- الغش الذكي.. كيف تحولت التكنولوجيا إلى سلاح لاختراق امتحانات الثانوية العامة؟
- المعضلة لم تكن يومًا في الذكاء ذاته، بل في الغاية التي يُساق إليها
لا يكفُّ العقل الإنساني عن الحركة؛ فبينما ينذر أناسٌ أعمارهم وجهودهم لابتكار أفكارٍ نبيلة، وصناعة وسائل تُصلح الحياة، وتُهذّب المجتمعات، وتدفع الإنسان خطوةً نحو الوعي والاستقرار، ينهض في المقابل آخرون بعقولٍ لا تقل اجتهادًا، لكنها مسخَّرة لابتداع الحيل الملتوية، وصياغة الأساليب الخبيثة، وابتكار طرقٍ جديدة لارتكاب الجرائم، والتسلل إلى ثغرات القانون والأخلاق، بما يُحدث خللًا في توازن المجتمعات ويهدد أمنها القيمي والإنساني والمعرفي.
وعلى القدر ذاته من الإصرار الذي يدفع بعض العقول إلى السهر على ابتكار وسائل تُعين المكفوفين على الحياة بكرامة، أو تطوير حلولٍ تقنية تواجه الهجمات السيبرانية المنظمة وتحمي بيانات الأفراد والمؤسسات من العبث والسرقة، ثمّة عقولٌ أخرى تنصرف إلى الوجه النقيض تمامًا؛ تنكبُّ على ابتداع أساليب خبيثة تُسخَّر لسلب الحقوق، والتحايل على القيم، والتسلق فوق جهود الآخرين دون استحقاق، عبر وسائل ملتوية تُتقن صناعة الوهم، وتُجيد استغلال الثغرات، بما يجعل خطرها أحيانًا أشدَّ من خطر الجريمة التقليدية ذاتها؛ لأنها ترتدى أقنعة الذكاء والمشروعية الزائفة.
الثانوية العامة.. معركة الاستحقاق وتكافؤ الفرص
مرحلة الثانوية العامة واحدة من أكثر المراحل التعليمية حساسيةً وتأثيرًا فى تشكيل مستقبل الأفراد والمجتمعات، باعتبارها البوابة التي تُفرز، في صورتها القائمة، القدرات العلمية والمهارات الذهنية لكل طالب، لتؤهله إلى المسار الأكاديمي الذي يتوافق مع إمكانياته الحقيقية واستعداده العلمي، بما ينعكس في النهاية على بناء مجتمع متوازن، تُوضع فيه الكفاءات فى مواضعها الطبيعية، فينشأ الطبيب المؤهل، والمهندس القادر، والمعلم الواعى، والباحث المنتج، وفق معيار الاستحقاق لا المصادفة أو التحايل. ومن هذا المنطلق، تتكثف خلال هذه الفترة استعدادات وزارة التربية والتعليم، والمديريات والإدارات التعليمية التابعة لها، لتحضيرات موسم امتحانات الثانوية العامة، عبر تجهيز اللجان، وتشديد الرقابة، ووضع الضوابط الفنية والتنظيمية التى تضمن نزاهة العملية الامتحانية وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.
غير أنه جرت العادة، فى كل موسم لاختبارات الثانوية العامة، أن يبرز على الجانب الآخر من لا يشغلهم تطوير قدراتهم أو الاجتهاد لتحصيل المعرفة، بل ينصرفون إلى ابتكار وسائل جديدة ومتطورة للغش والتحايل داخل لجان الامتحانات، في محاولة لانتزاع نتائج لا تعكس مستواهم الحقيقي، ومنح أنفسهم ما لا يستحقونه على حساب العدالة التعليمية، الأمر الذى لا يهدد نزاهة الامتحانات فحسب، بل يضرب فى عمق فكرة الاستحقاق ذاتها، ويهدد المجتمع بكفاءات زائفة قد تتصدر مستقبلًا مواقع لا تستحقها.

المحادثة مع أحد البائعين من عصابة وسائل الغش التقني

استكمال المحادثة مع أحد البائعين من عصابة وسائل الغش التقني
بداية الخيط.. من طلب عابر إلى تحقيق كامل
وفي هذا الصدد، يكشف "اليوم السابع" عن واحدة من عصابات "الغش الإلكتروني" لاختبارات الثانوية العامة، والتي بدأت استعدادها لموسم الامتحانات، وجهزت عمليتها لوجستيًا وفنيًا وتسويقيًا، انتظارًا لبدء ماراثون الاختبارات.
أمسكنا بطرف الخيط عندما طلب مني أحد الأصدقاء مساعدته في التحقق من مصداقية عملية شراء عن بُعد لسماعة أذن دقيقة مثبتة بنظارة طبية بغرض أن يستعملها نجله في اختبارات الثانوية، لتساعده على اجتياز الاختبارات، الأمر الذي دفعني للدهشة والتطلع لفحص الأمر.
تواصلت مع البائع ليقدم لي الأسعار لبعض المنتجات، وبعد إجراء دردشة، طلب مني تحويل مبلغ مالي لإدخالي إلى مجموعة "تليجرام" إلكترونية، بزعم أنها ستكون قناة تسريب الاختبارات، ثم سيتلقى المشترون الإجابات عبر الاتصال الآلي، وسماعها تلقائيًا من سماعات الأذن الدقيقة.

شبكة تسريب الامتحانات على تليجرام
شبكات سرية وآلاف المشتركين
والمثير في الأمر أنه، رغم حداثة تلك الحسابات، فإنني حين تمكنت من الولوج إلى مجموعة "التليجرام"، وجدت هناك ما يقرب من 8000 عضو، ما يعني أن هناك نحو 8000 طالب قاموا بشراء المنتجات وطلبها في وقت لم يتخطَّ بضعة أيام منذ توقيت إنشاء الحساب.

ماذا يختار طالب الثانوية العامة - الغش أم الاجتهاد - صورة استدلالية مصنوعة آليا
خبير تقني: الأجهزة قابلة للتنفيذ وسهلة التصنيع
وفي هذا السياق، عرضت صورًا ومقاطع منشورة عبر حسابات الترويج لوسائل الغش على مهندس الإلكترونيات المتخصص محمد كامل، فأكد إمكانية قيام هذه الأجهزة بعملية الاتصال وتلقي الإجابات كما ادعى البائع، موضحًا أنه يسهل صناعة هذه الأجهزة بواسطة مكونات إلكترونية بسيطة.
وأضاف أنه يمكن كشف أجهزة الاتصال بسهولة من خلال بوابات إلكترونية أو أجهزة الكشف الإلكتروني، مشددًا على ضرورة التشديد الأمني في هذه الحالة لكشف هذه الأجهزة، وإخضاع كافة العناصر الملتصقة بالطالب قبل دخوله الاختبار للتفتيش، وضرورة عرضه للمسح الإلكتروني.

تسريب امتحانات الثانوية العامة - صورة استدلالية مصنوعة آليا بإشراف بشري
تحذيرات طبية من السماعات الدقيقة
وعلى جانب آخر، علّق الدكتور طارق حمزة، استشاري علاجات الأنف والأذن بنيويورك، على هذه الوقائع، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، بأن هناك سماعات دقيقة توضع في الأذن لا يمكن كشفها إلا بواسطة التقنيات الطبية وعلى يد طبيب، محذرًا من استخدام السماعات غير المرئية التي تشبه لون الجلد، لما لها من تأثيرات سلبية مباشرة على الأذن، رجوعًا إلى افتقار هذه السماعات لخصائص عزل الضوضاء الخارجية والتحكم النقي في الترددات، مما يسبب مشكلات صحية، من أبرزها إلحاق الضرر بخلايا القوقعة في الأذن الداخلية، ويؤدي إلى ضعف السمع والإصابة بالطنين.
أولياء أمور: الغش يقتل العدالة ويصنع أجيالًا فاسدة
ومن ناحية أخرى، استنكرت السيدة شيماء صفوت، والدة إحدى الطالبات بالثانوية العامة، انتشار وسائل الغش ومحاولات بعض العصابات ابتكار حيل جديدة تساعد بعض غير المستحقين على الوصول إلى كليات غير مؤهلين لها، معربةً عن تعجبها من تجاوب بعض أولياء الأمور مع هذه المخالفة القانونية والشرعية.
ونوهت إلى أن هذه الظاهرة قديمة، وتشهد كل عام تطورًا مستمرًا، وتؤثر سلبًا على الطرفين في المجتمع، سواء الذي يسعى للوصول من خلال الغش، أو من يهدف إلى تحقيق أغراضه بالتحصيل العلمي والاجتهاد الدراسي، لافتةً إلى أن الطرف الأول يصبح شخصًا متدربًا على الفساد منذ الصغر، وستُبنى شخصيته على سلب الحقوق والتسلق، بينما سيشعر الطرف الآخر بالإحباط والاضطراب، وبأن الحقوق لا تأتي إلا لغير المستحقين.
وأردفت: "وجود عصابات للغش أمر قديم، فلا يمكن تجاهل اللجان الخاصة، أو عربات نقل الإجابة أمام المدارس، كالتي جسدها الفنان محمد سعد في فيلم "اللمبي"، وفي السنوات الأخيرة الحسابات التي انتشرت باسم "شاومينج" لتسريب الامتحانات"، مطالبةً بضرورة التصدي لهذه العادة المخالفة للقانون.

الغش مقابل النجاح - صورة استدلالية مصنوعة آليا بأمر وإشراف بشري
دراسات اجتماعية: الغش تدريب مبكر على الفساد
واتساقًا مع هذه الرؤية، أكدت دراسة بوزارة الأوقاف، مبنية على بحث النظريات الاجتماعية لظاهرة الغش في الاختبارات، أن بحوث علم الاجتماع التربوي تشير إلى أن انتشار وسائل الغش داخل البيئات التعليمية يُنتج حالة من "التطبيع الاجتماعي" مع السلوك غير المشروع، بحيث يتحول التحايل إلى وسيلة مقبولة لتحقيق المكاسب.
وترى الدراسات الاجتماعية أن أخطر ما في الظاهرة ليس الحصول على درجات أو امتيازات بصورة غير مستحقة فحسب، بل انتقال هذا السلوك إلى المجال العام بما يؤثر على القيم المهنية والأخلاقية، ويُضعف الإحساس بالمسؤولية والاعتماد على الكفاءة الذاتية.
كما تشير بعض الدراسات النفسية والاجتماعية بوزارة الأوقاف إلى أن تكرار ممارسات الغش يُنتج شخصيات اتكالية تعاني ضعف الثقة بالقدرات الذاتية، مع قابلية أكبر لتبرير السلوكيات غير الأخلاقية مستقبلًا، وتذهب بعض الأبحاث إلى اعتبار الغش "تدريبًا مبكرًا على الفساد"، بالنظر إلى ما يخلقه من استعداد نفسي لتجاوز الضوابط القانونية أو المهنية متى توفرت فرصة تحقيق مصلحة شخصية.
ويرى الأكاديمي الأمريكي فليبو مانجير أنه، على المستوى المجتمعي الأوسع، تربط الأدبيات الحديثة بين انتشار السلوكيات التضليلية أو غير النزيهة وبين تراجع الثقة العامة داخل الشبكات الاجتماعية، حيث تُظهر الأبحاث المتعلقة بانتشار المعلومات منخفضة المصداقية أن البيئات التي يشيع فيها التلاعب والخداع تصبح أكثر عرضة للتأثير السلبي على الوعي العام والاستقرار المجتمعي.
تهديد للأمن القومي الاجتماعي
وفي سياق متصل، يعتقد الباحث في العلوم الاجتماعية والتربوية، علي السيد، أن أخطر ما تخلّفه ثقافة الغش ليس مجرد انتزاع منفعة أو درجة أو موقع بغير استحقاق، وإنما إعادة تشكيل الوعي الجمعي على نحو يُضعف قيمة الكفاءة ويُهدر فكرة العدالة ذاتها، ما يؤثر نفسيًا بالسلب على سلوك الأفراد في المجتمع من كلا الطرفين، معتبرًا أن انتشار وسائل الغش يهدد الأمن القومي الاجتماعي، وينبغي مجابهته من خلال تقويم السلوك والتربية المبكرة، وكذلك تشديد العقوبة على مبتكري ومروجي وسائل الغش.

المحامية نهى الجندى وعضو لجنة الأسرة بالحوار الوطني - صورة استدلالية تقنية
القانون يواجه مروجي الغش بعقوبات مشددة
أما من الناحية القانونية، فشددت الدكتورة نهى الجندي، المحامية وعضو لجنة الأسرة بالحوار الوطني، على ضرورة محاسبة مروجي وناشري وسائل الغش، متخوفةً من تسبب ذلك في تأثيرات سلبية نفسيًا ومعنويًا تصيب الأسرة المصرية، مؤكدةً أن القانون يضمن عقوبات رادعة لحالات الغش أو المروجين بشكل عام.
وأوضحت أن العقوبات الجنائية للمنظمين والمروجين تنص على معاقبة كل من قام بطباعة أو نشر أو إذاعة أو ترويج أسئلة الامتحانات وأجوبتها بأي وسيلة، أو ساهم في إدارة شبكات الغش الإلكتروني، بالحبس لمدة تصل إلى 7 سنوات وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه.
ولفتت إلى أن القانون نظم عقوبات رادعة لجرائم الغش المتنوعة، تتضمن الشروع في الغش والتنظيم، وعقوبات خاصة بالطلاب المتورطين في الغش، إلى جانب عقوبات خاصة بالمنظمين.
وأضافت أن قانون رقم 10 لسنة 2023، الخاص بتنظيم الاتصالات، يتضمن عقوبة مشددة لمن يمس الأمن القومي عن طريق استيراد أو تجميع أو تسويق معدات اتصالات دون الحصول على ترخيص من الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، لافتةً إلى أن تلك العصابات ينطبق عليها هذا الأمر؛ كونها تؤثر سلبًا على المجتمع، وكذلك يمكن تطبيق المواد التي تعاقب على تسريب البيانات والمعلومات الحساسة في حال وقوع تسريب.
خطة الوزارة لإحكام السيطرة على اللجان
وجدير بالذكر أن وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني كانت قد كشفت، في بيان لها، تفاصيل تطبيق نظام "التجمعات" لأول مرة في امتحانات الثانوية العامة 2026، في إطار خطة الوزارة لإحكام السيطرة على اللجان الامتحانية وتهدف إلى:
- تحقيق أعلى درجات الانضباط والشفافية داخل اللجان
- توفير بيئة امتحانية آمنة ومنظمة للطلاب
- تقليل فرص الغش الإلكتروني
- ضمان تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب
وأوضح الوزير محمد عبد اللطيف، أن عدد المجمعات الامتحانية هذا العام يبلغ 613 مجمعًا تضم 2032 لجنة امتحانية، مقارنة بنحو 2150 لجنة خلال العام الماضي، في إطار إعادة تنظيم اللجان لتحقيق كفاءة أكبر في الإشراف والمتابعة، ويعتمد نظام التجمعات على تخصيص عدد من المدارس الكبرى كمقار امتحانية رئيسية، يتم تجميع الطلاب بها وفق توزيع جغرافي محدد، بدلًا من توزيعهم على عدد كبير من اللجان الصغيرة.

وزير التربية والتعليم والتعليم الفني
وأكدت الوزارة أن هذا النظام يسهم في إحكام الرقابة داخل اللجان، وتسهيل أعمال التأمين والمراقبة، إلى جانب توفير كوادر إشرافية ذات خبرة لضمان الانضباط الكامل أثناء الامتحانات.
أرقام واستعدادات موسم الثانوية العامة 2026:

بيانات الاستعدادت لامتحادنات الثانوية العامة - استدلالية رقمية
موضوعات ذات صلة:
برلمانية: مواجهة الغش في امتحانات الثانوية العامة مسئولية مجتمعية
وزير التربية والتعليم يوجه رسالة للمعلمين بشأن "الثانوية العامة"