إحسان السيد تكتب: ولنا في «التصالح» عظة.. اعترافات اجتماع «الإدارة المحلية» تكشف أزمة التشريعات المنقوصة والرهان الخاسر على اكتمالها بـ اللوائح.. وإدراك حكومي مبكر بتعديلات على القانون لتخفيف الأعباء

الأربعاء، 13 مايو 2026 07:50 م
إحسان السيد تكتب: ولنا في «التصالح» عظة.. اعترافات اجتماع «الإدارة المحلية» تكشف أزمة التشريعات المنقوصة والرهان الخاسر على اكتمالها بـ اللوائح.. وإدراك حكومي مبكر بتعديلات على القانون لتخفيف الأعباء التصالح في مخالفات البناء

لم يكن الاجتماع الذي عقدته لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب، لمناقشة معوقات التصالح في مخالفات البناء ببعض المحافظات، مجرد اجتماعا يرد فيه المسؤول على طلبات الإحاطة المقدمة وبحث تسهيل الإجراءات أو حل أزمات المواطنين، لكنها تحولت إلى لحظة "اعتراف تشريعي" من الحكومة والنواب أنفسهم.. اللحظة التي أقر خلالها عدد من النواب بأن قانون التصالح خرج إلى النور وهو يحمل أزمات ومشكلات منذ البداية، وأن البرلمان نفسه وافق على نصوص منقوصة على أمل أن تنجح اللائحة التنفيذية لاحقا في سد الثغرات ومعالجة التعقيدات.

 

تشريعات غير مكتملة

هذه الاعترافات البرلمانية التي جاءت صريحة، وصادمة في بعض الأحيان، للدرجة التي وصف فيها النائب ضياء داود، قانون التصالح في مخالفات البناء، بأنه "عبث تشريعي" و"تشريع مشوه غير مكتمل"، متسائلًا: كيف نتحدث اليوم عن معوقات بينما البرلمان نفسه وافق على القانون بهذه الصورة؟".. النائبة سحر عتمان، كانت على نفس وتيرة الحديث، في تعقيبها على قول الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية بأن القانون صناعة البرلمان، حيث ردت "عتمان": "إحنا اللي عملنا القانون ووافقنا عليه، وأجريت عليه التعديلات، وصولا للشكل الأخير للقانون، وما كشفه الواقع من استمرار التعقيدات الإجرائية والتباين في التطبيق بين الوحدات المحلية، رغم التعديلات التشريعية الأخيرة وما صاحبها من تعهدات بتيسير الإجراءات"، مؤكدة غياب آليات واضحة تُلزم الجهات التنفيذية بتفعيل أثر نموذج بعد صدوره، واعتبرت "عتمان" في طلب إحاطة تقدمت به في هذا الشأن، أن هذا التعطل يُفرغ القانون من هدفه الأساسي، حيث يتحول الامتثال إلى عبء مالي دون مردود عملي، بما يضعف ثقة المواطنين في المنظومة، ويقوّض فلسفة تقنين الأوضاع التي يستهدفها القانون".

الرهان الخاسر على اللائحة.. والبحث عن إجابات لأسئلة المتضررين

اجتماع لجنة الإدارة المحلية برئاسة اللواء محمود شعراوي، وحضور د. منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة، شهد إقرار من النواب بأن الرهان وقت مناقشة القانون والموافقة عليه في صورته الأخيرة كان قائمًا على قدرة اللائحة التنفيذية على تجاوز العقبات، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع، وعلى مدار سنوات مع تطبيق القانون..
والواقع يقول أيضا أن أزمة "التصالح في مخالفات البناء" لم تبدأ اليوم، فالقانون منذ صدوره دخل في سلسلة طويلة من التعديلات والتمديدات، بداية من قانون التصالح الأول عام 2019، مرورًا بتعديلات ومد مدد العمل بالقانون، ثم إصدار قانون جديد في 2023، وصولًا إلى تعديلات جديدة مطروحة حاليا في محاولة لإنقاذ آلاف الطلبات المتعثرة ومعالجة أزمات التطبيق، هذا المسار الطويل من التعديل يكشف أن الأزمة لم تكن مرتبطة فقط بالتنفيذ، بل بوجود مشكلات هيكلية صاحبت فلسفة التشريع منذ البداية.


ومع تعطل عشرات الآلاف من طلبات التصالح، وتعقيدات الأحوزة العمرانية، والاشتراطات الفنية والإجرائية، وجد نواب البرلمان أنفسهم أمام غضب من المواطنين، وأسئلة يعجزون عن الرد عليها، وهو ما فرض مراجعة مرة أخرى للتجربة بأكملها، لينتقل بعض النواب من موقع المدافع عن القانون إلى موقع الناقد له والمعترف بأخطائه.

 

إدراك حكومي بالمعوقات.. ومقترحات للحل

لكن دلالة المشهد لا تتوقف عند حدود البرلمان فقط، فالحكومة نفسها بدت مدركة مبكرا لحجم الأزمة، بعدما تحركت نحو إعداد تعديلات جديدة تتضمن مد مدد التصالح، وتخفيض بعض الرسوم، وتسهيل إجراءات القبول، بما يعكس ادراكا رسميا بأن التطبيق العملي كشف عن صعوبات تفوق قدرة المواطنين والجهات التنفيذية على التعامل معها.
حيث شملت التعديلات التي ستعرض على مجلس الوزراء، وتم اعتمادها من هيئة مستشاري مجلس الوزراء، مد العمل بالقانون لمدة ٣ سنوات، والسماح بالتصالح على الجراجات بما لا يجاوز 3 أمثال، وتفويض رؤساء المدن في اعتماد بعض النماذج، والتصالح على المناطق المتاخمة للآثار، بجانب السماح في بعض الحالات بتقديم تقرير السلامة الإنشائية من مهندس نقابي.
وتضمنت المقترحات أيضًا استكمال أعمال الدور، والإعفاء من تشطيب الواجهات، إلى جانب منح خصم 50% من قيمة التصالح لمستفيدي "تكافل وكرامة" والعمالة غير المنتظمة، في إطار توجه الدولة نحو تخفيف الأعباء عن الفئات الأولى بالرعاية.

 

كيف تصنع التشريعات؟

ويكشف ملف التصالح في النهاية عن قضية أوسع تتعلق بطريقة صناعة التشريعات نفسها، وحدود الرهان على اللوائح التنفيذية في معالجة عيوب القوانين أو وجود تساؤلات فيها تحتاج لأجوبة قبل التطبيق، فضلًا عن فكرة التعديلات المتكررة التي باتت تلاحق عددا من القوانين بعد فترة قصيرة من إصدارها، وكأن بعض التشريعات تختبر عمليا بعد خروجها للمواطنين وليس قبل إقرارها.


وربما تكون أهم ما كشفته أزمة "التصالح"، أن الاعتراف بالمشكلة جاء بعد سنوات من التطبيق والمعاناة، لتبقى الأسئلة مطروحة: هل أصبحت القوانين تصدر قبل اكتمال جاهزيتها؟ وهل تحولت التعديلات اللاحقة إلى جزء دائم من دورة التشريع؟ والأهم.. كيف يمكن منع تكرار "تشريعات الأزمة مستقبلا؟".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة