فتى المسرح صار «زعيم الضحك العربى».. «مين زكى جمعة ده؟!».. أول من احتضن موهبته.. قصة الفنان الكبير تبدأ على خشبة مسرح «زراعة القاهرة».. الزعيم عادل إمام أصبح من أهم نجوم المسرح فى تاريخ مصر والعالم العربي

السبت، 16 مايو 2026 09:00 م
فتى المسرح صار «زعيم الضحك العربى».. «مين زكى جمعة ده؟!».. أول من احتضن موهبته.. قصة الفنان الكبير تبدأ على خشبة مسرح «زراعة القاهرة».. الزعيم عادل إمام أصبح من أهم نجوم المسرح فى تاريخ مصر والعالم العربي عادل إمام

كتب - جمال عبدالناصر

لم يكن المسرح بالنسبة للفنان عادل إمام مجرد محطة عابرة فى رحلته الفنية، ولا مجرد وسيلة للعبور إلى السينما والشهرة، بل كان العالم الأول الذى اكتشف فيه نفسه، والنافذة التى أطل منها على الناس، والمنبر الذى تعلم فوقه كيف يصنع الضحك من قلب المعاناة، وكيف يحول البساطة الشعبية إلى حالة فنية خالدة، ولهذا لم يكن غريبا أن يقول عنه الأديب الكبير يوسف إدريس عبارته الشهيرة:

«عادل إمام سائق ماهر يعرف الطرق الخفية للوصول إلى قلوب الجماهير بعيدًا عن اختناقات المرور».

كانت تلك الجملة تلخص سر هذا الفنان الذى لم يصل إلى الناس عبر التعقيد أو التنظير، بل عبر الفطرة والصدق وخفة الظل والقدرة النادرة على التعبير عن الإنسان البسيط، فقد عاش عادل إمام وسط الطبقات الشعبية، وعرف الفقر والحرمان والصعلكة، ولذلك ظل طوال مشواره يشعر أنه واحد من هؤلاء الناس، لا نجما معزولا عنهم، وهو نفسه قال فى أكثر من حوار: أنا والحرمان صديقان من زمان، ولولا الصعلكة لما كان جيلى ولما كان عادل إمام.

 

سر ارتباط الجمهور بالزعيم 

ومن هنا يمكن فهم سر ارتباط الجمهور به؛ لأنه لم يكن يؤدى أدوار البسطاء من الخارج، بل كان يحمل داخل روحه تفاصيلهم الحقيقية، ولهذا صدّقه الناس وأحبوه ورأوا فيه ابن الشارع المصرى الذى يشبههم ويضحك مثلهم ويحلم مثلهم ويخاف مثلهم أيضًا.

 

القصة بدأت من جامعة القاهرة 

بدأت الحكاية داخل جامعة القاهرة، وتحديدًا فى مسرح كلية الزراعة، ذلك العالم السحرى الذى جذب الشاب القادم من حى السيدة عائشة ليقف لأول مرة فوق الخشبة، وهناك بدأ الحلم الحقيقى، وهناك لعبت الصدفة دورها فى تشكيل واحد من أهم نجوم الكوميديا فى تاريخ المسرح العربى، ففى ذلك المسرح كان يقود فريق التمثيل شخص يدعى محمد زكى جمعة، أو زكى جمعة كما عرفه الجميع، وهو الاسم الذى سيخلده عادل إمام لاحقا داخل واحد من أشهر مشاهد مسرحية مدرسة المشاغبين حين قال : فين أيام رفاعة الطهطاوى وقاسم أمين وعلى مبارك وزكى جمعة.. مين زكى جمعة ده؟!.

كان زكى جمعة أول من احتضن موهبة عادل إمام، واختبره، وعلمه الوقوف فوق الخشبة، ومنحه الثقة الأولى فى نفسه، فشارك من خلال مسرح الجامعة فى عروض عديدة صقلت موهبته ومنحته خبرة مبكرة جعلته أكثر استعدادًا للاحتراف، ثم جاءت الفرصة الأولى عام 1962 فى مسرحية «ثورة قرية» للمخرج حسين كمال، وهناك نطق عادل إمام بجملته الشهيرة: معايا العسلية بمليم الوقية، وهى الجملة التى علقت سريعًا فى أذهان الجمهور وكأنها إعلان مبكر عن مولد نجم يمتلك قدرة خاصة على صناعة الإفيه الشعبى البسيط القادر على البقاء.

لكن التحول الحقيقى فى مسيرته المسرحية جاء عندما انضم إلى فرقة مسرح التليفزيون، ثم شارك مع الثنائى العظيم فؤاد المهندس وشويكار فى مسرحية (أنا وهو وهى ) عام 1964، وهى المسرحية التى يمكن اعتبارها الانطلاقة الفعلية لعادل إمام كممثل محترف، صحيح أنه شارك قبلها فى مسرحية « سرى جدًا» ، لكن (أنا وهو وهى) كانت العمل الذى لفت الأنظار بقوة إلى ذلك الشاب النحيل صاحب الحضور المختلف وخفة الظل الاستثنائية، خاصة من خلال شخصية (دسوقى)، الرجل البسيط الذى أطلق عبارته الخالدة : بلد شهادات صحيح.

فى مسرح فؤاد المهندس تعلم عادل إمام الكثير، تعلم الإيقاع المسرحي، واحترام الجمهور، والقدرة على اقتناص الضحكة فى اللحظة المناسبة، وتعلم قبل كل شىء أن المسرح ليس مجرد إلقاء نكات، بل علاقة حية ومباشرة مع المتفرج، ولذلك ظل يحمل لفؤاد المهندس تقديرا خاصا طوال حياته، باعتباره الأب المسرحى الحقيقى الذى فتح له أبواب النجومية.

واصل عادل إمام رحلته بخطوات ثابتة، فشارك فى مسرحيات عديدة مثل «النصابين»، و«البيجامة الحمراء»، و«حالة حب»، و«أنا فين وأنت فين»، و«غراميات عفيفى»، لكنه كان لا يزال يبحث عن العمل الذى ينقله من ممثل موهوب إلى نجم جماهيرى كاسح، وجاءت اللحظة الحاسمة عام 1971 مع المسرحية التى غيرت تاريخ الكوميديا العربية، وهى مسرحية «مدرسة المشاغبين» .

لم تكن « مدرسة المشاغبين» مجرد عرض ناجح، بل كانت ظاهرة اجتماعية كاملة، خمسة أعوام متواصلة والجمهور يملأ المسرح، وإفيهات العرض تتحول إلى لغة يومية يتداولها الناس فى الشوارع والمقاهى والبيوت، وفى قلب هذه الفوضى الكوميدية وقف عادل إمام ليؤكد أنه ليس مجرد فرد فى بطولة جماعية، بل مشروع نجم استثنائى قادر على قيادة المسرح بمفرده.

ولهذا، بعد «مدرسة المشاغبين»، اتخذ قراره الأهم: أن يصبح بطلًا مطلقًا، ورفض المشاركة فى «العيال كبرت» رغم نجاح فريق «المشاغبين»، وفضّل أن يخوض مغامرته الخاصة، فقدم «شاهد ما شافش حاجة» كبطل أوحد، وتحولت «شاهد ما شافش حاجة» إلى واحد من أهم العروض فى تاريخ المسرح العربى، واستمر عرضها سبع سنوات كاملة، وفيها قدم عادل إمام شخصية «سرحان عبدالبصير»، الإنسان الساذج الذى يجد نفسه متورطًا فى عالم لا يفهمه، وهى الفكرة التى ستتكرر لاحقًا فى معظم بطولاته المسرحية؛ ذلك المواطن البسيط الذى يُلقى به داخل عالم أكبر منه ملىء بالفساد والتناقضات والمؤامرات.

وجاءت الواد سيد الشغال، حيث جسّد الشاب الشعبى الذى يدخل عالم الأثرياء، فتظهر الفجوة الطبقية بكل تناقضاتها الساخرة، وبعدها قدم الزعيم، العمل الذى ربما يمثل ذروة نضجه المسرحى والسياسى، حين يتحول الكومبارس البسيط إلى حاكم بالصدفة، فيسخر العرض من عالم السلطة والاستبداد والزيف السياسى، ثم جاءت بودى جارد لتكون آخر محطاته الكبرى فوق الخشبة، وإن لم تحقق عند عرضها التليفزيونى نفس التأثير الذى صنعته حيّة أمام الجمهور.
ورغم أن عدد المسرحيات التى قدمها عادل إمام لا يتجاوز تقريبًا سبعة عشر عرضًا خلال أكثر من ستين عامًا، فإن تأثيره المسرحى كان أوسع بكثير من هذا الرقم.

النجاح الساحق لعروضه، واستمرار بعضها لسنوات طويلة، جعلاه واحدًا من أهم نجوم المسرح الجماهيرى فى تاريخ مصر والعالم العربي، وعادل إمام لم يكن يبحث عن كثرة الأعمال بقدر ما كان يبحث عن العرض القادر على البقاء، ولهذا تحولت مسرحياته إلى جزء من الذاكرة الجمعية للمصريين والعرب، ولم تعد مجرد عروض مسرحية، بل أصبحت لغة كاملة، وأفيهات محفوظة، ومواقف مرتبطة بوجدان أجيال متعاقبة.

لقد كان المسرح بالنسبة لعادل إمام بيتًا أول، ومكانًا اكتشف فيه قدرته الاستثنائية على التواصل مع الجمهور، ومن فوق الخشبة صنع صورته كـ» زعيم» للكوميديا العربية، ليس لأنه كان الأعلى صوتًا، بل لأنه كان الأقرب إلى الناس، وكان يعرف كيف يجعل المتفرج يضحك، ثم يترك داخله شيئًا من الحزن أو التأمل أو الإحساس بأن هذا الممثل يشبهه بطريقة ما.

وإذا كانت رحلة عادل إمام فوق المسرح مليئة بالنجاحات الجماهيرية، فإن كواليس هذه الرحلة لا تقل إثارة وثراء عن العروض نفسها، فقد شهدت مسيرته المسرحية الكثير من الحكايات التى تكشف كيف كان يفكر هذا الفنان، وكيف صنع زعامته بخطوات محسوبة ووعى مبكر بطموحه الفنى.

وقد عرفتُ بعض هذه الحكايات من خلال أحاديث مباشرة جمعتنى شخصيًا بالفنان الراحل حسن مصطفى، الذى روى لى كواليس مهمة من تلك المرحلة بكل ما فيها من صدق ودفء وحنين إلى زمن المسرح الجميل.

ومن أهم تلك الحكايات ما جرى بعد النجاح الأسطورى لمسرحية مدرسة المشاغبين، حين أراد المنتج الكبير سمير خفاجة استثمار النجاح الجماهيرى الساحق للمسرحية، فقرر تقديم عرض جديد يجمع نفس الأبطال تحت اسم العيال كبرت، وقتها كان من الطبيعى أن يواصل عادل إمام الرحلة مع المجموعة نفسها، لكنه اتخذ قرارًا مصيريًا سيغير تاريخه المسرحى كله؛ إذ فضّل أن يخوض مغامرته منفردًا، وأن يتحمل مسؤولية البطولة الكاملة وحده.

وقد حكى لى الفنان حسن مصطفى تفاصيل تلك الواقعة قائلاً إن عادل إمام رفض المشاركة فى (العيال كبرت)، وذهب إلى سمير خفاجة حاملاً نص شاهد ما شافش حاجة، طالبًا تقديمها كبطولة مطلقة له، وكأن عادل كان يشعر أن زمن «النجم داخل المجموعة»  قد انتهى، وأن لحظة الزعيم الفرد قد بدأت بالفعل، وبالفعل تحولت « شاهد ما شافش حاجة» إلى علامة فارقة فى تاريخ المسرح العربى، ومنها بدأ عادل إمام رحلته كأحد أهم نجوم الشباك الجماهيرى فى المسرح المصرى.

ومن الحكايات التى رواها لى حسن مصطفى أيضًا أن عادل إمام ظل الفنان الوحيد تقريبًا الذى بقى وفيًا لفرقة « الفنانين المتحدين» منذ انضمامه إليها عام 1966 وحتى رحيل مؤسسها سمير خفاجة عام 2018، ففى الوقت الذى غادر فيه نجوم كبار الفرقة مثل فؤاد المهندس وعبد المنعم مدبولى وسعيد صالح وأحمد زكي، ظل عادل إمام مرتبطًا بالمكان الذى شهد ميلاد نجوميته الحقيقية، وكأن بينه وبين خشبة « المتحدين» عهدًا خفيًا لم ينكسر أبدًا.

ولهذا ظلت الشائعات تتردد لسنوات طويلة عن مشروع مسرحى جديد يعيده إلى المسرح مع الفرقة، لكن الحلم لم يتحقق، ورحل سمير خفاجة لتغلق بوفاته صفحة طويلة من تاريخ المسرح الجماهيرى المصرى.

000
000

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة