يا لها من ساحرة، ويا له من دواء، تلك الضحكة التى يستطيع عادل إمام رسمها ببساطة على وجوه الملايين، وكأنه ساحر أسطورى يحمل إكسيرًا للسعادة، ما أن يلقيه على الجميع حتى يخروا له ضاحكين، وكأنه فنان تشكيلى مهول، يستطيع أن يمسك ريشة عرضها الوطن العربى كله، وبإطلالة منه يمسح الحزن من العيون والقلوب، ويرسم البسمة على كل وجه حاملةً توقيع "عادل إمام".
.jpg)
قلة من البشر الذين يستطيعون أن يصبحوا مثله، فقد أستطاع ببراعة واقتدار أن يلخص الوطن فى وجه، وأن يلخص الرسالة فى كلمة، "ضحكة.. أيا ضحكة يا صعبة يا سهلة"، هكذا أسمع صوت محمد منير يغنى وأنا أشاهد عادل إمام يمثل - مع الاعتذار بالطبع عن تحريف الأغنية الأصلية – يرسم الضحكة بسهولة السحاب، وانسيابية النهر، ونصاعة الشموس والأقمار، فيصبح جواز سفرنا فى الأوطان الغريبة، ويصبح لغتنا إذا لم يفهمنا الآخرون.
زمن المعجزات انتهى بالفعل، لكنه يتجدد مع هذا الرجل فى كل مرة تشاهده، وإن كان العالم فشل فى اختراع آلة للزمن تنقلنا من حقبة لأخرى، فعادل إمام اخترع آلة للمشاعر، ينقلنا بإطلالة أو كلمة من حال إلى حال، ومن مزاج إلى مزاج.
ربما لم يصادف شعور إنسانى ما صادفته الضحكة من استهانة، يكتب الجميع عن الحزن باعتباره الشعور الأسمى، يكتبون عن الدمع باعتباره غاية الشعور، أما الضحك أو الابتسامة فلا يعتبرونهما «قضية»، لكن الحقيقة عكس ذلك، فالإنسان ولد باكيًا، وكأن فطرته الحزن لا غير، ولا يستطيع الواحد أن يضحك طفلًا بسهولة، أما البكاء فهو ملىء به بسبب وبدون، وهذه هى معجزة عادل إمام، فقد جعل الضحك رسالة فورية، ينقلها إليك دون عناء، فتؤمن بها وكأنها وحي.

عادل إمام وسهير البابلي
رحلة طويلة قطعها «الزعيم» فى الفن والإبداع، وعلى مقدار عمق هذه الرحلة فى الزمن هناك رحلة أخرى فى قلوبنا نحن الذين طرنا مع «الفتى الطائر»، ونحن الذين انتقمنا لعيون فاطمة وشفى غليلنا برؤية «الدموع الوقحة»، ونحن الذين أغلقنا النوافذ حتى لا يطير الدخان، ونحن الذين ارتعبنا من الأسد فى «شاهد ماشفش حاجة»، ونحن الذين حلمنا بكسر قانون ساكسونيا وقتل «الغول»، ونحن الذين تمنينا أن يسمعك أحد وأنت تصرخ «إحنا بتوع الأوتوبيس»، ونحن الذين عشنا معك «مرة واحدة»، ونحن الذين تعاطفنا معك حينما صرخت «عايز أبوس.. أشمعنى أستاذ يوسف شعبان بيبوس».
ربما تكون تلك الحكمة هى الشىء الوحيد الذى تعلمه الزعيم من «كلية الزراعة» التى درس بها وتخرج فيها، فقد تعلم الزعيم منذ بدايته أن يرى فى البذرة الشجرة، وأن يرى فى الشجرة الحديقة، وأن يرى فى الحديقة الجنة، وأن يشم رائحة الثمار فور أن يرى الأرض الطيبة، وقد تعامل «الزعيم» مع نفسه منذ البداية باعتباره «بذرة» يرى فيها جنة كاملة الأوصاف، عمل أشياء لا يحبها، وقبل بأشياء لم يكن ليقبل بها، وظهر على الهامش كثيرًا مؤمنًا بأنه سيحتل المتن كاملًا ذات يوم.

فتش بين أصحابك أو أقاربك أو معارفك، سترى أن عادل إمام لا يشبه أحدًا، وجهه الذى لا تعرف إن كان مربعًا أم مدورًا، قوامه الذى لا تعرف إن كان نحيفًا أم ممتلئًا، ملامحه التى لا تعرف إن كانت جذابة أم فاترة، ثم فتش بين أصحابك ومعارفك وأقاربك مرة أخرى لترى أن عادل إمام يشبه الجميع، ولا يشبه أحدًا فى آن، تلك العادية المفرطة صنعت منه أيقونة متفردة، تلك الجاذبية الصامتة هى التى جعلتك تؤمن به حينما يقوم بدور البطل الخارق، وهى ذاتها التى جعلتك تؤمن به وهو يقوم بدور هلفوت من «الهلافيت».
طوال تاريخه الفنى الكبير جدًا والمدهش جدًا، كان عادل إمام بطلًا عاديًا، أسطورة بسيطة، أيقونة ضاحكة، فمه الكبير منحه ضحكة مجلجلة تسمع صداها فى الصور الفوتوغرافية والتماثيل الصامتة، ضحكة اتسع مداها من المحيط إلى الخليج، كثيرون حاولوا تقليده فصاروا أشباحًا باهتة، كثيرون حاولوا اتباع خطاه فصاروا مجرد اسكتشات خرساء للوحة ناصعة الحضور.

عادل إمام
صنع عادل إمام ما لم يصنعه غيره، صنع تاريخًا لنفسه وتاريخًا لبلده وتاريخًا لفنه، والأهم من هذا كله صنع تاريخًا لكل واحد فينا، صنع حياةً لكل واحد فينا، صنع مواسم للبهجة مع كل فيلم يطرحه، وكل مسرحية يشارك فيها، وكل مسلسل يبدع فيه، كنا نتصارع للظفر برؤية أفلامه وكأننا فى يوم الحشر، على أبواب السينما آلاف مؤلفة، ناس فوق ناس بجانب ناس على ناس، جماهير «ياما» أنت من جعلتها تؤمن بأن المتعة شيء يستحق أن تقاتل عليه مثل رغيف العيش، وأنت الذى زرعت فيها حب الفن وعشق السينما والتشبث بالحياة والوطن والقيمة.
كل 86 سنة وأنت لنا.
