الألوان عبر التاريخ لغة السلطة والهوية.. كيف استخدمت الحضارات الملابس لفرض السلطة وصناعة الطبقات؟.. مصر القديمة الذهب للآلهة والأبيض للكهنة.. وروما البنفسجى للإمبراطور وقوانين أوروبية تمنع التشبه بالأغنياء

الجمعة، 15 مايو 2026 08:00 م
الألوان عبر التاريخ لغة السلطة والهوية.. كيف استخدمت الحضارات الملابس لفرض السلطة وصناعة الطبقات؟.. مصر القديمة الذهب للآلهة والأبيض للكهنة.. وروما البنفسجى للإمبراطور وقوانين أوروبية تمنع التشبه بالأغنياء صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى

رامى محيى الدين

لم تكن الألوان يومًا مجرد اختيار جمالي أو ذوق شخصي، بل لعبت عبر التاريخ دورًا يتجاوز الزينة إلى السلطة والهيمنة والتمييز الطبقي والسياسي والديني. فبينما يبدو ارتداء لون معين اليوم أمرًا عاديًا، تكشف سجلات الحضارات القديمة والإمبراطوريات الكبرى أن بعض الألوان كانت حكرًا على الملوك، وأن مخالفة قواعد اللباس قد تقود أصحابها إلى السجن أو الإعدام أحيانًا.

صورة مولدة بالذكاء الاصططناعى عن الملابس فى عصور مختلفة
صورة مولدة بالذكاء الاصططناعى عن الملابس فى عصور مختلفة

 

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى

 

وتظهر دراسة تاريخ الملابس أن الألوان استخدمت باعتبارها “لغة سلطة”، تحدد من يحكم ومن يخضع، ومن ينتمي إلى الطبقة العليا ومن يبقى خارجها.

1
 

مصر القديمة.. الذهب للآلهة والأبيض للكهنة

في Ancient Egypt ارتبطت الألوان بالدين والسلطة ارتباطًا وثيقًا. فقد اعتبر المصريون القدماء اللون الذهبي رمزًا للخلود والآلهة، بينما ارتدى الكهنة الملابس البيضاء باعتبارها تعبيرًا عن الطهارة الروحية، في حين ارتبط الأزرق بالحماية والسماء والنيل.
ويشير The Met Museum⁠ إلى أن استخدام الألوان في الملابس والزينة المصرية لم يكن عشوائيًا، بل حمل دلالات عقائدية واجتماعية واضحة، خاصة مع ارتفاع تكلفة الأصباغ النادرة وصعوبة إنتاجها.
كما استخدم اللون الأسود بصورة مختلفة عن معناه الحديث؛ إذ ربطه المصريون بالخصوبة وإعادة الميلاد بسبب لون طمي النيل، وليس بالحزن أو التشاؤم كما هو شائع اليوم.

ملابس كهنة فراعنة
ملابس كهنة فراعنة

 

ملابس كهنة
ملابس فرعونية

 

البنفسجي الإمبراطوري.. لون قد يكلّفك حياتك

في Roman Empire تحول اللون البنفسجي إلى أحد أخطر رموز السلطة في التاريخ. فقد اشتهرت الإمبراطورية الرومانية بما عُرف بـ “الأرجوان الصوري”، وهو صبغ نادر كان يُستخرج من أصداف بحرية بكميات هائلة، ما جعله بالغ الندرة والارتفاع في الثمن.
ووفقًا لـ Encyclopaedia Britannica - Tyrian Purple⁠ أصبح البنفسجي رمزًا إمبراطوريًا خالصًا، حتى إن القوانين الرومانية منعت عامة الناس من ارتدائه، بينما احتكر الأباطرة وأفراد الطبقة الحاكمة استخدامه في الملابس الرسمية.
ويقول مؤرخون إن بعض فترات الحكم الروماني شهدت عقوبات صارمة ضد من يرتدي اللون البنفسجي دون إذن، في محاولة لحماية “هيبة الإمبراطور” ومنع تقليد الطبقة الحاكمة.

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى
 
ملابس امبراطورية
ملابس امبراطورية

 

أوروبا الوسطى.. قوانين تمنع الفقراء من التشبه بالأثرياء

مع دخول Middle Ages أصبحت الملابس جزءًا من النظام القانوني نفسه. ففي أوروبا الوسيطة ظهرت ما عُرف باسم “قوانين الترف” أو Sumptuary Laws، وهي تشريعات تحدد لكل طبقة اجتماعية ما يجوز لها ارتداؤه.
وبحسب Encyclopaedia Britannica - Sumptuary law⁠ مُنع الفقراء والتجار في بعض الفترات من ارتداء الحرير أو الفراء أو الألوان الغنية، بينما احتكرت الطبقات الأرستقراطية الأقمشة الفاخرة والأصباغ مرتفعة الثمن.
كما استخدمت بعض المدن الأوروبية الملابس لتمييز الأقليات الدينية والعرقية، عبر فرض ألوان أو علامات محددة عليهم، في واحدة من أقدم صور “الفرز البصري” داخل المجتمع.
ويرى باحثون أن تلك القوانين لم تكن أخلاقية فقط، بل اقتصادية أيضًا، إذ هدفت إلى منع الطبقات الدنيا من تقليد النبلاء والحفاظ على الفوارق الاجتماعية بشكل واضح في الشارع والأسواق.

مخطوطة ثالثة
مخطوطة ثالثة
مخطوطة قانون أوروبى أخرى
مخطوطة قانون أوروبى أخرى

 

مخطوطة قانون أوروبى
مخطوطة قانون أوروبى

 

مخطوطة قانون
مخطوطة قانون
ملابس اوروبية فى العصور الوسطى
ملابس اوروبية فى العصور الوسطى

 

العباسيون والأمويون.. السياسة ترتدي ألوانها

في التاريخ الإسلامي تحولت الألوان إلى رموز سياسية مباشرة. فقد ارتبط Umayyad Caliphate باللون الأبيض، بينما اتخذ Abbasid Caliphate اللون الأسود شعارًا سياسيًا وعسكريًا.
وتشير دراسات تاريخية منشورة عبر Encyclopaedia Britannica⁠ إلى أن الرايات والملابس لم تكن مجرد مظاهر شكلية، بل أدوات دعائية تعكس الشرعية والانتماء السياسي والديني.
ومع الوقت، اكتسبت بعض الألوان دلالات ممتدة استمرت لقرون، إذ ارتبط الأسود بالحركات الثورية أو الدينية في مناطق مختلفة، بينما بقي الأبيض رمزًا للنقاء والشرعية في سياقات أخرى.

1
 صورة مولدة بالذكاء الاصطناعى

 

الاستعمار الأوروبي.. حين غزت الأقمشة العالم

مع Industrial Revolution تغيرت معادلة الألوان عالميًا. فبعد أن كانت الأصباغ الطبيعية نادرة ومكلفة، سمحت الثورة الصناعية بإنتاج كميات هائلة من الأقمشة والألوان بتكلفة منخفضة.
لكن التحول لم يكن اقتصاديًا فقط، إذ استخدمت القوى الاستعمارية الأوروبية الملابس باعتبارها أداة “تمدين” وفرض ثقافي داخل المستعمرات.
ويوضح Victoria and Albert Museum⁠ أن الزي الأوروبي انتشر داخل الإدارات والجيش والمدارس في المستعمرات، بينما تراجعت الصناعات التقليدية المحلية في الهند ومصر وشمال أفريقيا تحت ضغط المنتجات الصناعية الأوروبية.
وفي كثير من المناطق أصبح التمسك بالزي التقليدي فعل مقاومة ثقافية ضد الهيمنة الغربية.

 

1
 

 

2
 

 

القرن العشرون.. الألوان تتحول إلى سلاح دعائي

في القرن العشرين دخلت الألوان مرحلة جديدة مع صعود الحركات السياسية الجماهيرية. ففي Italy ارتبط الفاشيون بـ “القمصان السوداء”، بينما عُرف أنصار النازية في Germany بـ “القمصان البنية”.
كما أصبح اللون الأحمر رمزًا للحركات الشيوعية والثورية حول العالم، في حين ارتبط الأبيض بحركات السلام والاستسلام.
ويؤكد مؤرخون أن توحيد لون الملابس داخل الحركات السياسية كان يهدف إلى خلق شعور جماعي بالقوة والانضباط والانتماء، وتحويل الأفراد إلى “كتلة بصرية” يسهل حشدها نفسيًا وسياسيًا.

1
 

 

الفاشية
الفاشية
الاحمر رمز الشيوعية
الاحمر رمز الشيوعية

 

النازية
النازية

هل انتهى صراع الألوان؟

ورغم اختفاء معظم القوانين التي كانت تمنع الناس من ارتداء ألوان بعينها، يرى باحثون أن الصراع لم ينتهِ، بل تغير شكله فقط. فالألوان اليوم لا تزال تحمل دلالات طبقية وثقافية وسياسية، بينما تتحكم شركات الموضة العالمية في “ألوان المواسم” وتعيد إنتاج مفاهيم الهيبة والثراء والانتماء بطرق جديدة.
وبينما يعتقد البشر أنهم يختارون ألوانهم بحرية كاملة، يكشف التاريخ أن الألوان كانت دومًا أداة لإعادة رسم الحدود بين السلطة والناس.

1
 

 

2
 

 

الألوان ومصير البشر.. حين تتحول الملابس إلى حكم اجتماعي وقانوني

لم تتوقف دلالات الألوان عند حدود الطبقة أو السلطة السياسية، بل امتدت أحيانًا لتحديد “مصير الإنسان” نفسه داخل المجتمع والسجون والمحاكم، ففي كثير من الدول أصبحت ألوان الملابس جزءًا من التصنيف القانوني والنفسي، بحيث يمكن معرفة وضع الشخص ومكانته ومصيره بمجرد النظر إلى لون ما يرتديه.


في Egypt على سبيل المثال، يحمل زي السجون دلالات واضحة؛ إذ يرتدي المحبوس احتياطيًا أو المتهم الذي لم يصدر بحقه حكم نهائي الملابس البيضاء، بينما يرتدي المحكوم عليهم بالسجن الزي الأزرق، في حين يُخصص اللون الأحمر غالبًا للمحكوم عليهم بالإعدام. ويقول متخصصون في علم الاجتماع الجنائي إن الهدف من هذا التصنيف لا يقتصر على التنظيم الإداري داخل السجون، بل يمتد إلى ترسيخ حالة نفسية تعكس موقع السجين داخل “هرم العقوبة”.

ملابس سجين
ملابس سجين

 

ملابس محبوس احتياطيا فى مصر
ملابس محبوس احتياطيا فى مصر

 

ملابس محكوم عليه بالاعدام
ملابس محكوم عليه بالاعدام


ولا يقتصر الأمر على مصر، ففي United States تستخدم بعض السجون ألوانًا مختلفة لتحديد درجة خطورة السجين أو وضعه القانوني، حيث يُستخدم البرتقالي في عدد من الولايات لتمييز السجناء قيد الاحتجاز، بينما تعتمد مؤسسات أخرى اللون الأحمر للنزلاء ذوي الخطورة العالية، أو الأخضر والصفر للتمييز بين الفئات المختلفة داخل المنشآت العقابية.

زى سجون برتقالى
زى سجون برتقالى

 

وتشير تقارير منشورة عبر Federal Bureau of Prisons⁠ إلى أن أنظمة الملابس داخل السجون الأمريكية تختلف وفقًا لكل ولاية أو مؤسسة إصلاحية.


أما في China خلال فترات تاريخية مختلفة، فقد استُخدمت الملابس والألوان لتمييز “الأعداء الطبقيين” أو المعارضين السياسيين، خصوصًا خلال Cultural Revolution، حين تحولت الملابس الموحدة إلى وسيلة لإظهار الولاء السياسي أو كشف “الانحراف الأيديولوجي”.

download
ملابس اسرة صينية 


وفي أوروبا خلال العصور الوسطى، لم تكن بعض الفئات المهمشة أو المضطهدة تملك حرية اختيار ملابسها أيضًا، إذ فرضت سلطات محلية على اليهود والمسلمين والأقليات ارتداء علامات أو ألوان محددة لتمييزهم عن بقية السكان، وفق ما تذكره Encyclopaedia Britannica - Sumptuary law⁠.

1
ملابس أوروبية فى العصور الوسطى 


ويرى باحثون أن أخطر ما في “سلطة اللون” أنه يحول الإنسان إلى تصنيف بصري فوري؛ فبمجرد رؤية اللون، تتشكل لدى المجتمع صورة مسبقة عن الشخص، سواء كان ملكًا أو سجينًا أو ثائرًا أو حتى محكومًا بالموت.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة