التحصيل بأى طريقة.. كيف تحولت تطبيقات القروض إلى كابوس يطارد العملاء بالتهديد والفضائح؟ متضرر: قالولى اطلع اشحت من الجيران.. ومحصل سابق: الشركات بريئة من أى تعليمات للترهيب.. ويؤكد: المحصلون يفرضون أسلوبهم

الجمعة، 15 مايو 2026 02:00 م
التحصيل بأى طريقة.. كيف تحولت تطبيقات القروض إلى كابوس يطارد العملاء بالتهديد والفضائح؟ متضرر: قالولى اطلع اشحت من الجيران.. ومحصل سابق: الشركات بريئة من أى تعليمات للترهيب.. ويؤكد: المحصلون يفرضون أسلوبهم أموال

رامى محيى الدين

خبراء قانونيون: حق الشركات في التحصيل لا يبرر تجاوز الحدود القانونية أو انتهاك الخصوصية
 

محصل سابق: لا نتلقى أوامر مباشرة بممارسة البلطجة أو التجاوز والتعليمات "حصل بأى طريقة"

ومتضررون: لا نشكو من طريقة التحصيل فقط بل المبالغة في تكلفة السداد المعجل
أكاديمى متخصص في التسويق: تطبيقات التمويل لم تعد أزمة تحصيل.. بل تهديد لبنية السوق والاستقرار الاجتماعي

"قالولي اطلع اشحت من الجيران"، بهذه العبارة الصادمة يروي أحد المتضررين من تطبيقات القروض الرقمية ما تعرض له على يد محصلين حاولوا إجباره على سداد قسط متأخر، قبل أن تتطور الواقعة - بحسب روايته - إلى مشاجرة ومحاضر في قسم الشرطة بتهم "البلطجة وفرض السيطرة".


ولم تكن هذه الشهادة الوحيدة، إذ تكشف عشرات المنشورات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن نمط متكرر من الشكاوى ضد بعض شركات وتطبيقات التمويل الاستهلاكي، تتعلق بأساليب تحصيل وصفها العملاء بـ"المهينة" و"القائمة على الترهيب والفضح الاجتماعي".


وتنوعت روايات المتضررين بين تهديدات بزيارة المنازل وأماكن العمل، والتواصل مع الأقارب والجيران، وصولًا إلى التلويح بخلق "فضائح" للضغط على العملاء المتعثرين أو المتأخرين أيامًا قليلة عن موعد السداد.


إحدى السيدات كتبت أن محصلة بإحدى المؤسسات هددتها بـ"عمل فضائح" رغم أن تأخيرها لم يتجاوز أربعة أيام فقط، بينما روى آخر أن محصلين ذهبوا إلى منزل أقاربه للمطالبة بالقسط أمام الجيران.
ضغوط نفسية واجتماعية تتجاوز حدود التحصيل


خبراء قانونيون ومتابعون لقطاع التمويل الاستهلاكي يؤكدون أن حق الشركات في تحصيل أموالها لا يبرر تجاوز الحدود القانونية أو انتهاك خصوصية العملاء.


ويشير متخصصون إلى أن بعض المحصلين يعتمدون على "الضغط النفسي والإحراج الاجتماعي" باعتباره وسيلة أسرع لتحصيل الأموال، خاصة مع العملاء الذين يخشون كشف أوضاعهم المالية أمام الأسرة أو بيئة العمل.


وتتضاعف الأزمة مع طبيعة هذه التطبيقات التي تمنح قروضًا سريعة بإجراءات إلكترونية سهلة، ما يفتح الباب أمام شرائح واسعة من المستخدمين الذين قد يواجهون لاحقًا صعوبة في السداد نتيجة الفوائد أو تعدد الالتزامات.

محصل سابق: التعليمات كانت التحصيل بأى طريقة

وفي شهادة خاصة لتحقيق "اليوم السابع"، قال "ط . م"، وهو محصل سابق بإحدى شركات التمويل، إنه قرر الاستقالة بعدما شعر أن طبيعة العمل "لا تناسبه وفيها شبهة حرام"، على حد وصفه.


وأوضح أن إدارة الشركة - بحسب روايته - لم تكن تصدر أوامر مباشرة بتهديد العملاء أو ممارسة البلطجة، لكن بعض المحصلين كانوا يفسرون التعليمات بصورة خاطئة، خاصة حين يُطلب منهم "محاولة التحصيل بأي طريقة".


وأضاف أن هذه العبارة لم تكن تعني - رسميًا - تجاوز القانون أو ترهيب العملاء، إلا أن بعض الموظفين كانوا يلجأون إلى أساليب ضغط غير مقبولة لتحقيق نتائج أسرع.


ويكشف المحصل السابق مفارقة لافتة، إذ قال إنه تعرض شخصيًا لتجربة مشابهة بعد حصوله على قرض من شركة أخرى لشراء هاتف محمول، حيث قامت إحدى المحصلات بتهديده بطريقة غير لائقة، قبل أن يتواصل مع مدير الشركة ويتم احتواء الأزمة.


وأكد أنه ما زال ملتزمًا بالسداد بشكل منتظم، مشيرًا إلى أن "المشكلة ليست دائمًا في الشركة نفسها، لكن أحيانًا في طريقة تنفيذ بعض المحصلين للتعليمات".

السداد المعجل.. أزمة جديدة تثير التساؤلات

ولم تتوقف شكاوى العملاء عند أساليب التحصيل فقط، بل امتدت إلى ما وصفه البعض بـ"المبالغة" في تكلفة السداد المعجل.


أحد العملاء قال إنه مدين بنحو 55 ألف جنيه لإحدى شركات التمويل، ويسدد أقساطًا شهرية بقيمة 8 آلاف جنيه على 18 شهرًا، لكنه فوجئ بأن الشركة تطالبه بدفع 65 ألف جنيه في حالة السداد المبكر رغم انتظامه الكامل وعدم وجود أي تأخير عليه.


وتثير هذه الحالات تساؤلات حول آليات احتساب الفوائد والمصاريف الإدارية عند السداد المعجل، ومدى وضوح العقود التي يوقع عليها العملاء قبل الحصول على التمويل.

بين الحاجة للقروض وحدود القانون

ويرى مراقبون أن الانتشار السريع لتطبيقات التمويل الرقمي خلق واقعًا جديدًا يعتمد عليه آلاف المواطنين لتغطية احتياجات استهلاكية عاجلة، إلا أن غياب الوعي الكامل ببنود التعاقد من جهة، وبعض ممارسات التحصيل العنيفة من جهة أخرى، خلقا حالة متزايدة من الاحتقان.


ويطالب متضررون بتشديد الرقابة على شركات التمويل وآليات التحصيل، ووضع ضوابط واضحة تمنع التواصل المهين مع العملاء أو استخدام التهديد والتشهير كوسيلة ضغط.


في المقابل، تؤكد شركات عاملة بالقطاع أن نسب التعثر المرتفعة تدفعها إلى تكثيف جهود التحصيل، لكنها تشدد - في بيانات سابقة - على رفض أي ممارسات مخالفة للقانون أو مسيئة للعملاء.

توسع كبير في سوق تطبيقات التمويل الرقمي

وتشير بيانات حديثة صادرة عن قطاع التمويل الاستهلاكي إلى التوسع الكبير في عدد الشركات والتطبيقات العاملة بالسوق المصرية، إذ يتيح تطبيق "إنستاباي" وحده سداد أقساط لنحو 18 شركة تمويل استهلاكي مختلفة، من بينها "فاليو" و"سهولة" و"كونتكت" و"حالا" و"فرصة" و"درايف" و"مايلو" وغيرها، ما يعكس الحجم المتزايد لهذا النشاط وانتشاره بين المستخدمين.

12 مليون عميل وتمويلات بمليارات الجنيهات

كما كشفت تقارير حديثة عن الهيئة العامة للرقابة المالية أن عدد عملاء التمويل الاستهلاكي في مصر قفز إلى نحو 12 مليون عميل خلال عام 2025، بتمويلات تجاوزت 96 مليار جنيه، وهو ما يعكس اتساع اعتماد المواطنين على تطبيقات وخدمات التقسيط والشراء الآجل خلال السنوات الأخيرة.

تسويق الاحتياج بدل المنتج.. كيف يتحول الدَّين إلى سلوك استهلاكي؟
 

قال الدكتور عبد الله أبو سمرة، الأكاديمى المتخصص فى التسويق، إن ما يحدث مع بعض تطبيقات التمويل الرقمي لم يعد مجرد أزمة تحصيل أو تجاوزات فردية، بل أصبح مؤشرًا على خلل أعمق في نموذج التسويق السلوكي الذي تُدار به هذه التطبيقات.

وأوضح في تصريحات لـ اليوم السابع أن القضية أخطر بكثير من مجرد عميل متعثر أو شركة تسعى لتحصيل أموالها، لأن الأزمة تمس بنية السوق وسلوك المستهلك والاستقرار الاجتماعي.

وأشار إلى أن هذه التطبيقات تعتمد على نموذج تسويقي شديد الخطورة يبدأ بما وصفه بـ"تسويق الاحتياج لا المنتج"، حيث لا يجري الترويج للتمويل باعتباره خدمة مالية فقط، بل باعتباره حلًا سريعًا لتحقيق الرفاهية المؤجلة، عبر التركيز على سهولة الحصول على القرض وتقليل الإحساس بالمخاطرة، بما يدفع المستهلك إلى الاقتراض لتجاوز قدرته الشرائية الحقيقية.

وأكد أن هذا النوع من التسويق يحول العميل من "مشتري واعٍ" إلى "مستهلك مندفع" تحركه الرغبة في مجاراة الآخرين والخوف من الحرمان الاجتماعي، لافتًا إلى أن أخطر ما في الأمر هو خلق احتياجات مصطنعة قائمة على الدَّين وليس على الطلب الحقيقي.

0594379e-9aaf-44f6-be44-437351698f3f
الدكتور عبد الله أبو سمرة 

التسويق العدواني يدمر الثقة.. والعميل يتحول إلى هدف للتحصيل
 

وأضاف أبو سمرة أن بعض شركات التمويل تبني نماذجها التسويقية على الإغراء السريع وغموض الشروط والضغط النفسي، وهو ما قد يحقق أرباحًا قصيرة المدى لكنه يدمر الثقة، التي وصفها بأنها "رأس المال الحقيقي في التسويق".

وأشار إلى أن الأضرار لا تتوقف عند شركة بعينها، بل تمتد لتصيب سمعة قطاع التمويل الرقمي بالكامل، وثقة المستهلك في المؤسسات المالية، خاصة عندما يشعر العميل بأن بياناته أو كرامته قد تُستخدم ضده في عمليات التحصيل.

وأكد أن التسويق الحديث يقوم على بناء علاقة مستدامة مع العميل والحفاظ على تجربة المستخدم وإدارة السمعة، بينما تتعامل بعض نماذج التحصيل الحالية مع العميل باعتباره "رقم مديونية" يجب استخلاصه بأي وسيلة، وهو ما وصفه بأنه "نموذج جباية قصير النظر" وليس تسويقًا احترافيًا.

التمويل أداة اقتصادية مهمة.. والخطر في دفع الناس فوق طاقتهم
 

وشدد الدكتور عبد الله أبو سمرة على أن المشكلة ليست في التمويل نفسه، باعتباره أداة اقتصادية مهمة، وإنما في الطريقة التي يُستخدم بها التسويق لدفع المستهلكين إلى تجاوز طاقتهم المالية.

وأوضح أن الخطر الحقيقي يظهر عندما تُخفى التكلفة الحقيقية للتمويل، أو يُستغل ضعف الوعي المالي لدى المواطنين، أو تتحول عمليات التحصيل إلى نوع من الترهيب الاجتماعي، معتبرًا أن هذه الممارسات لا تمثل مجرد نشاط اقتصادي بل تهدد الاستقرار المجتمعي والثقة في السوق.

الولاء والثقة أساس التسويق الحديث.. وليس الضغوط النفسية
 

وأشار أبو سمرة إلى أن دراساته الأكاديمية ركزت على مفاهيم الولاء والثقة وإدارة السمعة، مؤكدًا أن أي نموذج اقتصادي يفقد احترامه للعميل على المدى الطويل يخسر استدامته وثقة الجمهور.

وأضاف أن التسويق الأخلاقي لم يعد رفاهية أو خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة لحماية السوق والمستهلك معًا، خاصة في ظل التوسع الكبير في خدمات التمويل الرقمي واعتماد شرائح واسعة من المواطنين عليها.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة