ليس سهلًا أن تعيد تقديم عمل فني سبق تقديمه مرات عدة وعبر وسائط مختلفة، فهذا في حد ذاته يشكل تحديا كبيرا. من منا لم يسمع عن "شفيقة ومتولي"، تلك الرواية المتناقلة في الأدب الشعبي والموروث، وتغنى بموالها العديدون؟ ومن منا يستطيع أن ينسى سعاد حسني وهي ترقص على بقايا روحها وتغني "بانوا بانوا" في فيلم شفيقة ومتولي للمخرج علي بدرخان؟ صور متداخلة ستتزاحم داخل رأسك وأنت في طريقك إلى العرض، وتساؤلات لا تتوقف: كيف ستروى الحكاية هذه المرة من وجهة نظر متولي؟ وكيف سيقدم المخرج أمير اليماني رؤيته المسرحية، ومعه المؤلف وأبطال العرض الذين تحدوا ثقل الذاكرة الجمعية ليصنعوا رؤيتهم الخاصة؟.
مسرحية شفيقة ومتولي
لكن بمجرد أن يفتح الستار على خشبة مسرح الطليعة يسود الصمت تماما، لتغرق مباشرة في كوابيس متولي، ذلك الرجل الذي يصفق له الجميع ويلقبونه بـ"أبو الفوارس" لأنه "غسل عاره بيده وقتل شفيقة". هنا لا يبدأ العرض من الحكاية الشعبية المعروفة، بل من أثرها النفسي، من الخراب الداخلي لرجل لم ينج من فعلته مهما منحه المجتمع من بطولات زائفة. شفيقة بالنسبة له ليست مجرد أخت، بل نوارة قلبه، الطفلة التي تلقفها رضيعة ورباها بيديه، وكانت تركض نحوه مطمئنة دائما وهي مراهقة وشابة تتفتح، قبل أن تصبح الضحية التي قتلت وهي مطمئنة أيضا لمصيرها بين يديه.
مسرحية شفيقة ومتولي
العرض يطرح منذ لحظاته الأولى أسئلة موجعة ومربكة: من الضحية ومن الجاني؟ من المتهم ومن البريء؟ وهل كانت شفيقة ضحية مجتمع قاسٍ، أم ضحية الحب، أم ضحية نفسها؟ وهل كان على متولي حقا أن يقتلها؟ وهل امتلك رفاهية المسامحة وسط تلك المنظومة الاجتماعية التي تحاصر الإنسان باسم الشرف؟ في تلك المنطقة الرمادية تحديدا صاغ المؤلف محمد علي إبراهيم رؤيته الدرامية، وهي رؤية نجح أمير اليماني في تحويلها إلى بناء بصري وشعوري شديد الثراء، معتمدا على سينوغرافيا ذكية لم تتعامل مع الفضاء المسرحي باعتباره خلفية للأحداث، بل باعتباره شريكا حقيقيا في صناعة المعنى.
مسرحية شفيقة ومتولي
ومن هنا تبدأ قوة العرض الحقيقية، لأنه لا يتوقف عند حدود الحكاية الشعبية بوصفها مأساة فردية، بل يفتح بابا واسعا لإدانة مجتمع كامل صنع المأساة ثم وقف متفرجا عليها. فمتولي هنا ليس بطلا شعبيا كما اعتادت السيرة أن تقدمه، بل إنسان مسحوق جرى دفعه بالتدريج إلى مصيره القاسي. رجل لم يجد مكانا يشعر فيه بقيمته سوى “الجهادية”، تلك المساحة الوحيدة التي منحته الإحساس بالتحقق والرجولة والانتماء، بعدما سلبه المجتمع قدرته على التعبير عن هشاشته الإنسانية. لذلك بدا متولي طوال العرض كأنه يقاتل الجميع؛ يقاتل خوفه، وعجزه، ونظرته لنفسه، قبل أن يقاتل شفيقة نفسها.
العرض لا يحاكم شخصياته بقدر ما يحاكم الأفكار التي صنعتهم. فالسؤال الأعمق الذي يظل معلقا طوال الوقت ليس لماذا قتل متولي شفيقة فقط، بل كم شفيقة قتلناها وما زلنا نقتلها كل يوم باسم الشرف؟ وكم متولي سحقناه بالقهر والضغط الاجتماعي حتى تحول إلى أداة للعنف دون أن يشعر؟ هنا تتفكك السيرة الشعبية القديمة لتصبح مرآة لواقع لا يزال مستمرا، حيث تتحول النساء إلى ضحايا لأحكام قاسية، بينما يتحول الرجال أنفسهم إلى أسرى لصورة ذكورية مفروضة عليهم بالقوة.
مسرحية شفيقة ومتولي
ولأن العرض يقدم على خشبة مسرح الطليعة، فإن التجربة تبدأ قبل رفع الستار نفسه. فهذا المسرح يمتلك خصوصية نادرة تجعلك تشعر بأنك لا تدخل مجرد قاعة عرض، بل حالة مسرحية متكاملة رغم الطريق المزدحم بالباعة والبضائع، ولكن بمجرد ما تري بوابة المسرح وتنطلق ناحية الممر لتجد صور كبار أساتذة المسرح الذين تولوا مسئوليته ومنهم الكبار سعد أردش، وكرم مطاوع تجد نفسك في حالة شعورية مختلفة ومزاج رائق"، كما أن الطليعة يظل منفذا للتجارب المسرحية المختلفة التي تشتبك مع الانسان وتساؤلاته وعلاقته بذاته وتجاربه، ولحظات ضعفه وانكساره، لذلك بدا “متولي وشفيقة” منتميا تماما إلى روح المكان، وكأن خشبته كانت تحتضن الحكاية بكل وجعها منذ البداية.
ومن أكثر ما منح العرض صدقه الإنساني ذلك الأداء التمثيلي شديد الحساسية الذي قدمه أبطاله، وعلى رأسهم محمد فريد، الذي يمكن اعتباره القلب النابض لهذا العمل. لم يعتمد محمد فريد على الانفعال المباشر أو الأداء الصاخب، بل امتلك حضورا طاغيا قائما على التفاصيل الدقيقة. كانت عيناه وحدهما قادرتين على نقل طبقات كاملة من الألم والارتباك والندم، حتى في لحظات الصمت الطويلة.
مسرحية شفيقة ومتولي
مسرحية شفيقة ومتولي
بدا متولي في أدائه ممزقا طوال الوقت بين صورته كبطل شعبي وصورته الداخلية كرجل محطم، وهو ما جعل الشخصية أكثر إنسانية وقسوة في الوقت نفسه.
نجح محمد فريد في أن يجعل المتفرج يتعاطف مع متولي رغم فداحة ما ارتكبه، لا لأنه يبرر الجريمة، بل لأنه يكشف حجم التشوه النفسي الذي صنعه. به المجتمع، حتى طريقته في الحركة فوق الخشبة كانت تحمل ثقلا داخليا واضحا، كأن الجسد نفسه أصبح سجنا لذاكرة لا يستطيع الهروب منها. وفي مشاهد المواجهة مع شفيقة تحديدا، كان الصراع يظهر في عينيه قبل الكلمات، ليخلق حالة شعورية بالغة الصدق.
كما اكتملت الحالة الشعورية للعرض بفضل فريق التمثيل الذي بدا متناغما إلى حد كبير، حيث قدمت يسرا المنسي شفيقة شديدة الهشاشة والتمرد في آن واحد، شخصية تحمل داخلها خوفا دائما ورغبة مستميتة في النجاة، دون أن تقع في فخ المبالغة أو الاستعطاف المباشر.
واستطاعت الطفلة دالا حربي _ تملك حضورا يأسر العين والقلب _التي جسدت شفيقة الصغيرة أن تمنح العرض واحدة من أكثر لحظاته براءة وقسوة، لأن حضورها أعاد التذكير طوال الوقت بالمسافة الهائلة بين طفلة كانت تبحث عن الأمان، وامرأة انتهى بها الأمر ضحية لأحكام مجتمع كامل.. جسده دياب ابن البيه، وصالح ابن العم" وغيرهم ممن عقدوا المحاكمة وأصدروا حكما نهائيا بالإعدام عليها وعلى روح متولي.
كما قدم بقية الأبطال، ومنهم منه اليماني ودالا حربي وأحمد عودة وتقى طارق وإسلام مصطفى وصلاح السيسي وعبد الله شوقي وجوزيف مجدي وطارق هاشم، حالة جماعية متماسكة، ساعدت على الحفاظ على الإيقاع النفسي للعرض، دون أن يطغى الأداء الفردي على روح العمل ككل. وهو ما منح العرض إحساسا دائما بأنه حالة جماعية متكاملة، لا مجرد بطولات منفصلة.
ومن أكثر العناصر اللافتة أيضا ذلك الاستخدام الواعي للتعبير الحركي لأحمد مانو ، الذي جاء جزءا أصيلا من البناء الدرامي وليس مجرد عنصر جمالي زائد. فالجسد هنا يتحول إلى أداة سرد كاملة، تقول ما تعجز الكلمات عن الإفصاح عنه. كانت الحركة تحمل داخلها الخوف والرغبة والانكسار والقهر، وتمنح المشاهد كثافة شعورية عالية، خصوصا في اللحظات التي يتراجع فيها الحوار لصالح الصورة المسرحية.التي دعمها أيضا الديكور لمحمد سعد والإضاءة لإبراهيم الفرن، والأزياء لغادة شلبي.
مسرحية شفيقة ومتولي
أما بصمة المخرج أمير اليماني فكانت حاضرة بوضوح في قدرته على صناعة صور مسرحية مشبعة بالدلالة دون الوقوع في فخ الإبهار المجاني. تجلى ذلك في توظيف الإضاءة والكتل البشرية والفراغ المسرحي لصناعة حالة من الحصار النفسي حول متولي، خاصة في المشهد الختامي حين بدا محاصرا بأشباح شفيقة، في صورة تختزل الذنب والعقاب معا. كما جاء مشهد الاعتداء مثاليا في اعتماده على الإيحاء البصري بدلا من المباشرة، وهو ما ضاعف أثره الإنساني والدرامي.
في النهاية، لا يخرج المتفرج من “متولي وشفيقة” حاملا إجابات بقدر ما يخرج مثقلا بالأسئلة. وهذا تحديدا ما يمنح العرض قيمته الحقيقية؛ لأنه لا يعيد سرد حكاية قديمة، بل يعيد فتح جرح اجتماعي وإنساني لا يزال ينزف حتى الآن.
لذلك أعتذر للمخرج أمير اليماني الذي بادرني بالسؤال بعد انتهاء العرض عن رأيي، ولم أرد سوى بجمل مقتضبة وذلك لأنني كنت في حالة شعورية خاصة وتساؤلات موجعة تثقل الروح والعقل معا وهذا سر جمال عرض متولي وشفيقة لأنك تأخذه معك خارج خشبة المسرح .

مسرحية شفيقة ومتولي

مسرحية شفيقة ومتولي

مسرحية شفيقة ومتولي

مسرحية شفيقة ومتولي