلطيم في كفر الشيخ، بعدما حلق لحيته في محاولة للهروب والتخفي، وخلال التحقيقات، اعترف بتفاصيل الواقعة التي وثقتها الفيديوهات وشهادات الشهود.
وفي مارس 2014 أحالت محكمة جنايات الإسكندرية أوراق المتهمين إلى مفتي الجمهورية، قبل أن تؤيد المحكمة حكم الإعدام بحق المتهم الرئيسي في مايو من العام نفسه، بعد ثبوت تورطه في الجريمة.
وبعد سلسلة من الطعون القضائية، أيدت محكمة النقض الأحكام الصادرة، لتعلن وزارة الداخلية في مارس 2015 تنفيذ حكم الإعدام شنقًا، عقب استنفاد جميع درجات التقاضي، ليغلق القضاء المصري واحدة من أبشع قضايا العنف المرتبطة بتنظيم الإخوان.
الجريمة التي فضحت تنظيم الإخوان الإرهابى
ويبقى مشهد سيدي جابر شاهدًا لا يسقط بالتقادم على مرحلة خرجت فيها الكراهية من الخطب والمنصات إلى الشوارع والأسطح، وانكشف فيها الوجه الحقيقي لتنظيم اعتاد المتاجرة بالدين بينما يفتح أبواب الدم والفوضى على مصراعيها.