الإرهاب من أخطر الظواهر السياسية والفكرية التي تهدد أمن واستقرار المجتمعات الحديثة والعمل على إضعاف الدولة الوطنية، والذى تطوّر من أعمال عنف متفرقة إلى ظاهرة معقدة ذات جذور فكرية وتنظيمية، ترتبط بجماعات تتبنى أفكارًا متشددة تُكفِّر وتجهّل المجتمعات والدول، وتبرر استخدام العنف لتحقيق أهداف سياسية أو عقائدية.
ومن بين الحركات التي أثارت جدلًا واسعًا في العالم العربي والإسلامي جماعة الإخوان الإرهابية، التي أسسها حسن البنا سنة 1928، والتي تطورت أفكارها حتى أنتجت تيارات وأشخاصا أكثر تشددًا، كان أبرزهم الإرهابى سيد قطب، الذى أصل للتطرف فى كتابه الأخطر «معالم في الطريق» والذي أصبح مرجعا أساسيا للكثير من التنظيمات الإرهابية المتطرفة.
ونتاول خلال هذه الدراسة تتبع نشأة الإرهاب، وتحليل العقلية الإرهابية، وبيان أثر الفكر القطبي «نسبة إلى سيد قطب» في نشوء الجماعات العنيفة، مع التطرق إلى بعض العمليات الإرهابية المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين في مصر.
◄ مفهوم الإرهاب ونشأته
الإرهاب مشتق من الرهبة أي الخوف والفزع، هذا في اللغة، أما فى الاصطلاح فهو استخدام العنف أو التهديد بالعنف لتحقيق أهداف سياسية أو عقائدية عن طريق بث الرعب بين الناس.
عرف التاريخ الإنساني أشكالا مختلفة من الإرهاب، بدأت بالجماعات السرية مرورا بالتنظيمات الفوضوية في أوروبا خلال القرن الـ19، وصولا إلى التنظيمات الدينية المسلحة في العصر الحديث، حيث اتخذ الإرهاب خلال هذا العصر شكلا أكثر تنظيما بعد الحرب العالمية الثانية، فظهرت جماعات تعتمد على الأيديولوجيا العقائدية وتستخدم الدين أو القومية مبررا للعنف. وفي العالم العربي، ساهمت عوامل متعددة في ظهور الإرهاب، منها: الاستبداد السياسي ، والفقر والبطالة والتهميش، و سوء الفهم الديني، و استغلال النصوص الدينية لأهداف سياسية، وظهور جماعات الجهاد التكفيري، وقد ساعدت التحولات السياسية في المنطقة العربية على نمو التنظيمات المتشددة التي تبنت فكرة «الحاكمية» ورفض الدولة الوطنية.
◄كيف يفكر الإرهابيون؟
تعتمد عقلية الإرهابيين على مجموعة من السمات الفكرية والنفسية، أبرزها:
1- الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة
يرى الإرهابي أنه وحده يمثل الدين الصحيح أو الفكر الصحيح، بينما بقية المجتمع منحرف أو كافر، وهذا الاعتقاد يولد نزعة عدائية تجاه الآخرين.
2- تقسيم العالم إلى معسكرين
يقسم الإرهاب العالم إلى «معسكر الحق ومعسكر الباطل» أو إلى «مؤمنين وكفار»، مما يبرر لديه ممارسة العنف ضد المعسكر المخالف.
3- تبرير العنف باسم الدين
تلجأ الجماعات الإرهابية إلى تأويل النصوص الدينية بطريقة انتقائية لتبرير القتل والتفجير والاغتيالات.
4- الشعور بالمظلومية
تعتمد التنظيمات المتشددة الإرهابية على خطاب المظلومية، وإقناع أتباعها بأنهم مستهدفون من المجتمع والدولة، مما يدفعهم إلى العنف بدعوى الدفاع عن الدين.
5- الطاعة العمياء للتنظيم
تقوم الجماعات الإرهابية على مبدأ السمع والطاعة، بحيث يفقد الفرد استقلاله الفكري ويصبح أداة تنفيذية داخل التنظيم.
◄ جماعة الإخوان المسلمين والفكر السياسي
نشأت جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 على يد حسن البنا في مدينة الإسماعيلية، ورفعت شعار «الإسلام دين ودولة»، وعملت على إقامة نظام سياسي مبني على رؤيتها الخاصة للإسلام، وعلى الرغم من تقديم الجماعة نفسها كحركة دعوية وإصلاحية، فإنها أنشأت جهازا سريا مسلحا عُرف باسم التنظيم الخاص، والذي تورط في أعمال عنف واغتيالات سياسية خلال الأربعينيات.
ومن أبرز العمليات التي نُسبت إلى التنظيم الخاص:
- اغتيال القاضي أحمد الخازندار عام 1948.
- اغتيال رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي عام 1948.
- تفجيرات استهدفت منشآت حكومية ودور سينما ومحال تجارية بالقاهرة.
وقد أدى ذلك إلى حل الجماعة في ديسمبر 1948، ثم اغتيال حسن البنا بعد ذلك بفترة قصيرة.
◄ سيد قطب والتحول للفكر الإخواني
سيد قطب من أبرز الشخصيات التي أثرت في الفكر الإسلامي الحركي المعاصر، بدأ حياته كأديب وناقد أدبي، ثم تحول إلى الفكر الإسلامي السياسي بعد انضمامه إلى جماعة الإخوان المسلمين، وخلال فترة سجنه في الخمسينيات والستينيات كتب أخطر مؤلفاته كتاب معالم في الطريق، الذي أصبح المرجع الفكري الرئيسى للجماعات الإرهابية المتطرفة.
◄ أفكار سيد قطب في كتاب معالم في الطريق
1- الحاكمية
تعتبر «الحاكمية» من أهم أفكار سيد قطب، وتعني أن الحكم يجب أن يكون لله وحده، وأن أي نظام لا يطبق الشريعة الإسلامية وفق فهمه هو نظام جاهلي، حيث اعتبر قطب أن المجتمعات الحديثة تحكم بغير ما أنزل الله، وبالتالي فهي مجتمعات خارجة عن الإسلام الحقيقي، واستخدمت التنظيمات المتشددة هذه الفكرة لتكفير الأنظمة السياسية واستخدام العنف والإرهاب ضدها.
2- الجاهلية
رأى سيد قطب أن العالم المعاصر يعيش في «جاهلية» لا تختلف عن جاهلية ما قبل الإسلام، معللا هذا ـ حسب رأيه ـ بأن البشر يشرِّعون القوانين لأنفسهم بدلًا من الاحتكام إلى شريعة الله. وقد أدى هذا التصور إلى تكفير المجتمع والدولة، وخلق حالة عداء مع الواقع السياسي والاجتماعي.
3- العزلة الشعورية
دعا سيد قطب إلى ما أطلق عليه «العزلة الشعورية»، أي أن يشعر المسلم بأنه منفصل نفسيا وفكريا عن المجتمع الجاهلي المحيط به، وعلى الرغم من عدم دعوته صراحةً إلى العزلة المكانية، فإن الجماعات المتشددة فسرت الفكرة باعتبارها دعوة للانفصال عن المجتمع وتكوين جماعات مغلقة ذات ولاء خاص.
◄ أثر الفكر القطبي في نشوء التنظيمات الإرهابية
أثرت أفكار سيد قطب بصورة مباشرة في عدد كبير من التنظيمات المتشددة، مثل: تنظيم القاعدة، وتنظيم داعش، وجماعات التكفير والهجرة، وتنظيم الجهاد المصري. واستندت هذه التنظيمات وهذه الجماعات المتطرفة على مفاهيم «الحاكمية والجاهلية» لتبرير تكفير الحكومات والمجتمعات، ومن ثم استخدام العنف المسلح ضدها.
◄ عمليات إرهابية ارتبطت بجماعة الإخوان الإرهابية في مصر
شهدت مصر عددًا من العمليات المرتبطة بعناصر أو تنظيمات خرجت من رحم الفكر الإخواني، كان من أبرزها:
1- اغتيال القاضي أحمد الخازندار
أصدر القاضي أحمد الخازندار أحكاما ضد بعض عناصر الجماعة الإرهابية، فاغتالته يد الغدر، ففى صباح يوم 22 مارس 1948، كان القاضي متوجهًا من منزله في حلوان إلى محطة القطار، أطلق عليه عضوان من جماعة الإخوان الإرهابية- محمود زينهم وحسن عبد الحافظ- 9 رصاصات تسببت فى مقتله. وتمكن الأهالي والشرطة من مطاردة الجناة والقبض عليهما. أحدثت الجريمة صدمة واسعة في المجتمع المصري باعتبارها أول اعتداء مباشر على هيبة القضاء في التاريخ الحديث.

البنا أشار إلى اغتيال الخازندار

قتلة الخازندار
2- اغتيال النقراشي باشا 1948
في صباح يوم 28 ديسمبر 1948، دخل شاب يُدعى عبد المجيد حسن- كان طالبًا بكلية الطب البيطري ومنتميًا إلى الجهاز الخاص للإخوان- مبنى وزارة الداخلية متنكرا في زي ضابط شرطة، وعندما وصل النقراشي باشا إلى الوزارة، فتح عليه النار واطلق عليه عدة رصاصات أدت إلى مقتله

جنازة النقراشى باشا

نبا اغتيال النقراشى باشا
3- محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر1954
تعد محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية، من أشهر الأحداث السياسية في تاريخ مصر الحديث، ففى مساء يوم 26 أكتوبر 1954 وأثناء خطاب جماهيري كان يلقيه الرئيس الراحل بمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء مع بريطانيا، أطلقت عناصر إخوانية عدة رصاصات والتي نجا منها، واستمر في إلقاء كلمته وسط حالة ارتباك كبيرة.

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر
4- العنف بعد عام 2013
بعد عزل الرئيس الراحل محمد مرسي، شهدت مصر موجة من العنف والعمليات الإرهابية، واتهمت الدولة المصرية جماعة الإخوان بدعم والتحريض على أعمال العنف.
◄ مواجهة الإرهاب
تتطلب مواجهة الإرهاب معالجة شاملة لا تقتصر على الحل الأمني فقط، بل على وزارات التعليم والأوقاف والثقافة بجانب الأزهر الشريف دور كبير جدا، حيث يجب العمل على:
• نشر الفكر الديني الوسطي.
• تجديد الخطاب الديني.
• مكافحة الفقر والبطالة.
• تعزيز الانتماء الوطني.
• مراقبة الخطاب المتطرف على وسائل الإعلام والإنترنت.
• دعم التعليم والثقافة والتفكير النقدي.
كما يجب تفكيك البنية الفكرية للتطرف، خاصة الأفكار القائمة على التكفير والعزلة واحتكار الحقيقة.