الإخوان والحشاشين.. تاريخ أسود من تنظيمات قدست القيادة وألغت العقل.. روجت لفكرة الولاء للجماعة يسبق الولاء للوطن والدين: من معنا مسلم ومن ضدنا عدو.. والجماعة سعت إلى هدم المجتمع تمهيدًا للسيطرة عليه

الأربعاء، 13 مايو 2026 06:00 م
الإخوان والحشاشين.. تاريخ أسود من تنظيمات قدست القيادة وألغت العقل.. روجت لفكرة الولاء للجماعة يسبق الولاء للوطن والدين: من معنا مسلم ومن ضدنا عدو.. والجماعة سعت إلى هدم المجتمع تمهيدًا للسيطرة عليه الاخوان

كتبت إسراء بدر

في كل مرحلة من مراحل سقوط الدول وتمزيق المجتمعات، كانت هناك دائمًا جماعات تتخفى خلف الشعارات الدينية بينما تمارس أخطر أنواع السيطرة على العقول، فتُغيب الوعي، وتُقدس التنظيم، وتزرع داخل أتباعها شعورًا بأنهم وحدهم "الفرقة المختارة"، وما عداهم إما خصوم أو خونة أو خارجون عن الطريق الصحيح. ومن هنا تبدو المقارنة بين جماعة الإخوان وتنظيم الحشاشين التاريخي ليست مجرد استدعاء عابر للتاريخ، بل قراءة في عقلية واحدة تتكرر بأسماء وأزمنة مختلفة، لكنها تقوم على الأساس ذاته وهو احتكار الحقيقة، وتقديس القيادة، وتحويل الدين إلى أداة للنفوذ والسيطرة وإعادة تشكيل المجتمعات من الداخل.

فعندما يتحول التنظيم إلى ما يشبه "العقيدة المغلقة"، يصبح العضو منفصلًا تدريجيًا عن مجتمعه، خاضعًا فقط لفكر الجماعة وأوامرها، مقتنعًا أن الطريق إلى الجنة يمر عبر التنظيم لا عبر الدين نفسه، وهنا تحديدًا تكمن أخطر نقاط التشابه بين الحشاشين والإخوان، فكل طرف منهما تعامل مع أتباعه باعتبارهم النخبة المؤمنة، بينما بقية المجتمع يعيش في ضلال أو جاهلية أو يحتاج إلى إعادة تشكيل بالقوة الفكرية والتنظيمية.

وفي هذا السياق قال ماهر فرغلي الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية والتنظيمات الجهادية إن التنظيمات التي تتاجر بالدين أصبحت تلعب على المكشوف، لأنها تعتمد على تغييب العقل وإدخال الأتباع في حالة شبيهة بالغيبوبة الفكرية، وهو ما يشبه تأثير الحشيش الذي يعطل الوعي ويجعل الإنسان أسيرًا لوهم يصدقه باعتباره الحقيقة المطلقة. ومن هنا لم يكن غريبًا أن تتشابه بنية التفكير بين الحشاشين قديمًا وبعض التنظيمات المؤدلجة حديثًا، حيث يصبح الولاء للتنظيم فوق الوطن، وفوق المجتمع، بل وفوق الحقيقة نفسها.

 

من حسن الصباح إلى سيد قطب.. حزب الحق الذي يحتكر الدين

يرى فرغلي أن الأزمة الكبرى التي بدأت مع حسن الصباح ثم انتقلت لاحقًا إلى جماعات وتنظيمات أخرى منبثقة منه، هي أن كل تنظيم يتعامل مع نفسه باعتباره حزب الحق وصاحب المهمة المقدسة، وأنه وحده الذي يمتلك الفهم الصحيح للدين والطريق الحصري للنجاة أو هو من يمتلك الدين من الأساس.

هذه الفكرة ظهرت بوضوح في أدبيات سيد قطب الذي تحدث عن جماعة المسلمين بصيغة توحي بأن الجماعة التي ينتمي إليها هي وحدها الممثلة للإسلام الحقيقي، بينما الآخرون يعيشون حالة من الجاهلية أو الابتعاد عن الدين الصحيح. وهنا يتحول التنظيم من كيان سياسي أو دعوي إلى دين داخل الدين، ويصبح الانتماء للجماعة معيارًا للإيمان والولاء.

 

إفساد الزمان.. هدم المجتمع تمهيدًا للسيطرة عليه

المفهوم الذي استخدمه الحشاشون قديمًا تحت عنوان إفساد الزمان لم يكن مجرد تعبير فلسفي، بل كان يعني عمليًا ضرب المجتمع القائم وإضعافه وإحداث حالة من التفكك والاضطراب تسمح للتنظيم بالتغلغل والسيطرة، ويؤكد فرغلي أن هذه الفكرة ظهرت لاحقًا بأشكال مختلفة لدى جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات القطبية، حين جرى تصوير المجتمع باعتباره مجتمعًا جاهليًا يحتاج إلى إعادة بناء وفق رؤية الجماعة، ومن هنا يبدأ الصدام مع الدولة، ثم مع المجتمع، ثم مع كل من يرفض الانصياع للفكر التنظيمي.

 

الاستعلاء على المجتمع.. أخطر ما يجمع الحشاشين والإخوان

واحدة من أخطر النقاط المشتركة بين الحشاشين والإخوان هي فكرة الاستعلاء، فالتنظيم لا يرى نفسه جزءًا طبيعيًا من المجتمع، بل كيانًا أعلى منه، يمتلك الحقيقة الكاملة بينما يعيش الآخرون في الضلال أو النقص، ويظهر ذلك بوضوح في بعض أدبيات حسن البنا وكتابات سيد قطب، حيث يتم تقديم الجماعة باعتبارها "الطليعة المؤمنة" التي تملك وحدها الفهم الصحيح للإسلام، بينما بقية المجتمع يحتاج إلى إعادة توجيه أو إصلاح.

هذه العقلية لا تخلق فقط الانغلاق الفكري، بل تفتح الباب أمام التكفير والكراهية والانقسام، لأن العضو داخل التنظيم يصبح مقتنعًا أنه أعلى من المجتمع وأكثر فهمًا للدين منه، وأن معارضة الجماعة تعني معارضة الحق نفسه.

 

الولاء للتنظيم.. من معنا فهو مسلم ومن ضدنا فهو عدو

أخطر ما تنتجه التنظيمات المغلقة هو تحويل الولاء للجماعة إلى معيار للإيمان والانتماء، فبدلًا من أن يكون الاختلاف طبيعيًا داخل المجتمع، يصبح كل معارض خصمًا أو عدوًا أو حتى خارجًا عن الدين في نظر العناصر المؤدلجة، ويشير فرغلي إلى أن هذه الفكرة كانت حاضرة بقوة لدى الحشاشين، ثم ظهرت لاحقًا لدى جماعات الإسلام السياسي، حيث يتم تقسيم الناس إلى "موالون" و"أعداء"، ومن يوالِ التنظيم يصبح داخل الدائرة، أما من يرفضه فيتم التعامل معه باعتباره خصمًا للعقيدة نفسها.

 

معركة الوعي.. السلاح الحقيقي في مواجهة التنظيمات المؤدلجة

ورغم اختلاف الأزمنة بين الحشاشين والإخوان، فإن القاسم المشترك بينهما يبقى واحدًا وهو محاولة السيطرة على العقول عبر احتكار الحقيقة وتقديس التنظيم وإلغاء التفكير النقدي، ولهذا فإن المواجهة الحقيقية مع هذه التنظيمات ليست فقط أمنية أو سياسية، بل معركة وعي وفكر، لأن أخطر ما تفعله الجماعات المؤدلجة هو تحويل الدين من رسالة أخلاقية جامعة إلى أداة للهيمنة والفرز والسيطرة على المجتمعات من الداخل.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة