الثقافة الترمومتر الحقيقي لاستقرار ورفاهية الأمم.. مستويات الفن والإبداع تزدهر فى فترات الاستقرار وتُهمّش ميزانياتها فى الأزمات.. وتصبح أول الضحايا الصامتين في الحروب والانهيارات الاقتصادية

الأحد، 17 مايو 2026 10:31 م
الثقافة الترمومتر الحقيقي لاستقرار ورفاهية الأمم.. مستويات الفن والإبداع تزدهر فى فترات الاستقرار وتُهمّش ميزانياتها فى الأزمات.. وتصبح أول الضحايا الصامتين في الحروب والانهيارات الاقتصادية الثقافة الترمومتر الحقيقي لاستقرار ورفاهية الأمم

رامى محيى الدين

في كل دولة، لا تُقاس قوة الاقتصاد أو الجيوش وحدهما باعتبارهما معيار النجاح أو الاستقرار، بل تلعب الثقافة دورًا محوريًا في تحديد مدى تماسك المجتمع وقدرته على مواجهة الأزمات، فالثقافة لم تعد تُعامل كعنصر ترفيهي، بل كأحد المؤشرات الدقيقة على صحة المؤسسات الاجتماعية والسياسية، وعلى قدرة الدول على الصمود أمام التحولات الحادة.

 

الثقافة ترمومتر الأمم: حين تُقاس قوة الدول بما لا يُرى

يرى خبراء الاجتماع أن المجتمعات التي تستثمر في الثقافة، سواء عبر الفنون أو التعليم أو الإعلام، تكون أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات. إذ تسهم الثقافة في بناء هوية وطنية جامعة، وتعزيز منظومة قيم مشتركة تدعم الانسجام الاجتماعي. وفي هذا الإطار، تشير تجارب دول إسكندنافية مثل السويد والنرويج إلى أن تخصيص أكثر من 1% من الميزانية العامة للثقافة انعكس إيجابيًا على ارتفاع معدلات الرضا المجتمعي وانخفاض الجريمة واستقرار المجتمع حتى خلال الأزمات الاقتصادية.

ولا تقف الثقافة عند حدودها الرمزية، بل تمتد لتؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد. فالاستثمار في المتاحف والمسرح والسينما والمهرجانات يخلق فرص عمل جديدة، وينشط السياحة، ويزيد الدخل القومي. وفي مصر، خصصت الموازنة العامة لعام 2025 نحو 0.7% من الإنفاق العام لقطاع الثقافة، في محاولة لدعم الإنتاج المحلي والحفاظ على التراث، بينما يشير واقع بعض الدول العربية إلى أن تراجع الاستثمار الثقافي انعكس سلبًا على النشاط الإبداعي وتماسك الهوية.

وعلى المستوى السياسي، تؤكد الدراسات التاريخية أن ضعف الثقافة يرتبط غالبًا بتفاقم الأزمات. فحين يتراجع التعليم والفنون وحرية التعبير، تصبح المجتمعات أكثر عرضة للتطرف والانقسام. وتجارب لبنان والعراق خلال فترات الحروب الأهلية تُظهر كيف ساهم انهيار المؤسسات الثقافية في تعميق الشرخ الاجتماعي.

وفي أوقات الأزمات الكبرى مثل الحروب أو الجوائح، يتضح الدور الحاسم للثقافة في الحفاظ على التماسك الاجتماعي. فالمجتمعات التي حافظت على نشاطها الثقافي والإعلامي نجحت نسبيًا في تخفيف التوترات وتعزيز التضامن الداخلي، كما أن التوسع في المحتوى الثقافي الرقمي والتعليم يخلق مرونة ذهنية تساعد الأفراد على التعامل مع الصدمات.

 

الثقافة في ميزان التاريخ: بين الازدهار والانهيار

عبر التاريخ، تظهر الثقافة كمرآة مباشرة لقوة الدول أو ضعفها، ففي العصر العباسي، شهدت الدولة ازدهارًا علميًا وثقافيًا واسعًا مع تأسيس بيت الحكمة وظهور علماء مثل الخوارزمي وابن سينا، وهو ما تزامن مع استقرار سياسي وإنتاج معرفي ضخم.

في المقابل، مثّل سقوط بغداد عام 1258 نقطة تحول كبرى، حيث أدى تدمير المكتبات وقتل العلماء إلى انهيار شبه كامل للنشاط الثقافي، انعكس مباشرة على تفكك الدولة سياسيًا وإداريًا.

أما أوروبا في عصر النهضة، فقد شهدت طفرة ثقافية وفنية مع أسماء مثل ليوناردو دا فينشي وميكيلانجيلو، وهو ما مهد لصعودها لاحقًا كقوة عالمية. بينما عانت أوروبا في العصور الوسطى من تراجع التعليم والفنون، ما أدى إلى اضطرابات دينية وسياسية وجمود حضاري.

وفي ألمانيا النازية، أدى توجيه الثقافة عبر القمع وحرق الكتب ومنع الفنون إلى خلق مجتمع مشحون أيديولوجيًا انتهى إلى حرب مدمرة. وعلى النقيض، تمثل الولايات المتحدة نموذجًا للقوة الثقافية الناعمة من خلال هوليوود والموسيقى، وهو ما عزز نفوذها عالميًا دون توسع عسكري مباشر.

وفي سوريا بعد عام 2011، أدى توقف الإنتاج الفني وهجرة المثقفين إلى انهيار الحياة الثقافية، بما عكس بدوره عمق الأزمة السياسية والاجتماعية.

افو الثقافة تاريخية
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى عن الثقافة تاريخيا

الثقافة في الأرقام الدولية: أين تُصنف الأولويات؟
 

تشير بيانات المفوضية الأوروبية إلى أن معظم دول الاتحاد الأوروبي تنفق أقل من 2% من ميزانياتها على الثقافة، مع وصول بعض الدول مثل مالطا إلى 2.6% وإستونيا إلى 2.2%.

وفي بريطانيا، تراجع تمويل الثقافة بنحو 6% منذ 2010، مع انخفاض حاد في التمويل المحلي وصل إلى 48% في إنجلترا، وفق تقارير صحفية دولية.

أما في فرنسا، فتخصص المدن الكبرى مثل باريس نحو 5% فقط من ميزانياتها للثقافة، مع اتجاه تدريجي نحو تقليص هذا البند.

وتكشف بيانات اليونسكو أن متوسط الإنفاق على الثقافة للفرد في أوروبا وأمريكا الشمالية يصل إلى 418 دولارًا، مقابل أقل من دولار واحد في مناطق أخرى، ما يعكس فجوة عالمية ضخمة في الاستثمار الثقافي.

كما تشير بيانات دول منظمة التعاون الاقتصادي إلى أن الحكومات المحلية تنفق في المتوسط نحو 3% من ميزانياتها على الثقافة، ما يؤكد أن حتى الدول المتقدمة لا تضعها في صدارة أولوياتها.

1
انفو مولد بالذكاء الاصطناعى عن التقارير الدولية

عندما تأكل الحرب ميزانية الثقافة

في أوقات الحروب والأزمات الاقتصادية، تصبح الثقافة واحدة من أولى الضحايا، مع توجيه الموارد نحو الدفاع والإغاثة وإعادة الإعمار.

في أوكرانيا، تراجع الإنفاق على الثقافة من 0.53% من الموازنة عام 2018 إلى 0.16% عام 2022، بينما ارتفع الإنفاق الدفاعي إلى 42.2% مقابل 8.6% قبل الحرب، ما يعكس إعادة ترتيب كاملة للأولويات الوطنية.

وفي فلسطين، انخفضت ميزانية وزارة الثقافة من 23.34 مليون شيكل عام 2024 إلى 22.04 مليون في 2025، مع تراجع الإنفاق التنموي الثقافي بأكثر من 57%، بالتزامن مع ارتفاع العجز وتراجع الإيرادات العامة.

أما في السودان، فتشير التقارير إلى خفض الإنفاق العام بنسبة 24%، مع تقديرات بوجود فجوة تمويلية في القطاع الثقافي تصل إلى 30 مليون دولار، إضافة إلى تضرر أكثر من 100 موقع ثقافي و22 متحفًا.

وفي سوريا، أظهر الانكماش الاقتصادي الحاد الذي تجاوز 84% بين 2010 و2023 تراجعًا شبه كامل في القدرة التمويلية للقطاع الثقافي.

أما روسيا، فرغم عدم خفض ميزانية الثقافة اسميًا، فإنها فقدت وزنها النسبي داخل موازنة يهيمن عليها الإنفاق العسكري، حيث يصل الإنفاق الدفاعي إلى نحو 32% من الموازنة.

انفوجراف الثقافة
انفوجراف مولد بالذكاء الاصطناعى

الثقافة أول الضحايا الصامتين للحروب
 

تُظهر التجارب الدولية أن الثقافة غالبًا ما تكون أول القطاعات التي تُعاد هيكلة تمويلها في أوقات الأزمات، سواء عبر خفض الموازنات أو توقف المشروعات أو تدمير البنية الثقافية نفسها.

1
 انفوجراف مولد بالذكاء الاصطناعى

ورغم أولوية الإنفاق العسكري والإغاثي، يحذر خبراء الثقافة من أن تهميش هذا القطاع يترك آثارًا ممتدة على المدى الطويل، لأن إعادة بناء المجتمعات لا تتعلق فقط بالبنية التحتية، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الوعي والذاكرة والهوية، فالخسارة الثقافية في أوقات الحروب لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بما يتركه الفراغ من تأثير على المستقبل الاجتماعي والسياسي للدول.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة