تعيش أسواق السلع الغذائية العالمية حالة من التوتر المتصاعد مع عودة المخاوف المناخية إلى الواجهة، بعدما بدأت أسعار القهوة والكاكاو في تسجيل تقلبات حادة وسط تحذيرات من تأثيرات محتملة لظاهرة النينيو على المحاصيل الزراعية في عدد من أكبر الدول المنتجة حول العالم.
ورغم التراجع النسبي الذي شهدته أسعار الكاكاو خلال الأشهر الأخيرة بعد الارتفاعات القياسية التي ضربت السوق في 2024 و 2025 ، فإن خبراء المناخ والزراعة يؤكدون أن الأسواق لا تزال بعيدة عن الاستقرار، خاصة مع توقعات بعودة ظاهرة النينيو خلال النصف الثاني من عام 2026، وهو ما قد يعيد أزمة الإمدادات إلى الواجهة من جديد.
وكانت أسعار الكاكاو قد وصلت خلال العامين الماضيين إلى مستويات تاريخية قاربت 13 ألف دولار للطن، في واحدة من أكبر موجات الارتفاع التي شهدتها السوق منذ عقود، نتيجة انهيار الإنتاج في غرب أفريقيا بسبب الجفاف والأمراض الزراعية وارتفاع درجات الحرارة.
ساحل العاج وغانا
وتُعد ساحل العاج وغانا من أكثر الدول تأثرًا بهذه الاضطرابات، إذ تمثلان معًا الجزء الأكبر من إنتاج الكاكاو العالمي المستخدم في صناعة الشوكولاتة. ومع استمرار التقلبات المناخية، تتزايد المخاوف من أن يؤدي أي اضطراب جديد في الأمطار أو درجات الحرارة إلى تراجع المحاصيل مرة أخرى، ما قد يدفع الأسعار إلى الصعود بقوة.
وفي الوقت نفسه، تشهد أسواق القهوة العالمية حالة مشابهة من القلق، خصوصًا بالنسبة لبن “روبوستا”، الذي سجل ارتفاعات قوية في بورصة لندن خلال الأسابيع الأخيرة بسبب انخفاض المخزونات العالمية وتراجع المعروض من بعض الدول الرئيسية المنتجة.
ويأتي ذلك بينما تواجه فيتنام، أكبر مصدر لبن روبوستا في العالم، تحديات مرتبطة بالمناخ وسلوك المزارعين الذين يفضل كثير منهم الاحتفاظ بالمحاصيل انتظارًا لمزيد من الارتفاعات السعرية، ما أدى إلى تقليص الإمدادات المتاحة في الأسواق العالمية.
في المقابل، تعرضت أسعار “أرابيكا” لبعض الضغوط نتيجة توقعات بإنتاج وفير في البرازيل، لكن المحللين يحذرون من أن أي تغير مفاجئ في الأحوال الجوية قد يقلب التوقعات سريعًا، خاصة مع حساسية المحاصيل الزراعية للظواهر المناخية المتطرفة.
ظاهرة النينيو
وتُعد ظاهرة النينيو واحدة من أخطر التهديدات التي تواجه أسواق السلع الزراعية، إذ تؤدي عادة إلى اضطرابات كبيرة في درجات الحرارة ومعدلات الأمطار في مناطق واسعة من العالم، ما يؤثر بشكل مباشر على المحاصيل الزراعية الحساسة مثل القهوة والكاكاو.
ويؤكد خبراء أن السوق العالمية أصبحت أكثر هشاشة خلال السنوات الأخيرة بسبب التغيرات المناخية المتكررة، حيث باتت موجات الجفاف والفيضانات وارتفاع الحرارة تؤثر بسرعة على الإنتاج العالمي، وهو ما ينعكس مباشرة على الأسعار وسلاسل الإمداد.
ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن
كما تواجه شركات الصناعات الغذائية تحديات إضافية بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن والطاقة، الأمر الذي دفع بعض الشركات بالفعل إلى تقليل استخدام الكاكاو أو تعديل وصفات بعض المنتجات لتخفيف الضغوط المالية الناتجة عن ارتفاع الأسعار.
وفي قطاع القهوة، بدأت بعض الأسواق تشهد ارتفاعًا تدريجيًا في أسعار المشروبات والمنتجات المرتبطة بالبُن، وسط تحذيرات من أن استمرار أزمة الإمدادات قد ينعكس بشكل أكبر على المستهلكين خلال الفترة المقبلة.
ويرى محللون اقتصاديون أن المشكلة لا تتعلق فقط بالطقس، بل أيضًا بالتوترات الجيوسياسية العالمية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والطاقة، وهي عوامل تضاعف الضغوط على الأسواق الزراعية وتزيد من صعوبة استقرار الأسعار.
كما يشير مراقبون إلى أن المزارعين في الدول المنتجة يواجهون معضلة معقدة، فبينما تشجع الأسعار المرتفعة على توسيع الإنتاج وزراعة مساحات أكبر، فإن المخاطر المناخية تجعل الاستثمار الزراعي أكثر خطورة، خاصة في المناطق التي تعاني من الجفاف أو تقلبات الطقس الحادة.
وتخشى الأسواق أيضًا من أن يؤدي أي اضطراب جديد في إنتاج القهوة أو الكاكاو إلى موجة تضخم غذائي جديدة، خصوصًا مع استمرار ارتفاع أسعار عدد من السلع الأساسية عالميًا.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو أسواق القهوة والكاكاو مقبلة على مرحلة شديدة الحساسية، حيث أصبحت التغيرات المناخية لاعبًا رئيسيًا في تحديد اتجاه الأسعار، بينما يترقب المستثمرون والشركات والمستهلكون أي مؤشرات جديدة بشأن ظاهرة النينيو وتأثيرها المحتمل على المحاصيل العالمية خلال الشهور المقبلة.