كان عادل إمام من أوائل الممثلين الذين تعرفت إليهم عبر شاشة التيلفزيون فى طفولتى، حتى قبل عرض عمله الأشهر «مدرسة المشاغبين».
كانت تُعرض له مسلسلات من إخراج الأستاذ محمد فاضل، من بينها «الفنان والهندسة» و«الرجل والدخان»، وكانت من أوائل الأعمال الدرامية التى شاهدتها فى مرحلة الصبا، خلال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضى، مع بدايات اكتشافنا للتليفزيون، فنحن ننتمى فى الأساس إلى ما كان يسمى «جيل التليفزيون». أتذكر جيدًا جهاز التلفزيون الأبيض والأسود الكبير من نوع «ناشيونال»، وكيف كنا نكتشف من خلاله العالم والدراما معًا، ثم جاءت المشاهدة الأهم عندما عُرضت «مدرسة المشاغبين» لأول مرة على شاشة التلفزيون، فحققت دويًا هائلًا، وكنا بالكاد نتوقف عن الضحك بسبب ما كان يفعله هؤلاء «المشاغبون»، وفى مقدمتهم عادل إمام وسعيد صالح.
حكاية نجاح «أحلام الفتى الطائر»
ثم تأكد نجاحه أكثر مع «أحلام الفتى الطائر»، الذى عُرض فى رمضان وحقق نجاحًا كبيرًا، وكنا جميعًا نقلد الحركة الشهيرة التى كان يقوم بها بيده فى إشارة إلى الطيران.
ترسخ حضور عادل إمام بوصفه ظاهرة كبيرة فى كوميديا السبعينيات، وكان اكتشافنا له مرتبطًا باكتشافنا للدراما نفسها، ثم توالت أعماله فى الثمانينيات والتسعينيات، خصوصًا أفلامه مع الكاتب الكبير وحيد حامد، التى شاهدت معظمها فى عروضها الأولى، فيلمًا بعد آخر.
عرض الإرهابي فى نقابة الصحفيين
ولا أنسى عرض فيلم «الإرهابى» فى نقابة الصحفيين خلال تسعينيات القرن الماضى، فقد عُرض فى ظروف شديدة الصعوبة، حين كانت مصر تواجه تهديدات إرهابية متكررة، حتى إن دور العرض التى كانت تعرض الفيلم كانت تحيط بها سيارات الشرطة لتأمينها.
فى رأيي، عادل إمام ظاهرة استثنائية فى تاريخ السينما والدراما عمومًا، الكوميدية والجادة، من النادر أن يستمر نجم أول تُباع الأفلام باسمه وحده لسنوات طويلة بهذا الشكل، وقد تفاوتت أعماله بالطبع، لكن ظل هناك دائمًا شعور بأننا أمام موهبة استثنائية حقيقية.
كان عادل إمام «مشخصاتى» كبيرًا، أحدث نقلة فى تكنيك الأداء الكوميدي، من خلال أسلوب هادئ يعتمد على تعبيرات الوجه، ونبرة الصوت، والسلاسة الممتنعة فى إلقاء «الإفيه»، وكان أيضًا ممثلًا جادًا شديد القدرة، وتبقى ذروة ذلك عندى فى فيلم «الحريف»، حيث أقنعنا بأنه لاعب كرة شوارع كبير فى السن، يركض بصعوبة، لكنه يظل «حريفًا»، ويحمل رغبة عميقة فى استعادة أسرته. كما تكشف المسافة بين «بهجت الأباصيرى» فى «مدرسة المشاغبين» و«سرحان عبدالبصير» فى «شاهد ماشفش حاجة» حجم قدرته على تقمص شخصيات متناقضة وإقناع الجمهور بها.
وأعتقد أن عادل إمام عاش صراعًا دائمًا بين الممثل والنجم، الممثل داخله دفعه إلى أعمال مثل «الحريف»، والنجم داخله كان يدرك أهمية الإيرادات والحضور الجماهيرى، وفى أفلامه مع وحيد حامد حدث قدر مهم من التصالح بين الاثنين، من «المنسى» إلى «طيور الظلام»، حيث التقى الأداء الرفيع بالنجاح الجماهيرى. لقد أصبح عادل إمام جزءًا أصيلًا من تاريخ السينما المصرية، بما له وما عليه، وظل نجمًا حتى اللحظة التى اختار فيها بنفسه أن يبتعد ويستريح، ودعواتى له بدوام الصحة والعمر المديد.
