دموع تماسيح الإخوان.. خطاب المظلومية ونظرية المؤامرة وصفة سحرية استخدمتها الإرهابية لعقود لتبرير أي سقوط أو فضيحة أو فشل.. أقنعت اتباعها أن العالم كله يتآمر عليها.. وخبير: الإخوان احترفوا دور الضحية

الأربعاء، 13 مايو 2026 10:00 م
دموع تماسيح الإخوان.. خطاب المظلومية ونظرية المؤامرة وصفة سحرية استخدمتها الإرهابية لعقود لتبرير أي سقوط أو فضيحة أو فشل.. أقنعت اتباعها أن العالم كله يتآمر عليها.. وخبير: الإخوان احترفوا دور الضحية الاخوان

كتبت إسراء بدر

لم تكن جماعة الإخوان الإرهابية طوال تاريخها مجرد جماعة سياسية تسعى للنفوذ أو تنظيم ديني يرفع الشعارات، بل كانت مشروعًا قائمًا بالأساس على صناعة حالة نفسية كاملة داخل أعضائه، عنوانها الدائم هو "نحن ضحايا العالم"، فمنذ تأسيس الجماعة على يد حسن البنا، عمل التنظيم على ترسيخ فكرة أن الجماعة مستهدفة دائمًا، وأن أي رفض لها أو انتقاد لأفكارها أو مواجهة لمخططاتها هو حرب على الإسلام وليست مواجهة لتنظيم سياسي له مشروعه ومصالحه وأخطاؤه.

وعبر عقود طويلة، نجحت الجماعة في تحويل خطاب المظلومية إلى عقيدة تنظيمية تُزرع داخل الأعضاء منذ اللحظة الأولى، بحيث يشعر المنتمي للتنظيم أنه يعيش في معركة دائمة مع المجتمع والدولة والعالم، وأن التنظيم مهما أخطأ فهو ضحية مؤامرة، وليس مسؤولًا عن نتائج سياساته أو ممارساته.

هذه العقلية لم تكن مجرد رد فعل سياسي على أزمات متلاحقة، بل أصبحت جزءًا من البنية الفكرية والنفسية للتنظيم، حتى بدا واضحًا أن الجماعة لا تستطيع البقاء إلا داخل أجواء الصدام والاضطهاد، لأنها تستمد من تلك الحالة قدرتها على السيطرة على الأتباع، وشحنهم عاطفيًا، ومنعهم من مراجعة أفكار الجماعة أو نقد قياداتها.

 

صناعة المظلومية داخل أدبيات الجماعة

من يقرأ أدبيات الجماعة القديمة والحديثة يلاحظ بسهولة الحضور المكثف لفكرة "الابتلاء" و"المحنة" و"المؤامرة"، وهي مفردات لم تُستخدم باعتبارها توصيفًا سياسيًا فقط، بل كوسيلة لإعادة تشكيل وعي الأعضاء نفسيًا وفكريًا.

فالتنظيم كان حريصًا دائمًا على تصوير نفسه باعتباره جماعة مطاردة لأنها تحمل الحق، لا لأنها جماعة دخلت في صدامات سياسية أو لديها ممارسات إرهابية أثارت رفضًا واسعًا، وهنا جرى خلط متعمد بين الدين والتنظيم، بحيث يصبح أي هجوم على الجماعة وكأنه هجوم على الإسلام نفسه.

ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفكرة إلى وسيلة فعالة لإغلاق باب النقد الداخلي، لأن العضو الذي يبدأ في التساؤل أو الاعتراض يتم إقناعه سريعًا بأن ما يحدث هو جزء من “حرب كبيرة” تستهدف الجماعة، وأن وقت المحاسبة أو المراجعة لم يأتِ بعد.

 

تحويل الهزائم إلى أدوات للتجنيد

واحدة من أخطر قدرات الجماعة كانت دائمًا قدرتها على تحويل الهزائم إلى أدوات لإعادة إنتاج نفسها، فبدل الاعتراف بالأخطاء السياسية والتنظيمية، كانت كل أزمة تتحول إلى مادة تعبئة جديدة يتم استخدامها لاستقطاب المزيد من العناصر.

فكلما تعرض التنظيم لضربة، أعاد تشغيل ماكينة المظلومية، وبدأت الروايات المعتادة عن "الصمود والثبات والابتلاء"، ليخرج التنظيم من أزماته بصورة "الضحية البطلة"، لا باعتباره مسؤولًا عن الفشل أو الصدام.

ولذلك، لم يكن غريبًا أن تستغل الجماعة أحداثًا تاريخية مختلفة لإعادة شحن أعضائها نفسيًا، وتقديم القيادات باعتبارهم "ضحايا مؤامرات"، بدل تقديم مراجعات حقيقية للأفكار التي قادت التنظيم إلى الأزمات المتكررة.

 

المؤامرة كوسيلة للهروب من الاعتراف بالفشل

المشكلة الكبرى في خطاب الجماعة أنها لا تعترف تقريبًا بفكرة الخطأ السياسي أو التنظيمي، بل تلجأ دائمًا إلى شماعة "المؤامرة"، فكل سقوط أو رفض شعبي أو انقسام داخلي يتم تفسيره باعتباره نتيجة تحالفات تستهدف التنظيم، وليس نتيجة طبيعية لممارسات الجماعة نفسها.

هذه العقلية خلقت حالة من الانغلاق الفكري داخل التنظيم، حيث يتم تربية الأعضاء على أن العالم كله يتآمر عليهم، وأن أي رواية مخالفة هي جزء من الحرب ضد الجماعة.

ومع الوقت، أصبحت نظرية المؤامرة ليست مجرد خطاب إعلامي، بل أسلوب حياة كامل داخل التنظيم، يبرر الفشل، ويمنع النقد، ويُبقي الأعضاء في حالة استنفار نفسي دائم.

 

طارق البشبيشي: الإخوان احترفوا تسويق الاضطهاد للبقاء

وفي هذا السياق، قال طارق البشبيشي الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، إن جماعة الإخوان الإرهابية اعتمدت عبر تاريخها على "تسويق الاضطهاد" باعتباره أحد أهم أسلحة السيطرة على الأعضاء وإعادة تدوير التنظيم بعد كل سقوط.

وأوضح البشبيشي أن الجماعة تتعمد دائمًا تصوير نفسها كضحية مستهدفة، لأن هذا الخطاب يسمح لها بالهروب من النقد الداخلي، ويمنحها قدرة على تعبئة العناصر نفسيًا ضد الدولة والمجتمع.

وأضاف أن فكرة المؤامرة المستمرة تُعد من الركائز الأساسية داخل البناء الفكري للجماعة، حيث يتم إقناع الأعضاء بأن التنظيم لا يفشل بسبب أخطائه، بل لأنه محارب من الجميع، وهو ما يساعد القيادات على الحفاظ على تماسك القواعد التنظيمية حتى في أصعب اللحظات.

وأشار إلى أن الجماعة استخدمت هذا الأسلوب بكثافة بعد كل مرحلة تراجع أو سقوط، سواء في الأربعينيات أو الستينيات أو بعد سقوط حكمها، حيث جرى توظيف خطاب المظلومية بصورة مكثفة عبر المنصات الإعلامية واللجان الإلكترونية لإعادة إنتاج التعاطف مع التنظيم.

 

السقوط الحقيقي لخطاب المظلومية

لكن السنوات الأخيرة كشفت حجم التناقض داخل هذا الخطاب، خاصة بعدما اصطدمت الشعارات بالواقع، واكتشف كثيرون أن الجماعة التي تتحدث باستمرار عن الاضطهاد والمبادئ لم تكن بعيدة عن الصراع على السلطة أو توظيف الدين لتحقيق مصالح سياسية وتنظيمية.

ومع اتساع الوعي الشعبي، تراجعت قدرة الجماعة على استخدام خطاب المظلومية بنفس التأثير القديم، بعدما أصبحت قطاعات واسعة أكثر إدراكًا لأساليب التلاعب العاطفي واستغلال الأزمات لصناعة تعاطف زائف.

وأخطر ما في جماعة الإخوان الإرهابية ليس فقط خطابها السياسي أو الإعلامي، بل قدرتها الطويلة على تحويل الفشل إلى بطولة، والهزيمة إلى “محنة مقدسة”، واستغلال المظلومية كوسيلة مستمرة للبقاء والسيطرة، حتى أصبح التنظيم أسيرًا للرواية التي صنعها بنفسه عبر عقود طويلة.

 


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة