تواجه قوات الدعم السريع في السودان ضغوطًا متصاعدة على أكثر من جبهة، مع اتساع نطاق الضربات الجوية التي تستهدف مواقعها الحيوية، وتزايد الانشقاقات داخل صفوفها، بالتزامن مع تحركات سياسية دولية تسعى إلى تشديد العزلة عليها.
وفي وقت تشهد فيه مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة تستهدف مقار قيادات ميدانية بارزة، أعلن أحد أبرز القادة الميدانيين، علي رزق الله المعروف بـ“السافنا”، انشقاقه رسميًا عن القوات، بينما يتحرك نواب فرنسيون داخل البرلمان الأوروبي لدفع مسار تصنيف الدعم السريع “منظمة إرهابية”، في تطورات تعكس تصاعد الضغوط العسكرية والسياسية على القوات التي تخوض حربًا مفتوحة مع الجيش السوداني منذ أبريل 2023.
ضربات المسيّرات تصل قلب نيالا
قال سكان محليون ومصادر بمدينة نيالا في ولاية جنوب دارفور إن طائرات مسيّرة يُعتقد أنها تتبع للجيش السوداني نفذت، هجمات استهدفت مقار ومنازل تعود لقادة بارزين في قوات الدعم السريع داخل المدينة.
وبحسب إفادات شهود، قصفت إحدى المسيّرات مقرًا يتبع لأحد قادة الدعم السريع قرب مفوضية العون الإنساني بحي المزاد وسط نيالا، فيما استهدفت مسيّرة أخرى منزل قائد ميداني بحي الرياض شمال المدينة.
وأشار السكان إلى أن مسيّرة ثالثة ضربت ساحة خالية في حي المطار، حيث يقع مقر قيادة قوات الدعم السريع، وذلك بعد أيام من انفجارات قوية شهدتها المدينة.
وذكرت مصادر متطابقة أن عددًا من القادة العسكريين القادمين من محاور القتال في كردفان كانوا متواجدين داخل المنزل المستهدف بحي الرياض وقت وقوع الهجوم، دون أن تتضح على الفور حصيلة الخسائر البشرية، وفقا لموقع دارفور 24.
ويأتي هذا التصعيد بعد سلسلة ضربات مماثلة شهدتها نيالا خلال الأشهر الماضية، حيث سبق أن استهدفت مسيّرة في مارس الماضي منزل القيادي بقوات الدعم السريع عيسى بشارة بحي الرياض، دون تسجيل خسائر كبيرة.
كما تعرض محيط مطار نيالا الدولي، الذي أعادت قوات الدعم السريع تشغيله قبل نحو عامين، إلى هجمات بالطائرات المسيّرة الأسبوع الماضي، إلى جانب قصف طال معسكر “المزلقان” شمال المدينة، وهو أحد أبرز مواقع التدريب التابعة للقوات.
ويرى مراقبون أن تكثيف استخدام المسيّرات يعكس تحولًا واضحًا في تكتيكات الجيش السوداني، الذي بات يعتمد بصورة أكبر على الضربات الجوية الدقيقة لاستهداف القيادات ومراكز الإمداد التابعة للدعم السريع، خصوصًا في دارفور وكردفان.
انشقاق السافنا.. تصدع جديد داخل الدعم السريع
بالتزامن مع التصعيد العسكري، تلقت قوات الدعم السريع ضربة داخلية جديدة بإعلان القائد الميداني البارز علي رزق الله، المعروف بـ“السافنا”، انشقاقه رسميًا عن القوات.
وقال السافنا: من اليوم ليس لي علاقة بالدعم السريع وأعلن انشقاقي الكامل عن هذه القوات، وصوتي هو صوت الشعب السوداني”، مؤكدًا أنه لا ينتمي إلى أي جهة عسكرية أخرى.
ويعد السافنا من أبرز القادة الميدانيين الذين اعتمدت عليهم قوات الدعم السريع في إقليم دارفور، حيث مُنح رتبة العميد وتمتع بنفوذ واسع في مناطق شرق دارفور، كما لعب دورًا محوريًا في استقدام مقاتلين أجانب من جنوب السودان وتشاد والنيجر، إضافة إلى قيادته عمليات عسكرية في النهود والخوي بولاية غرب كردفان.
وتعود بدايات “السافنا” إلى عام 2013 عندما قاد حركة مسلحة وقعت اتفاق سلام مع نظام الرئيس المعزول عمر البشير، حصل بموجبه على رتبة مقدم في الجيش السوداني، قبل أن يعود إلى التمرد وينضم إلى “مجلس الصحوة” بقيادة الزعيم القبلي موسى هلال.
وفي عام 2017 اعتُقل برفقة موسى هلال، وخضع لمحاكمة عسكرية انتهت بفصله من الجيش وتجريده من رتبته، قبل أن تعيده الحرب الحالية إلى المشهد بعدما أخرجته قوات الدعم السريع من السجن عقب اندلاع القتال في أبريل 2023.
ويُعد هذا الانشقاق الثاني من نوعه خلال أقل من شهرين، بعد مغادرة اللواء النور القبة، أحد أبرز قادة الدعم السريع في شمال دارفور، وانضمامه إلى الجيش السوداني.
كما لعب موسى هلال دورًا مؤثرًا في تحييد عدد من أبناء قبيلة المحاميد المنخرطين في صفوف الدعم السريع، بعد نجاحه في إبعاد اثنين من أبرز القادة المرتبطين بالقوات.
تحرك فرنسي لتصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية
وفي تطور سياسي لافت، أعلن النائب الفرنسي كريستوف ماريون عزمه التقدم بمقترح داخل الجمعية الوطنية الفرنسية للدفع نحو تصنيف قوات الدعم السريع “منظمة إرهابية” على المستوى الأوروبي.
وجاءت تصريحات ماريون عقب زيارة أجراها إلى السودان شملت الخرطوم وبورتسودان، حيث التقى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، إلى جانب عدد من ضحايا الحرب والنازحين.
وقال النائب الفرنسي إنه يسعى إلى حشد دعم أوروبي لاتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه قوات الدعم السريع، مشيرًا إلى أنه اطلع ميدانيًا على حجم الدمار والانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، خصوصًا في دارفور والخرطوم.
وأضاف: “أردت أن أرى بأم عيني المأساة التي عاشتها الخرطوم، وأن أستمع إلى شهادات من عانوا من بطش قوات الدعم السريع”.
وأكد ماريون، الذي يرأس مجموعة الصداقة الفرنسية ـ السودانية، تمسك باريس بوحدة السودان، مشددًا على أن مستقبل البلاد ينبغي أن يُبنى عبر عملية انتقالية تقود إلى مزيد من الديمقراطية.
من جانبه، قال مني أركو مناوي إن الوفد الفرنسي استمع إلى شهادات نازحين وفارين من مدينة الفاشر، واطلع على حجم الانتهاكات التي تعرض لها المدنيون، معتبرًا أن نقل هذه الوقائع إلى المجتمع الدولي يمثل خطوة مهمة نحو إنصاف الضحايا.
وتشهد الفاشر منذ مايو 2024 مواجهات عنيفة وهجمات متكررة أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، فضلًا عن تدمير واسع للبنية التحتية والمرافق الحيوية، وسط تحذيرات أممية من تفاقم الكارثة الإنسانية في الإقليم.
ضغوط متزامنة تعيد تشكيل المشهد
تعكس التطورات الأخيرة حجم الضغوط التي تواجهها قوات الدعم السريع على المستويين العسكري والسياسي، في ظل تصاعد الضربات الجوية الدقيقة، واتساع الانشقاقات داخل صفوفها، إلى جانب تنامي التحركات الدولية المطالبة بمحاسبتها على الانتهاكات المرتكبة خلال الحرب.
ومع استمرار المعارك في دارفور وكردفان والخرطوم، تبدو الحرب السودانية مرشحة لدخول مرحلة أكثر تعقيدًا، عنوانها تصاعد حرب المسيّرات، وتزايد الاستهداف المباشر للقيادات الميدانية، بالتوازي مع محاولات إعادة تشكيل التحالفات السياسية والعسكرية داخل البلاد وخارجها.