في واحدة من أكثر المواجهات القانونية والأمنية تعقيدًا منذ عقود، تبدو أوروبا وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها الحسم الكامل مع شبكات التمويل والتنظيمات العابرة للحدود، بعد سنوات طويلة من الجدل حول استغلال بعض الكيانات للواجهات المؤسسية والخيرية والتعليمية في تمرير الأموال وإعادة تدوير النفوذ السياسي والتنظيمي داخل القارة.
التحولات الأخيرة لم تعد مجرد إجراءات رقابية تقليدية أو تحقيقات متفرقة، بل أصبحت جزءًا من منظومة دولية متكاملة تتحرك وفق اتفاقيات أممية ملزمة وتشريعات أوروبية صارمة تستهدف ملاحقة مصادر التمويل وتجفيف المنابع المالية ومصادرة الأصول وتوسيع نطاق التدقيق على المؤسسات والجمعيات التي تخضع لتقييمات أمنية ومالية دقيقة.
ومع اتساع دوائر الملاحقات القانونية في فرنسا وألمانيا والسويد والنمسا وبلجيكا وهولندا وبريطانيا، تتزايد المؤشرات على أن عام 2026 قد يتحول إلى نقطة فاصلة في إعادة تشكيل خريطة النفوذ المالي والتنظيمي داخل أوروبا، خاصة مع تصاعد الاعتماد على اتفاقيات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وقرارات مجلس الأمن الملزمة.
وفي هذا السياق، كشف الدكتور محمد محمود مهران أستاذ القانون الدولي العام وعضو الجمعيات الأمريكية والأوروبية والمصرية للقانون الدولي، في حوار خاص لـ«اليوم السابع»، عن الأبعاد القانونية والسياسية للتحركات الأوروبية الأخيرة ضد جماعة الإخوان الإرهابية، مؤكدًا أن ما يحدث حاليًا يمثل تحولًا غير مسبوق من “المراقبة” إلى “التفكيك القانوني الشامل”.
2026 نقطة اللاعودة.. أوروبا تُطبق الاتفاقيات الدولية بحسم غير مسبوق
قال الدكتور محمد مهران إن التحركات الأوروبية المتصاعدة ضد جماعة الإخوان خلال عام 2026 جاءت تنفيذًا مباشرًا ودقيقًا للالتزامات الواردة في الاتفاقيات الدولية الخاصة بمكافحة الإرهاب وغسل الأموال وتمويل الكيانات غير المشروعة، مشيرًا إلى أن عدداً من الدول الأوروبية بدأ بالفعل تطبيق أدوات قانونية أكثر صرامة في التجميد والمصادرة والتتبع المالي.
وأوضح أن اتفاقية فيينا لعام 1988 الخاصة بمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية أرست الأساس القانوني العالمي لمكافحة غسل الأموال، خاصة المادة الثالثة التي تُجرم تحويل الأموال أو نقلها مع العلم بأنها ناتجة عن جرائم جنائية بهدف إخفاء مصدرها غير المشروع.
فرنسا وألمانيا والسويد.. تحركات أوروبية متسارعة لتجفيف منابع التمويل
وأكد مهران أن البرلمان الفرنسي، خلال جلسته التاريخية في يناير 2026 بشأن مناقشة إدراج الإخوان ضمن المنظمات الإرهابية، استند إلى الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب لعام 1999، والتي تُلزم الدول بتجريم جمع الأموال أو توفيرها مع العلم باستخدامها في أنشطة إرهابية، إضافة إلى فرض إجراءات رقابية صارمة على مصادر التمويل والجمعيات.
وأضاف أن ألمانيا، بعد حظر منظمة "مسلم إنتراكتيف" وتنفيذ مداهمات أمنية واسعة، اعتمدت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية "اتفاقية باليرمو"، والتي تلزم الدول بإنشاء أنظمة رقابية شاملة على المؤسسات المالية وغير المالية، وهو ما عزز من صلاحيات الأجهزة الرقابية والأمنية الألمانية في تتبع الأموال المشبوهة.
وأشار إلى أن السويد بدورها فتحت تحقيقات موسعة بشأن اختلاس أموال ضرائب عبر مؤسسات تعليمية وحضانات مرتبطة بشبكات إخوانية، في إطار تطبيق قواعد المصادرة والتعاون القضائي الدولي المنصوص عليها في اتفاقية باليرمو وتوصيات مجموعة العمل المالي الدولية FATF.
قرارات مجلس الأمن تتحول إلى أدوات مباشرة للتجميد والمصادرة والحظر
وأوضح أستاذ القانون الدولي أن البرلمان الهولندي استند في تحركاته الأخيرة إلى قرار مجلس الأمن رقم 1373 الصادر عقب أحداث سبتمبر، والذي يُلزم الدول بتجميد أموال وأصول الكيانات والأشخاص المرتبطين بالإرهاب ومنع تقديم أي دعم لهم.
وأضاف أن النمسا، التي صنفت الإخوان ضمن التنظيمات المرتبطة بالتطرف الديني، اعتمدت كذلك على قرارات دولية أخرى أبرزها القرار 2178 الخاص بمكافحة تجنيد الإرهابيين وتمويلهم، والقرار 2396 المتعلق بمراقبة حركة الأموال والتحويلات العابرة للحدود.
بريطانيا وبلجيكا تحت المظلة القانونية نفسها.. رقابة موسعة ومراجعات أمنية شاملة
وأكد مهران أن بلجيكا كثفت رقابتها على عدد من المؤسسات والجمعيات الإسلامية استنادًا إلى تعريف "الجماعة الإجرامية المنظمة" الوارد في اتفاقية باليرمو، بينما تواصل بريطانيا مراجعاتها الأمنية والقانونية بشأن أنشطة الجماعة وفقًا لقوانين مكافحة الإرهاب وتتبع الأصول والتمويلات.
وأشار إلى أن الإجراءات الأوروبية الحالية لا تستند إلى مواقف سياسية فقط، وإنما إلى أكثر من 15 اتفاقية ومعاهدة دولية وقرارات ملزمة صادرة عن مجلس الأمن الدولي، ما يمنح هذه التحركات غطاءً قانونيًا واسعًا يصعب الالتفاف عليه.
الإخوان يواجهون اقتلاعًا كاملاً.. وتحذير من انهيار النفوذ التنظيمي داخل أوروبا
وشدد الدكتور محمد مهران في ختام حديثه لـ«اليوم السابع» على أن عام 2026 يمثل نقطة اللاعودة بالنسبة للإخوان داخل أوروبا، مؤكدًا أن الجماعة التي أسسها حسن البنا عام 1928 تواجه مرحلة غير مسبوقة من الحصار القانوني والمالي والتنظيمي، بعد عقود من العمل عبر واجهات خيرية وتعليمية ومؤسسية.
وأضاف أن التحركات الأوروبية الحالية تعكس انتقال القارة إلى مرحلة جديدة من التشدد في ملفات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع اتساع أدوات التتبع والمراقبة والمصادرة، وتحول القانون الدولي إلى سلاح مباشر لإعادة رسم خريطة النفوذ التنظيمي والمالي داخل أوروبا.